مقدمة البحث

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فإن الطالب في مراحل دراسته المختلفة يسمع كثيرًا من المصطلحات الأكاديمية، ومنها البحث والرسالة والأطروحة، ويظن بعضهم أنها ألفاظ مترادفة تدل على شيء واحد، مع أن بينها فروقًا واضحة في المستوى والغاية والطول ومن يُشرف عليها ومن يُناقشها.

وقد قال الله تعالى في بيان فضل العلم:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ ۖ وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ ۚ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [المجادلة: 11]

وفي هذا البحث نوضح معنى كل مصطلح، ثم نقارن بينها، ونبيّن خطوات إعداد كل واحد منها، ليعرف الطالب أين يقف وما الذي ينتظره في مسيرته العلمية.

تعريف الموضوع

البحث هو دراسة منظمة لمسألة أو موضوع محدد، يجمع الباحث فيها المعلومات من مصادرها ويرتبها ويحللها ويصل منها إلى نتائج، ويكتبه الطالب في المرحلة المدرسية أو الجامعية ضمن مقرر دراسي. وهو في أبسط صوره تقرير مرتب عن موضوع معين، وفي أعلى صوره دراسة علمية تضيف جديدًا إلى المعرفة.

الرسالة هي عمل علمي مطوّل يقدمه الطالب لنيل درجة الماجستير، وتسمى رسالة ماجستير، وفيها يعمّق الطالب دراسته في مجال تخصصه، ويتناول مشكلة بحثية محددة بمنهج علمي واضح، تحت إشراف أستاذ متخصص، ثم يناقشه فيها لجنة علمية.

الأطروحة هي العمل العلمي الأعلى مستوى الذي يُقدَّم لنيل درجة الدكتوراه، وتسمى أطروحة دكتوراه. ويُشترط فيها أن تقدم إضافة علمية أصيلة لم يسبق إليها الباحث، فلا يكفي أن تجمع ما قاله الآخرون.

أهمية الموضوع

تظهر أهمية التفريق بين هذه المصطلحات في أمور كثيرة، منها:

  • أنه يساعد الطالب على معرفة المطلوب منه عند التكليف، فلا يقدّم بحثًا مختصرًا حيث يُطلب منه عمل علمي موسّع.
  • أنه يهيئ الطالب لمراحل الدراسة العليا، فيعرف مبكرًا أن الطريق يبدأ ببحوث صغيرة ثم يصل إلى الرسالة والأطروحة.
  • أنه يضبط الاستخدام اللغوي والأكاديمي، فلا يُطلق اسم الأطروحة على بحث مدرسي من صفحات قليلة.
  • أنه يعين الباحث على اختيار الموضوع المناسب لحجم العمل ووقته وإمكاناته.

أهداف البحث

  • التعرف على معنى كل من البحث والرسالة والأطروحة.
  • بيان أوجه الاتفاق والاختلاف بينها.
  • التعرف على مراحل إعداد الرسالة والأطروحة وطريقة مناقشتهما.
  • مساعدة الطالب على اختيار ما يناسب مرحلته الدراسية.

أوجه الاتفاق بينها

تشترك هذه الأعمال الثلاثة في أنها كلها تقوم على أسس البحث العلمي، فكلها تحتاج إلى:

  • موضوع محدد يُختار بعناية ويُصاغ في عنوان واضح.
  • منهج يسير عليه الباحث، كالمنهج الوصفي أو التاريخي أو التجريبي أو الاستقرائي.
  • مصادر ومراجع موثقة يرجع إليها الباحث ويعزو إليها ما ينقله.
  • أمانة علمية تمنع السرقة العلمية، فينسب الباحث الأقوال إلى أصحابها.
  • بنية مرتبة تبدأ بمقدمة وتنتهي بخاتمة وقائمة مراجع.

أوجه الاختلاف بينها

أما الفروق فيمكن تلخيصها في الجدول الآتي:

وجه المقارنةالبحثالرسالةالأطروحة
المرحلةالمدرسة والجامعةالدراسات العليا، درجة الماجستيرالدراسات العليا، درجة الدكتوراه
الغايةالتعرف على موضوع وتدريب الطالب على مهارات البحثالتعمق في التخصص ودراسة مشكلة بحثية بمنهج علميتقديم إضافة علمية أصيلة في التخصص
الحجمصفحات قليلة، من عشر صفحات إلى ثلاثين تقريبًاعمل مطوّل في فصول متعددةأطول الأعمال وأوسعها، وقد تبلغ مئات الصفحات
الإشرافالمعلم أو الأستاذمشرف متخصصمشرف متخصص وربما أكثر من مشرف
المناقشةغالبًا لا توجد مناقشة رسميةمناقشة أمام لجنة علميةمناقشة علنية أمام لجنة أكبر وأشد تدقيقًا
المدةأيام أو أسابيععادة سنة إلى سنتين أو أكثرعدة سنوات

والملاحظ أن الفرق بين الثلاثة هو فرق في العمق والأصالة قبل أن يكون فرقًا في عدد الصفحات. فالبحث الصغير يكفيه أن يجمع المعلومات الصحيحة ويرتبها، والرسالة يُنتظر منها أن تحلل وتناقش وتقارن، والأطروحة يُنتظر منها أن تضيف فكرة أو نتيجة أو منهجًا جديدًا.

تنبيه على اختلاف التسمية بين الدول

تختلف التسمية الإنجليزية لهذه الأعمال من بلد إلى آخر. ففي بعض الجامعات يُسمى عمل الماجستير thesis ويسمى عمل الدكتوراه dissertation، وفي جامعات أخرى يكون الأمر بالعكس. أما في العربية فالشائع في الجامعات العربية أن تسمى رسالة الماجستير رسالة وعمل الدكتوراه أطروحة، وإن كان بعض الجامعات يستعمل لفظ الرسالة للدرجتين معًا. فعلى الطالب أن يرجع إلى دليل الدراسات العليا في جامعته.

خطوات إعداد العمل العلمي

أولًا: اختيار الموضوع

يختار الباحث موضوعًا يميل إليه وتتوافر مصادره ويمكن إنجازه في الوقت المتاح. وكلما علت المرحلة اشتد الشرط في أن يكون الموضوع جديدًا، فالأطروحة لا تُقبل في موضوع كُتب فيه كل شيء من قبل.

ثانيًا: مراجعة الدراسات السابقة

يقرأ الباحث ما كُتب في موضوعه، ليعرف ما أُنجز وما بقي، ولئلا يكرر جهد غيره. وهذه الخطوة في الرسالة والأطروحة تكون موسعة ومنظمة، وفي البحث المدرسي تكون مختصرة.

ثالثًا: وضع الخطة

تشمل الخطة عنوان العمل ومشكلته وأسئلته وأهدافه وحدوده ومنهجه وتقسيمه إلى فصول ومباحث. وتُعرض الخطة في الرسالة والأطروحة على لجنة في القسم العلمي لتوافق عليها قبل البدء.

رابعًا: جمع المادة وتحليلها

يجمع الباحث المادة العلمية من الكتب والدوريات المحكّمة والتجارب والاستبانات والمقابلات بحسب طبيعة تخصصه، ثم يحلل ما جمعه ويستخلص منه النتائج.

خامسًا: الكتابة والتوثيق

يكتب الباحث عمله بلغة سليمة وأسلوب علمي موضوعي، ويوثق مصادره وفق نظام توثيق معتمد، ثم يراجع عمله مرات عدة قبل تسليمه.

سادسًا: المناقشة

في الرسالة والأطروحة يعرض الباحث ملخص عمله أمام لجنة المناقشة، وتسأله اللجنة وتبدي ملاحظاتها، ثم تقرر قبول العمل أو طلب تعديلات عليه. وهذه المرحلة لا توجد عادة في البحوث المدرسية.

النتائج

  • البحث والرسالة والأطروحة أعمال علمية تقوم على المنهج والمصادر والأمانة العلمية، لكنها تختلف في المرحلة والعمق.
  • البحث يناسب المراحل المدرسية والجامعية الأولى، والرسالة تناسب الماجستير، والأطروحة تناسب الدكتوراه.
  • الأطروحة تتميز بأنها تُلزم الباحث بإضافة علمية أصيلة.
  • الرسالة والأطروحة تحتاجان إلى مشرف ولجنة مناقشة وخطة معتمدة.
  • تختلف التسمية الإنجليزية من جامعة إلى أخرى، ولذلك يُرجع إلى لوائح كل جامعة.

التوصيات

  • أن يتدرب الطالب مبكرًا على كتابة البحوث الصغيرة وتوثيق المصادر.
  • أن يرجع الطالب إلى دليل كتابة الرسائل والأطروحات في جامعته قبل البدء.
  • أن يستشير المشرف في كل مرحلة ولا ينتظر حتى ينتهي من العمل.
  • أن يحافظ على الأمانة العلمية، فلا ينقل من غيره دون عزو.

الخاتمة

تبيّن من هذا البحث أن البحث والرسالة والأطروحة ثلاث درجات في سلّم واحد، يبدأ بتدريب الطالب على جمع المعلومات وترتيبها، ثم يرتقي إلى دراسة متعمقة في الرسالة، ثم يبلغ ذروته في الأطروحة التي تضيف إلى العلم جديدًا. وكل درجة منها تحتاج إلى صبر وأمانة ومنهج، وبقدر ما يتقن الطالب الدرجة الأولى يسهل عليه ما بعدها. نسأل الله أن ينفع بالعلم وأهله.

المراجع

  • كتب مناهج البحث العلمي المعتمدة في الجامعات العربية، ومنها كتب مناهج البحث في العلوم الإنسانية والاجتماعية.
  • أدلة كتابة الرسائل العلمية الصادرة عن عمادات الدراسات العليا في الجامعات السعودية.
  • اللائحة الموحدة للدراسات العليا في الجامعات السعودية، وزارة التعليم في المملكة العربية السعودية.
  • كتب أصول كتابة البحوث وتوثيق المصادر المتداولة في الجامعات.

كلمات دليلية

بحث، بحث عن، بحث علمي، بحوث، الفرق بين البحث والرسالة