مقدمة البحث
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد خاتم الأنبياء والمرسلين. أما بعد، فإن قصص الأنبياء في القرآن الكريم ليست حكايات للتسلية، بل هي دروس للهداية وتثبيت للقلوب. ومن أعظم الأنبياء قدرًا وأكثرهم ذكرًا نبي الله إبراهيم عليه السلام، أبو الأنبياء وخليل الرحمن، الذي أُمرنا أن نتبع ملّته. وفي هذا البحث نتعرف على سيرته وجهاده في الدعوة إلى التوحيد وما نستفيده من حياته.
تعريف الموضوع
إبراهيم عليه السلام نبي كريم ورسول من أولي العزم، بعثه الله إلى قومه يدعوهم إلى عبادة الله وحده وترك الأصنام. وهو والد إسماعيل وإسحاق عليهما السلام، ومن ذريته جاء عدد كبير من الأنبياء. وقد ورد ذكره في القرآن الكريم في مواضع كثيرة، وسُميت باسمه سورة كاملة هي سورة إبراهيم. وهذا البحث يعتمد على ما جاء في القرآن الكريم والسنة الصحيحة، فلا نذكر فيه ما لم يثبت من التفاصيل. وقد ورد في الكتاب العزيز وصف الله له بأنه خليله، ووصفه بأنه كان أمة قانتًا لله حنيفًا.
أهمية الموضوع
- إبراهيم عليه السلام قدوة في التوحيد والصبر والتضحية وبر الأبناء ولين الدعوة.
- كثير من شعائر الحج والعيد مرتبطة بقصته، كالسعي والأضحية والطواف حول الكعبة.
- أمرنا الله باتباع ملته، وفي الصلاة نذكره في الصلاة الإبراهيمية.
- تصحيح المفاهيم حول ملته، فهو لم يكن يهوديًا ولا نصرانيًا.
أهداف البحث
- التعرف على سيرة إبراهيم عليه السلام كما وردت في القرآن والسنة.
- معرفة أساليبه في الدعوة إلى التوحيد.
- التعرف على دوره في بناء الكعبة وإقامة شعائر الحج.
- استخلاص الدروس والعبر من ابتلاءاته وصبره.
محاور البحث
أولًا: مكانته عند الله
اصطفى الله إبراهيم عليه السلام وابتلاه بكلمات فأتمهنّ، فجعله إمامًا للناس، قال تعالى:
﴿وَإِذِ ابْتَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ ۖ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا ۖ قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي ۖ قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: 124]
ووصفه الله بأنه كان أمة أي قدوة جامعة للخير، فقال سبحانه:
﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [النحل: 120]
ووصفه كذلك بالصديق، أي كثير الصدق:
﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ ۚ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا﴾ [مريم: 41]
ثانيًا: دعوته إلى التوحيد
نشأ إبراهيم عليه السلام في قوم يعبدون الأصنام، فآتاه الله الحكمة والرشد، وبدأ دعوته بأقرب الناس إليه وهو أبوه، فخاطبه بلطف وأدب وهو يحاوره بالدليل والمنطق، فجاء في القرآن حواره معه في سورة مريم. ومن أول ما نتعلمه أن الدعوة تبدأ بالرفق واحترام الوالدين مهما اختلفنا معهم في المعتقد. وقد رد عليه أبوه بالتهديد، فلم يقابل إبراهيم الإساءة بمثلها، بل قال:
﴿قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ ۖ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي ۖ إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا﴾ [مريم: 47]
ثالثًا: حواره مع قومه وأسلوب الاستدلال
استخدم إبراهيم عليه السلام أسلوب التدرج في الحجة. فعرض على قومه ما يعبدونه من الكواكب والنجوم والقمر والشمس، وبيّن أنها تغيب وتزول، وأن الإله الحق لا يغيب ولا يزول، فخلص إلى إعلان التوحيد الخالص:
﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا ۖ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: 79]
وهذا يعلّمنا أن الاستدلال العقلي الهادئ من أنجح وسائل إقناع الآخرين. ومن هذا الباب أيضًا ما أخبر الله به عن تحطيمه للأصنام لإقامة الحجة على قومه، حين عزم على ذلك بعد انصرافهم:
﴿وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ (٥٧) فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلَّا كَبِيرًا لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ (٥٨)﴾ [الأنبياء: 57–58]
وأراد بذلك أن يبيّن لهم عجز ما يعبدون، إذ لا تدفع عن نفسها ضرًا.
رابعًا: النجاة من النار
لم يجد القوم حجة يردّون بها، فلجأوا إلى القوة، وقرروا إحراقه انتصارًا لآلهتهم:
﴿قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء: 68]
فأوقدوا نارًا عظيمة وألقوه فيها، ولكن الله حفظه وأنجاه، وهذه معجزة من معجزاته عليه السلام:
﴿قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنبياء: 69]
وفي هذه الحادثة درس عظيم في التوكل على الله وأن الله ينصر عباده المؤمنين.
خامسًا: الهجرة
بعد أن أعذر إبراهيم عليه السلام في دعوة قومه آمن له لوط عليه السلام وهاجر معه، كما أخبر الله:
﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ ۘ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَىٰ رَبِّي ۖ إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [العنكبوت: 26]
فهاجر إلى أرض بعيدة في سبيل الله، وتنقل بين أماكن عدة، ثم رزقه الله بإسماعيل ثم إسحاق، قال تعالى حكاية عن دعائه:
﴿وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَىٰ رَبِّي سَيَهْدِينِ (٩٩) رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ (١٠٠)﴾ [الصافات: 99–100]
سادسًا: بناء الكعبة والدعاء لمكة
أسكن إبراهيم عليه السلام ابنه إسماعيل وأمه هاجر بوادٍ غير ذي زرع بأمر الله، وتوكّل على ربه ودعا بهذا الدعاء:
﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾ [إبراهيم: 37]
وبعد أن كبر إسماعيل رفعا معًا قواعد البيت الحرام، وهما يدعوان الله أن يتقبل منهما عملهما:
﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا ۖ إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [البقرة: 127]
ثم أمره الله أن ينادي في الناس بالحج، فصار هذا النداء سنة ماضية إلى يوم القيامة:
﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ [الحج: 27]
سابعًا: الابتلاء بالذبح والفداء
من أعظم ابتلاءات إبراهيم عليه السلام رؤياه أنه يذبح ابنه إسماعيل، ورؤيا الأنبياء حق ووحي. وقد جاء ذكر ذلك في سورة الصافات:
﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَىٰ فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَىٰ ۚ قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ ۖ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ [الصافات: 102]
فاستسلم الأب لأمر الله واستسلم الابن لقضاء الله، ولما تهيأ للتنفيذ فداه الله بذبح عظيم:
﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ [الصافات: 107]
وأصبح هذا الحدث أصل الأضحية في عيد الأضحى، فنذبح أضاحينا إحياءً لهذه السنة، ونستحضر معاني الطاعة والتسليم.
ثامنًا: طلب الاطمئنان
سأل إبراهيم عليه السلام ربه أن يريه كيف يحيي الموتى لزيادة الطمأنينة لا شكًا، فأراه الله دليلًا حسيًا على قدرته، كما جاء في سورة البقرة:
﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَىٰ ۖ قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ ۖ قَالَ بَلَىٰ وَلَٰكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي ۖ قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَىٰ كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا ۚ وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [البقرة: 260]
تاسعًا: إبراهيم عليه السلام في السنة النبوية
كان النبي ﷺ يذكر إبراهيم عليه السلام ويصلي عليه، وجعل الصلاة عليه من أركان الصلاة الإبراهيمية التي نقولها في التشهد. فقد علّم النبي ﷺ أصحابه صيغة الصلاة عليه فقال:
«اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ» (رواه البخاري)
وهذا من تكريم الله لإبراهيم عليه السلام وربطه بأمة محمد ﷺ، فإنها أولى الناس بإبراهيم لأنها على ملته.
عاشرًا: ملة إبراهيم
بيّن القرآن أن إبراهيم عليه السلام كان على التوحيد الخالص، ولم يكن على اليهودية ولا النصرانية، وأن أتباعه الحقيقيين هم الموحدون الذين اتبعوا شريعة الإسلام. قال سبحانه:
﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَٰكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [ال عمران: 67]
النتائج
- إبراهيم عليه السلام نبي كريم وخليل الرحمن وأبو الأنبياء، وقدوة في التوحيد.
- أسلوبه في الدعوة يقوم على اللين والحجة والاحترام.
- أنجاه الله من النار وجعلها بردًا وسلامًا.
- بنى الكعبة مع ابنه إسماعيل، وأذّن في الناس بالحج.
- ابتلاه الله بذبح ابنه ففداه بذبح عظيم، وصارت الأضحية سنة.
التوصيات
- الاقتداء بإبراهيم عليه السلام في الصبر والتوكل وتقديم أمر الله.
- الدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، والبدء بالأقربين.
- تدبر آيات سورة إبراهيم والصافات والأنبياء ومريم لمعرفة تفاصيل قصته الثابتة.
- تعليم الأطفال قصة إبراهيم عليه السلام وربطها بعيد الأضحى والحج.
الخاتمة
تعرفنا في هذا البحث على سيرة إبراهيم عليه السلام الذي جمع الله فيه خصال الخير، فكان في التوحيد إمامًا، وفي الدعوة حكيمًا، وفي الابتلاء صابرًا، وفي الطاعة مسلّمًا لربه. وإن اتباعنا لملته يكون بالتمسك بالتوحيد الخالص وتعظيم شعائر الله. نسأل الله أن يرزقنا حسن الاتباع وأن يجمعنا بالأنبياء في جنات النعيم.
المراجع
- القرآن الكريم.
- صحيح البخاري، لأبي عبدالله محمد بن إسماعيل البخاري.
- كتاب «قصص الأنبياء» لابن كثير.
- تفسير القرآن العظيم لابن كثير، وتفسير الطبري، وتفسير السعدي.