مقدمة البحث

الحمد لله الذي خلق الإنسان في أحسن تقويم، والصلاة والسلام على نبينا محمد. أما بعد، فإن جسم الإنسان ودماغه من أعظم آيات الله، وقد قال سبحانه:

﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين: 4]

ومع هذا الإتقان قد يصاب بعض الناس باضطرابات في الجهاز العصبي تجعل أجسامهم تتحرك أو تُصدر أصواتًا لا يريدونها، ومن هذه الاضطرابات متلازمة توريت. وهي حالة عصبية كثيرًا ما يُساء فهمها، فيظن بعض الناس أن صاحبها يتعمد الحركة أو سوء الأدب، والحقيقة أنه لا يملك إيقافها كما يملك غيره إيقاف حركة يده. وفي هذا البحث نتعرف على هذه المتلازمة معرفة علمية هادئة تعين على الرحمة والفهم.

تعريف الموضوع

متلازمة توريت اضطراب عصبي نمائي يبدأ في الطفولة، ويتميز بوجود اللازمات العصبية (Tics)، وهي حركات أو أصوات مفاجئة وسريعة ومتكررة وغير هادفة. ولتشخيص المتلازمة يشترط الأطباء وجود لازمات حركية متعددة ولازمة صوتية واحدة على الأقل، وأن تستمر أكثر من سنة، وأن تبدأ قبل بلوغ سن الثامنة عشرة، وألا تكون ناتجة عن دواء أو مرض آخر.

وسُميت المتلازمة باسم الطبيب الفرنسي جورج جيل دي لا توريت الذي وصف الحالة وصفًا علميًا في القرن التاسع عشر الميلادي بعد ملاحظته مرضى تظهر عليهم هذه الأعراض.

أهمية الموضوع

تكمن أهمية هذا الموضوع في أن المصابين بالمتلازمة يتعرضون كثيرًا للسخرية والتنمر والعقاب الخاطئ في المدرسة والبيت، لأن الناس يجهلون أن هذه الحركات خارجة عن إرادتهم. وكلما زاد وعي المعلمين والأسر وزملاء الدراسة بحقيقة الحالة، قلّ الأذى النفسي الذي يقع على الطفل، وزادت فرصه في التعلم والنجاح. والإسلام يأمرنا بالرحمة بأصحاب الأعذار، قال تعالى:

﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَىٰ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلَا عَلَىٰ أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَالَاتِكُمْ أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ ۚ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا ۚ فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَىٰ أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً ۚ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [النور: 61]

أهداف البحث

  • التعريف بمتلازمة توريت وبيان معايير تشخيصها.
  • التمييز بين اللازمات الحركية واللازمات الصوتية والأمثلة على كل منهما.
  • معرفة الأسباب المحتملة للمتلازمة وتصحيح المفاهيم الخاطئة حولها.
  • التعرف على الاضطرابات التي ترافق المتلازمة كثيرًا.
  • بيان طرق العلاج والدعم وكيفية التعامل مع المصاب في البيت والمدرسة.

أولًا: أعراض المتلازمة

الأعراض الرئيسة هي اللازمات العصبية، وتنقسم إلى نوعين:

نوع اللازمةاللازمات البسيطةاللازمات المركبة
حركيةرمش العينين، هزّ الرأس، رفع الكتفين، تحريك الأنف أو الفمالقفز، اللمس المتكرر، حركات منسقة تبدو وكأنها لها هدف
صوتيةالتنحنح، السعال المتكرر، الشخير، صدور أصوات قصيرةتكرار كلمات أو عبارات، وقد يحدث تكرار كلام الآخرين

ومن أهم ما يميز اللازمة أن صاحبها يشعر قبلها بإحساس داخلي يشبه الحكّة أو الضغط يُسمى الشعور المنذر، ثم يرتاح قليلًا بعد أدائها. ولذلك يستطيع بعض المصابين كبتها لفترة قصيرة، لكن كبتها يُتعب ويزيد التوتر، ثم تعود بقوة أكبر.

وتتغير اللازمات مع الوقت، فتظهر لازمة وتختفي أخرى، وتشتد في فترات وتخف في فترات أخرى. وتزداد عادة مع التوتر والقلق والتعب والانفعال والحماس الشديد، وتقل غالبًا عند الانشغال بنشاط ممتع يستغرق الانتباه.

ظاهرة معروفة وقليلة الحدوث

اشتهرت المتلازمة في وسائل الإعلام بظاهرة نطق ألفاظ بذيئة لا إرادية، وتسمى طبيًا «الكوبرولاليا»، لكنها تحدث عند أقلية فقط من المصابين، وليست شرطًا للتشخيص. فأغلب المصابين لا يشتمون ولا ينطقون بالفاحش من الكلام، ومن ظن أن كل مصاب بالمتلازمة كذلك فقد وقع في خطأ شائع.

ثانيًا: التشخيص ومراحل ظهور المتلازمة

يبدأ ظهور الأعراض غالبًا في سن الطفولة المبكرة بلازمات بسيطة في الوجه كرمش العينين، ثم تنتشر إلى الرأس والكتفين والأطراف، وتظهر اللازمات الصوتية بعد ذلك في الغالب. وتبلغ الأعراض ذروتها عادة في بداية المراهقة، ثم يلاحظ كثير من المصابين تحسنًا ملحوظًا مع الدخول في سن الرشد، ويخف عند بعضهم حتى تكاد تختفي.

ولا يوجد فحص دم أو أشعة تؤكد الإصابة وحدها، وإنما يعتمد التشخيص على قصة الأعراض ومعاينة الطبيب المختص، وهو طبيب الأعصاب أو الطب النفسي للأطفال، وقد يطلب فحوصات لاستبعاد أسباب أخرى للحركات اللاإرادية.

ثالثًا: الأسباب

لا يعرف العلماء سببًا واحدًا محددًا للمتلازمة، لكن الدراسات تشير إلى أنها نتيجة تفاعل عدة عوامل:

  • العوامل الوراثية: المتلازمة تنتشر في بعض العائلات، وهذا يدل على دور الوراثة، ولا يعرف جين واحد مسؤول عنها بل عدة عوامل جينية.
  • اختلاف في عمل الدماغ: تشير الأبحاث إلى اختلاف في الدوائر العصبية التي تربط العقد القاعدية في الدماغ بالقشرة المخية، وهي المسؤولة عن تنظيم الحركة، كما يُعتقد أن للناقل العصبي الدوبامين دورًا في ذلك.
  • عوامل أخرى: يُبحث دور بعض مضاعفات الحمل والولادة وبعض الالتهابات، لكن لم يثبت علميًا أنها سبب مباشر.

أخطاء شائعة

  • المتلازمة ليست بسبب سوء التربية ولا بسبب تدليل الطفل أو قسوته.
  • المتلازمة ليست مرضًا معديًا، فلا ينقلها المصاب إلى غيره.
  • المصاب بها لا ينقص ذكاؤه بسببها، وكثير من المصابين متفوقون ولهم مواهب.
  • المتلازمة ليست دليلًا على ضعف الشخصية أو الإيمان.

رابعًا: الاضطرابات المصاحبة

كثير من المصابين بالمتلازمة يعانون من اضطرابات أخرى قد تكون أكثر تأثيرًا في حياتهم من اللازمات نفسها، ومن أهمها:

  • اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه: يؤثر في التركيز والتحصيل الدراسي والسلوك.
  • الوسواس القهري: أفكار مزعجة متكررة وأفعال يشعر المصاب بأنه مضطر إلى تكرارها.
  • القلق والاكتئاب: وهما ينتجان غالبًا عن الضغط الاجتماعي والإحراج وليس عن المتلازمة وحدها.
  • صعوبات التعلم والنوم: وقد يحتاج الطالب إلى تقييم تربوي ودعم خاص.

خامسًا: العلاج والدعم

لا يوجد علاج يشفي المتلازمة شفاءً تامًا، لكن هناك وسائل تخفف الأعراض وتحسن جودة الحياة، ويقرر الطبيب المناسب منها بحسب شدة الحالة:

  • التثقيف والطمأنة: في الحالات الخفيفة قد يكفي شرح الحالة للمصاب وأسرته ومعلميه دون دواء.
  • العلاج السلوكي: أشهر أنواعه التدريب على عكس العادة، ويعلّم المصاب أن يتعرف على الشعور المنذر ويستبدل بحركة اللازمة حركة أخرى مقبولة، وقد أثبت فعالية جيدة.
  • الأدوية: يصف الطبيب أدوية تخفف اللازمات الشديدة أو تعالج الاضطرابات المصاحبة، ولها آثار جانبية تستوجب المتابعة الدورية، ولا يجوز استعمالها دون إشراف طبي.
  • التدخل الجراحي: تحفيز الدماغ العميق خيار نادر لا يُنظر فيه إلا في حالات شديدة جدًا لم تستجب لغيره، وتقرره فرق طبية متخصصة.

كيف نتعامل مع المصاب؟

  • لا نسخر منه ولا نقلد حركاته ولا نوبّخه بسببها.
  • لا نطلب منه أن يتوقف عنها ولا نلفت إليها النظر باستمرار لأن ذلك يزيدها.
  • يسمح له المعلم بالخروج لوقت قصير عند اشتداد الأعراض ويؤدي الاختبارات في مكان هادئ إن احتاج.
  • نشجعه على الأنشطة التي يحبها وننمّي مواهبه ونعزز ثقته بنفسه.
  • نتواصل مع الطبيب المعالج ونتابع الخطة العلاجية.

النتائج

  • متلازمة توريت اضطراب عصبي يتميز باللازمات الحركية والصوتية التي تبدأ في الطفولة وتستمر أكثر من سنة.
  • اللازمات خارجة عن إرادة المصاب إلى حد كبير، وتزداد مع التوتر وتخف مع الاسترخاء.
  • للوراثة واختلاف عمل الدماغ دور في الإصابة، ولا علاقة لها بالتربية ولا بالعدوى.
  • تصاحبها غالبًا اضطرابات مثل فرط الحركة والوسواس القهري والقلق.
  • يمكن تخفيف الأعراض بالتثقيف والعلاج السلوكي والدواء عند الحاجة.

التوصيات

  • مراجعة الطبيب المختص عند ملاحظة حركات أو أصوات متكررة عند الطفل، وعدم الاكتفاء بالتخمين.
  • تثقيف المعلمين وزملاء الدراسة بحقيقة المتلازمة داخل المدارس.
  • الحذر من الكتب والمواقع التي تروّج لعلاجات غير مثبتة علميًا.
  • تقديم الدعم النفسي للأسرة والمصاب، وتشجيع الانضمام إلى جمعيات الدعم.

الخاتمة

عرضنا في هذا البحث متلازمة توريت: تعريفها وأعراضها وأسبابها وما يصاحبها من اضطرابات وطرق علاجها. وتبين لنا أن المصاب بها إنسان سليم العقل يعاني من حركات وأصوات لا يتحكم فيها، وأن حاجته الكبرى هي الفهم والرحمة قبل الدواء. وفي معرفة الحقيقة العلمية ما يحمينا من الأحكام الجائرة ويجعلنا أقرب إلى خلق الإسلام في الرفق بالضعفاء وأصحاب الأعذار. وهذا البحث للتثقيف ولا يغني عن استشارة الطبيب.

المراجع

  • الجمعية الأمريكية للطب النفسي، الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات النفسية.
  • منظمة الصحة العالمية، التصنيف الدولي للأمراض.
  • مؤسسة توريت الأمريكية، المواد التثقيفية عن المتلازمة.
  • كتب طب الأعصاب والطب النفسي للأطفال الجامعية.

كلمات دليلية

بحث، بحث عن، بحث علمي، بحوث، علمي عن متلازمة توريت