مقدمة البحث
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فإن حرية التعبير عن الرأي وطلب الحقوق من القضايا التي شغلت المجتمعات الإنسانية قديمًا وحديثًا، ومن الصور المعروفة في العالم لهذا التعبير ما يسمى التظاهر السلمي. وقد اختلفت الأنظمة والآراء في حدوده وضوابطه، وهذا البحث يعرض الموضوع عرضًا تعليميًا متوازنًا، يوضح المفهوم والآراء والأنظمة المعمول بها، وبدائل التعبير المشروعة التي تحفظ الأمن وتصون الحقوق.
تعريف الموضوع
التظاهر في اللغة من الظهور، ويُقصد به في الاصطلاح خروج جماعة من الناس إلى مكان عام، كالشوارع والميادين، للتعبير عن رأي أو مطلب أو موقف من قضية معينة. ويوصف بأنه سلمي إذا خلا من العنف والتخريب والاعتداء على الأشخاص والممتلكات، وكان بعيدًا عن حمل السلاح. وتعرف أشكاله بالمسيرات والتجمعات والاعتصامات والوقفات الاحتجاجية.
أهمية الموضوع
تأتي أهمية الموضوع من أن الطلاب والشباب يسمعون عن التظاهر في وسائل الإعلام وقد لا يعرفون حكمه وأنظمته، ولا الفرق بين التعبير المشروع والفوضى التي تضر بالأمن. كما أن فهم هذا الموضوع يعزز الوعي بحقوق المواطن وواجباته، ويعرّف بالقنوات النظامية التي يمكن من خلالها إيصال الرأي والنصيحة.
أهداف البحث
- التعرف على معنى التظاهر السلمي وأشكاله.
- معرفة الآراء المختلفة في التظاهر وأسباب اختلافها.
- الاطلاع على موقف الأنظمة الدولية وأنظمة المملكة منه.
- التعرف على وسائل التعبير عن الرأي وطلب الحقوق بطرق مشروعة.
- تنمية الحس الوطني والحرص على الأمن والاستقرار.
محاور البحث
أولًا: التعبير عن الرأي في الإسلام
أقر الإسلام مبدأ الشورى وتبادل الرأي، وجعل الأمر بالمعروف والنصيحة من أصول الدين، قال الله تعالى في وصف المؤمنين:
﴿وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [الشورى: 38]
وقال النبي ﷺ في بيان أن النصيحة أساس الدين:
«الدِّينُ النَّصِيحَةُ» (رواه مسلم)
فسأله الصحابة: لمن؟ فأجاب ﷺ:
«لِلَّهِ وَلِكِتَابِهِ وَلِرَسُولِهِ وَلأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ» (رواه مسلم)
غير أن الإسلام جعل لهذه النصيحة آدابًا، وأوجب فيها الحكمة والرفق، وقال تعالى:
﴿ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ۖ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ۚ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ ۖ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ [النحل: 125]
وجعل حفظ الأرواح والأموال والأمن العام من المقاصد الكبرى للشريعة، فلا يجوز أن يتحول التعبير عن الرأي إلى سبب للفوضى أو الاعتداء.
ثانيًا: الآراء في التظاهر
اختلفت الآراء المعاصرة في التظاهر، ومن المفيد عرضها بإنصاف:
| الاتجاه | حجته |
|---|---|
| من يرى جوازه بضوابط | أنه وسيلة معاصرة للتعبير عن الرأي بشرط خلوه من العنف والتخريب وأخذ الإذن النظامي |
| من يرى منعه | أنه يفتح بابًا للفوضى والفتنة وقد يستغله المغرضون، وأن في الحوار والنصيحة المباشرة والقنوات الرسمية بديلًا أفضل |
ويلاحظ أن الاتجاهين يتفقان على تحريم العنف والتخريب وسفك الدماء وترويع الآمنين، وعلى أن مصلحة الأمن والاستقرار مقدمة، وإنما اختلفا في الوسيلة.
ثالثًا: التظاهر في الأنظمة الدولية
تنص كثير من المواثيق الدولية، ومنها العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، على حق التجمع السلمي، لكنها تجيز تقييده بما ينص عليه القانون لحماية الأمن الوطني والنظام العام وحقوق الآخرين وسلامتهم. وتتفاوت الدول في تنظيمه: فبعضها يشترط إخطار الجهات المختصة مسبقًا، وبعضها يشترط ترخيصًا، وبعضها يحدد الأماكن والأوقات.
رابعًا: موقف المملكة العربية السعودية
تقوم المملكة على نظام حكم يستمد دستوره من القرآن والسنة، وترى أن النصيحة لولاة الأمر والتواصل المباشر معهم ومع الجهات المختصة هو الطريق المشروع لإيصال الرأي. وقد صدرت تعليمات من وزارة الداخلية تمنع المظاهرات والمسيرات والاعتصامات باعتبارها مخالفة للأنظمة المعمول بها، حفاظًا على الأمن والوحدة. وقال الله تعالى في طاعة أولي الأمر:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ ۖ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۚ ذَٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: 59]
وتوفر المملكة قنوات متعددة للتعبير عن الرأي، منها مجلس الشورى، والمجالس المفتوحة للمسؤولين، والبوابات الإلكترونية لاستقبال الشكاوى والمقترحات، وهيئة حقوق الإنسان، والجمعيات المتخصصة، والصحافة ووسائل الإعلام المنظمة.
خامسًا: وسائل التعبير المشروعة
- رفع الشكوى أو الطلب إلى الجهة المسؤولة بالطرق الرسمية.
- النصيحة المباشرة بالحكمة والأسلوب الحسن.
- المشاركة في مجالس الحوار والملتقيات والجهات الاستشارية.
- الكتابة في الصحف والمنصات المنظمة بأسلوب مسؤول يبتعد عن التهييج والتجريح.
- الانضمام إلى المؤسسات والجمعيات والأعمال التطوعية التي تخدم المجتمع.
سادسًا: مخاطر الفوضى والاستغلال
قد تتحول التجمعات في بعض الأحيان إلى ساحة للتخريب أو الصدام، أو يستغلها أصحاب أهداف خفية لإثارة الفتنة، ولذلك تحرص الدول على ضبطها بالأنظمة. وعلى المسلم أن يتثبت من الأخبار والدعوات التي تنتشر في وسائل التواصل، وأن لا يندفع وراء العواطف، قال الله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ [الحجرات: 6]
سابعًا: ضوابط عامة للتعبير المسؤول
مهما اختلفت الوسائل فإن للتعبير المسؤول عن الرأي ضوابط يتفق عليها العقلاء، ومنها:
- أن يكون المطلب واضحًا ومشروعًا، وأن يُعرض على الجهة المختصة أولًا.
- أن يخلو من الإساءة والتحريض والسب والتخوين.
- أن لا يعطل مصالح الناس ولا يمنع الطرق ولا يضر بالممتلكات العامة والخاصة.
- أن لا يستغله أصحاب الأهواء لصالح جهات خارجية أو أهداف تخريبية.
- أن تُقدَّم مصلحة الوطن وأمنه على المصالح الخاصة والانفعالات المؤقتة.
وبهذه الضوابط يتحول الاعتراض من صراخ يهدم إلى نصح يبني، وتبقى العلاقة بين المواطن ووطنه قائمة على الثقة والمسؤولية المتبادلة، ويبقى الوطن آمنًا مطمئنًا تُصان فيه الحقوق وتُؤدى فيه الواجبات.
الخاتمة
تبيّن في هذا البحث أن التعبير عن الرأي حق مقرر في الإسلام والمواثيق الدولية، وأن التظاهر السلمي صورة من صور التعبير تختلف الأنظمة والآراء في حكمها وضوابطها. وأن الأنظمة في المملكة العربية السعودية تمنع المظاهرات وتفتح بدلًا منها قنوات نظامية للنصيحة والمشاركة. وأن الأهم في كل ذلك هو الحفاظ على الأمن والوحدة، والتحلي بالحكمة والتثبت، والابتعاد عن العنف والفوضى.
المراجع
- القرآن الكريم وصحيح مسلم.
- كتب الثقافة الإسلامية والتربية الوطنية، وزارة التعليم في المملكة العربية السعودية.
- النظام الأساسي للحكم في المملكة العربية السعودية.
- العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، الأمم المتحدة.