مقدمة البحث

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فإن الاقتصاد يتأثر بالأحداث كما يتأثر بها الإنسان، وتمر عليه فترات ازدهار وفترات ركود، وقد شهد العالم في القرن العشرين أزمة اقتصادية عاتية غيّرت نظرة الدول إلى دور الحكومة في الاقتصاد وإلى الأسواق المالية، وهي أزمة الكساد الكبير. وفي هذا البحث نتعرف على أسبابها ومظاهرها وآثارها وكيف عولجت وما الدروس التي خرج بها العالم منها.

تعريف الموضوع

الكساد الكبير هو أشد أزمة اقتصادية عرفها العالم الحديث، بدأت في الولايات المتحدة الأمريكية عام ١٩٢٩م وامتدت آثارها إلى العالم كله طوال ثلاثينيات القرن العشرين. وتميزت بانهيار أسعار الأسهم، وإفلاس آلاف البنوك والشركات، وتراجع الإنتاج والتجارة، وارتفاع البطالة إلى مستويات غير مسبوقة، وانخفاض الأسعار والدخول. والكساد في علم الاقتصاد هو ركود شديد وطويل في النشاط الاقتصادي، يختلف عن الركود العادي في عمقه ومدته.

أهمية الموضوع

تكمن أهمية دراسة الكساد الكبير في أنه تجربة تاريخية تُدرَّس في كليات الاقتصاد حتى اليوم، فمنها تعلمت الحكومات والبنوك المركزية كيف تتصرف عند الأزمات، ونشأت بسببها أنظمة لحماية المودعين وتنظيم الأسواق المالية. وفهمها يساعدنا على قراءة الأزمات المالية اللاحقة، ومنها أزمة عام ٢٠٠٨م، وعلى إدراك خطورة المضاربات وتضخم الديون.

أهداف البحث

  • التعرف على مفهوم الكساد الكبير وزمان حدوثه.
  • بيان الأسباب التي أدت إلى الأزمة.
  • توضيح آثارها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.
  • التعرف على السياسات التي استُخدمت في المعالجة.
  • استخلاص الدروس المستفادة من الأزمة.

عناصر البحث

أولًا: الخلفية التاريخية

خرجت الولايات المتحدة من الحرب العالمية الأولى قوة اقتصادية كبرى، فقد دُمرت اقتصادات أوروبا وتحولت أمريكا من دولة مدينة إلى دولة دائنة. وفي عشرينيات القرن العشرين ازدهرت الصناعة وانتشرت السيارات والأجهزة الكهربائية والإذاعة، وارتفع الإنتاج وارتفعت أسعار الأسهم، وأقبل الناس على الشراء بالتقسيط والاقتراض. وسُميت تلك الفترة «العشرينيات الصاخبة». لكن هذا الازدهار كان يخفي اختلالات خطيرة.

ثانيًا: أسباب الكساد الكبير

  • المضاربة في سوق الأسهم: اشترى كثيرون الأسهم بقروض من السماسرة على أمل ارتفاع الأسعار، فارتفعت الأسعار فوق القيمة الحقيقية للشركات.
  • زيادة الإنتاج عن الاستهلاك: أنتجت المصانع والمزارع أكثر مما يستطيع الناس شراءه، فتكدست البضائع وتراجعت الأسعار والأرباح.
  • سوء توزيع الدخل: كانت الثروة تتركز في أيدي فئة قليلة بينما بقيت دخول كثير من العمال والمزارعين ضعيفة، فلم يكفِ طلبهم لاستيعاب الإنتاج.
  • ضعف الجهاز المصرفي: كانت البنوك الصغيرة كثيرة وضعيفة الرقابة، ولم يكن للمودعين ضمان على أموالهم، فإذا اضطرب الناس هرعوا إلى سحب ودائعهم فتنهار البنوك.
  • الديون: اعتمد المزارعون والمستهلكون والشركات على الاقتراض، فلما انخفضت الدخول عجزوا عن السداد.
  • الحمائية الجمركية: فرضت الدول رسومًا جمركية مرتفعة لحماية صناعاتها، فردّت الدول الأخرى بالمثل، فانكمشت التجارة العالمية.
  • ديون الحرب والتعويضات: ارتبط الاقتصاد الأوروبي بالقروض الأمريكية، فلما توقفت القروض اضطرب الاقتصاد.

ثالثًا: انهيار سوق الأسهم

في أواخر شهر أكتوبر من عام ١٩٢٩م انهارت أسعار الأسهم في بورصة نيويورك في أيام مشهورة، منها «الخميس الأسود» و«الثلاثاء الأسود»، إذ سارع المستثمرون إلى البيع فهبطت الأسعار هبوطًا حادًا وفقد المستثمرون كثيرًا من مدخراتهم. وكان الانهيار الشرارة التي كشفت ضعف الاقتصاد، لا السبب الوحيد للكساد؛ فقد جاء بعده تراجع طويل في الاستثمار والاستهلاك.

رابعًا: مظاهر الأزمة وآثارها

المجالأبرز الآثار
الاقتصاديانخفاض الإنتاج الصناعي والزراعي، وإفلاس الشركات، وتراجع الأسعار والتجارة الدولية
الماليإغلاق آلاف البنوك وضياع ودائع الناس وتراجع الثقة بالمصارف
الاجتماعيارتفاع شديد في البطالة، وانتشار الفقر والتشرد، وطوابير الإعانات والغذاء
الزراعيهبوط أسعار المحاصيل وعجز المزارعين عن سداد ديونهم، وتفاقمه بالجفاف في السهول الأمريكية
السياسيسقوط حكومات وصعود تيارات متطرفة في بعض الدول، ومنها ألمانيا

خامسًا: انتشار الأزمة إلى العالم

لم تبقَ الأزمة داخل أمريكا، فقد كان الاقتصاد العالمي مترابطًا بنظام الذهب وبالقروض والتجارة. فلما سحبت البنوك الأمريكية قروضها من أوروبا وتراجع الطلب الأمريكي على السلع الأجنبية، تضررت ألمانيا وبريطانيا وفرنسا وكندا وأستراليا وغيرها، وتضررت الدول المصدّرة للمواد الخام لأن أسعار موادها هبطت هبوطًا كبيرًا. وأدى التخلي التدريجي عن قاعدة الذهب في عدة دول إلى منح الحكومات مرونة أكبر في السياسة النقدية.

سادسًا: سياسات المعالجة

حاولت الحكومات في البداية الاعتماد على آليات السوق وتحقيق التوازن في الميزانية، لكن الأزمة تفاقمت. ثم انتُخب فرانكلين روزفلت رئيسًا للولايات المتحدة عام ١٩٣٢م، وأطلق برنامج الصفقة الجديدة الذي اشتمل على إجراءات عدة، منها:

  • إنقاذ البنوك وإغلاقها مؤقتًا ثم إعادة فتح السليم منها لاستعادة الثقة.
  • إنشاء مؤسسة التأمين على الودائع المصرفية لحماية أموال المودعين.
  • إنشاء هيئة لتنظيم سوق الأوراق المالية ومراقبتها.
  • إطلاق مشروعات عامة كبرى لتشغيل العاطلين، كالطرق والسدود والمباني.
  • إصدار نظام الضمان الاجتماعي لحماية كبار السن والعاطلين.
  • دعم المزارعين وتنظيم الإنتاج الزراعي.

وقد نظّر الاقتصادي البريطاني جون مينارد كينز لدور الإنفاق الحكومي في تحفيز الطلب أثناء الركود، فكانت أفكاره من أكثر الأفكار تأثيرًا في السياسات الاقتصادية بعد ذلك. وانتهى الكساد انتهاءً تامًا مع اتساع الإنفاق الحكومي والصناعات الحربية في مطلع أربعينيات القرن العشرين.

سابعًا: الدروس المستفادة

  • خطورة المضاربة والاقتراض المفرط على الاقتصاد.
  • أهمية الرقابة الحكومية على البنوك والأسواق المالية.
  • ضرورة حماية المودعين بنظام تأمين على الودائع.
  • دور السياسات المالية والنقدية في مواجهة الركود.
  • أهمية التعاون الدولي، وأن الحمائية الجمركية تضر الجميع.
  • أن الاقتصاد القائم على الدين وتضخم الأصول هش أمام الصدمات.

ثامنًا: نظرة إسلامية موجزة

يحث الاقتصاد الإسلامي على الاعتدال وتجنب الغرر والمضاربات الوهمية والربا، ويربط المال بالإنتاج الحقيقي والتجارة والعمل، ويدعو إلى الزكاة والتكافل الذي يخفف أثر الأزمات على الفقراء. وقد استشهد كثير من الباحثين بأن الأزمات المالية الكبرى ترتبط غالبًا بالتوسع في الديون والمضاربة، وهذا مما حذرت منه الشريعة.

النتائج

  • بدأ الكساد الكبير عام ١٩٢٩م في الولايات المتحدة وانتشر إلى العالم.
  • تضافرت أسباب عدة في حدوثه، أبرزها المضاربة وضعف البنوك وسوء توزيع الدخل والحمائية.
  • تسبب في بطالة وفقر واسعين وإفلاس البنوك والشركات.
  • كانت الصفقة الجديدة وتدخل الدولة من أهم وسائل المعالجة.
  • نتجت عنه تشريعات ومؤسسات لحماية الأسواق والمودعين ما زالت قائمة.

التوصيات

  • دراسة الأزمات الاقتصادية التاريخية لتجنب تكرار أخطائها.
  • تعزيز الرقابة على الأسواق المالية والبنوك.
  • توعية الأفراد بخطورة الاقتراض لأجل المضاربة وبأهمية الادخار.
  • تنويع الاقتصاد وعدم الاعتماد على مورد واحد.
  • تعزيز التعاون الدولي في الأزمات المالية.

الخاتمة

كان الكساد الكبير درسًا قاسيًا للعالم، كشف ما قد يحدث عندما تجتمع المضاربة والديون وضعف الرقابة وسوء توزيع الدخل. وقد خرجت منه الدول بأنظمة جديدة وبفهم أعمق لدور الدولة والبنوك في حماية الاقتصاد. ويبقى الاعتدال والتخطيط والرقابة والتكافل ركائز لاقتصاد مستقر يحمي الناس من تقلبات الأسواق.

المراجع

  • كتب الاقتصاد والتاريخ الحديث المقررة في المرحلة الثانوية.
  • كتب التاريخ الاقتصادي في الجامعات حول فترة ما بين الحربين العالميتين.
  • الموسوعة العربية العالمية، مادة «الكساد الكبير».
  • كتاب «النظرية العامة للتوظيف والفائدة والنقود»، جون مينارد كينز.
  • مؤلفات المؤرخ الاقتصادي تشارلز كيندلبرجر في تاريخ الأزمات المالية.

كلمات دليلية

بحث، بحث عن، بحث علمي، بحوث، أزمة الكساد الكبير