في كل بيت يوجد إنسانان أفنيا من عمرهما الكثير لأجلنا، ولا ننتظر منهما أن يطلبا شيئًا مقابل ذلك، إنهما أمي وأبي. وحين أكتب عن بر الوالدين أشعر أنني أكتب عن أقرب الناس إلى قلبي، وعن حق عظيم لا أستطيع مهما فعلت أن أؤدي كله، لكن الله يحب منا أن نجتهد في أدائه.
معنى بر الوالدين
البر هو الإحسان إلى الوالدين بالقول والفعل، وطاعتهما في غير معصية الله، وخدمتهما ومحبتهما والإنفاق عليهما عند الحاجة، وإدخال السرور على قلبيهما. وضده العقوق، وهو إيذاؤهما بالكلام أو الفعل أو إهمالهما والتقصير في حقهما.
مكانة بر الوالدين في الإسلام
جعل الله حق الوالدين بعد حقه سبحانه مباشرة، فقال في كتابه الكريم:
﴿وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ۚ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا (٢٣) وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا (٢٤)﴾ [الإسراء: 23–24]
ومعنى ذلك أن الإسلام لا يكتفي بأن نعطيهما حقهما، بل يعلّمنا الأدب في الكلمة والنظرة ونبرة الصوت، وأن نتواضع لهما كما يتواضع الطائر بجناحه لصغاره. وقد سأل ابن مسعود رضي الله عنه النبي ﷺ عن أحب الأعمال إلى الله، فبيّن له أن بر الوالدين يأتي بعد الصلاة في وقتها:
«الصَّلاَةُ عَلَى وَقْتِهَا» (رواه البخاري)
قال ابن مسعود: ثم أي؟ فقال ﷺ:
«ثُمَّ بِرُّ الْوَالِدَيْنِ» (رواه البخاري)
فانظر كيف جاء بر الوالدين بعد الصلاة التي هي عمود الدين، وهذا يدل على عظم منزلته عند الله.
فضل الأم وفضل الأب
للأم مكانة خاصة، فهي التي حملتنا ووضعتنا وسهرت الليالي ترعانا ونحن صغار لا نعرف شيئًا. وقد ذكر الله ذلك تذكيرًا لنا بجميلها:
﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَىٰ وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ [لقمان: 14]
وجاء رجل إلى النبي ﷺ فسأله من أحق الناس بحسن صحبته، فكان الجواب:
«أُمُّكَ» (رواه البخاري)
وكرر الرجل سؤاله: ثم من؟ فأجابه ﷺ بالجواب نفسه ثلاث مرات، ثم قال في الرابعة:
«ثُمَّ أَبُوكَ» (رواه البخاري)
وهذا لا يعني أن الأب أقل شأنًا، فهو يتعب ويعمل ليوفر لنا البيت والطعام والتعليم، ويحرص على تربيتنا وحمايتنا. فكلاهما له علينا حق كبير، وعلينا أن نبر بهما معًا.
صور من بر الوالدين في حياتنا
- أن أرد على أمي وأبي بأدب وصوت هادئ، وألا أقول لهما كلمة تجرحهما.
- أن أطيعهما فيما يأمراني به من خير، وأستأذنهما قبل خروجي من البيت.
- أن أساعد أمي في أعمال البيت، وأحمل عن أبي بعض ما يتعبه.
- أن أجتهد في دراستي لأفرحهما بنجاحي، فنجاح الابن من أجمل ما يسعد الوالدين.
- أن أقبّل رأسيهما ويديهما، وأجلس معهما وأستمع إلى حديثهما حتى لو كررا القصة نفسها.
- أن أدعو لهما في صلاتي وبعد كل صلاة.
- أن أكرم أصدقاءهما وأقاربهما بعد وفاتهما إن كانا قد رحلا، وأتصدق عنهما.
برهما عند الكبر
يحتاج الوالدان إلى رعاية أكبر حين يتقدم بهما العمر، فيضعف جسدهما ويقل صبرهما أحيانًا. وهنا يظهر صدق الابن، فيتحمل ولا يتضجر، ويتذكر أنهما تحملا منه الكثير حين كان صغيرًا. وقد حذّر النبي ﷺ من يضيّع هذه الفرصة العظيمة:
«رَغِمَ أَنْفُهُ ثُمَّ رَغِمَ أَنْفُهُ ثُمَّ رَغِمَ أَنْفُهُ» (رواه مسلم)
قيل: من يا رسول الله؟ قال:
«مَنْ أَدْرَكَ وَالِدَيْهِ عِنْدَ الْكِبَرِ أَحَدَهُمَا أَوْ كِلَيْهِمَا ثُمَّ لَمْ يَدْخُلِ الْجَنَّةَ» (رواه مسلم)
فالوالدان في الكبر بابان من أبواب الجنة مفتوحان أمامنا، والسعيد من دخل منهما.
عاقبة العقوق
من يعق والديه يخسر رضا الله وبركة العمر والرزق، ويشعر بالندم حين لا ينفع الندم، ثم إنه يعلّم أبناءه أن يعاملوه مثلما عامل أبويه. أما البار بوالديه فيجد البركة في عمره وأولاده، وتفتح له أبواب الخير والتوفيق.
الخاتمة
إن بر الوالدين من أعظم الأعمال وأحبها إلى الله، ومهما قدمنا لهما فلن نوفيهما حقهما، لكننا نبذل ما نستطيع من الحب والطاعة والدعاء. اللهم احفظ والدينا وأطل في أعمارهما على طاعتك، وارحم من مات منهما، واجمعنا بهم في جنات النعيم.
كلمات دليلية
تعبير، تعبير عن بر الوالدين، ورقات، تعبير مدرسي، ورقات تعليمية
