مقدمة البحث

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فقد خلق الله الإنسان وسخّر له ما في الأرض، وأباح له من الطيبات ما يحفظ جسمه وعقله، وحرّم عليه ما فيه ضرر أو خبث، رحمةً به وحفظًا لدينه ونفسه وعقله وماله. وفي هذا البحث نتعرف على الأصل في الأطعمة والأشربة، وأبرز ما أباحه الله وما حرّمه، والحكمة من ذلك.

قال الله تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ ۚ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [البقرة: 168]

تعريف الموضوع

الأطعمة جمع طعام، وهو كل ما يؤكل من لحوم وحبوب وفواكه وغيرها، والأشربة جمع شراب وهو كل ما يُشرب. والمباح هو ما أذن الشرع في تناوله ولا إثم في فعله ولا في تركه، والمحرم هو ما نهى الشرع عنه نهيًا جازمًا ويأثم من تناوله. وتُعرف الأطعمة المحرمة في الفقه الإسلامي بأنها ما حرّمه الله تعالى أو رسوله ﷺ لخبثه أو ضرره أو لتعلقه بمعصية.

أهمية الموضوع

يحتاج كل مسلم إلى معرفة ما يحل له من الطعام والشراب وما يحرم، لأن ذلك من أحكام الدين العملية التي تتعلق بالإنسان يوميًا، ولما في الحلال من البركة وإجابة الدعاء وصلاح القلب، وما في الحرام من الإثم والضرر. وهي معرفة تحتاجها الأسرة والمجتمع خاصة في زمن تنوعت فيه الأغذية المصنعة والمستوردة.

أهداف البحث

  • معرفة الأصل في الأطعمة والأشربة.
  • التعرف على أبرز المحرمات وأدلتها.
  • معرفة شروط الذبح الشرعي.
  • التعرف على حكمة التحريم وحكم الضرورة.
  • التعرف على آداب الطعام والشراب.

أولًا: الأصل في الأطعمة والأشربة الإباحة

الأصل فيما خلقه الله من الأطعمة والأشربة الحل والإباحة، ولا يُحرَّم منها شيء إلا بدليل صحيح من الكتاب أو السنة. وقد امتنّ الله على عباده بالطيبات وأمرهم بالأكل منها وشكره عليها، فقال:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [البقرة: 172]

وقال سبحانه في وصف النبي ﷺ:

﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ ۚ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ ۙ أُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف: 157]

فكل ما كان طيبًا نافعًا فهو حلال، وكل ما كان خبيثًا ضارًّا فهو حرام. ومن أعظم نعم الله أن جعل الحلال واسعًا والحرام قليلًا محدودًا.

ثانيًا: المحرمات من الأطعمة

جاء في القرآن الكريم بيان لأبرز ما حُرّم من الأطعمة، قال الله تعالى:

﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ۚ ذَٰلِكُمْ فِسْقٌ ۗ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ ۚ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا ۚ فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ ۙ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: 3]

المحرمبيانه
الميتةما مات حتف أنفه من غير ذكاة شرعية، ويُستثنى منها السمك والجراد فهما حلال
الدم المسفوحالدم الجاري الذي يخرج عند الذبح
لحم الخنزيرمحرم بنص القرآن لحمه وشحمه وكل ما يتولد منه
ما أُهل لغير الله بهما ذُبح تقربًا لغير الله أو ذُكر عليه غير اسم الله
المنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحةما ماتت بالخنق أو بالضرب أو بالسقوط من علو أو بنطح غيرها، فلا تحل إلا إذا أدركت حية وذُكّيت
ما أكل السبعما افترسه حيوان مفترس، إلا إذا أُدرك حيًّا وذُكّي
ما ذُبح على النصبما ذُبح عند الأصنام ونحوها

وكذلك جاءت السنة ببيان محرمات أخرى، فقد روى الصحابة أن النبي ﷺ حرّم أصنافًا من الحيوان:

«نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ وَعَنْ كُلِّ ذِي مِخْلَبٍ مِنَ الطَّيْرِ» (رواه مسلم)

فتحرم الحيوانات المفترسة التي لها أنياب تفترس بها كالأسد والذئب والنمر والكلب، والطيور الجارحة ذات المخالب كالصقر والنسر والحدأة. ومما ثبت في السنة تحريمه كذلك الحمر الأهلية. ويحرم أيضًا كل ما فيه خبث ظاهر أو ضرر كالحشرات المستقذرة وما يضر الجسم، وهذا داخل في معنى تحريم الخبائث الوارد في الآية السابقة.

ما أُبيح من الأطعمة

  • بهيمة الأنعام: الإبل والبقر والغنم، وهي أصل ما يأكله الناس من اللحوم.
  • الدجاج والبط والحمام وسائر الطيور التي لا مخلب لها: تحل بالذبح الشرعي.
  • صيد البحر: حلال كله، لقوله تعالى في المائدة:

﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ ۖ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا ۗ وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ [المائدة: 96]

  • الأرانب والغزلان والضب والجراد: مما جاء في السنة إباحته.
  • الحبوب والفواكه والخضروات والألبان والعسل والبيض: حلال ما لم تضر.

شروط الذبح الشرعي

  • أن يكون الذابح مسلمًا أو كتابيًا عاقلًا.
  • أن يذكر اسم الله عند الذبح.
  • أن يكون الذبح بآلة حادة تُنهر الدم ليست سنًّا ولا ظفرًا.
  • أن يقطع الحلقوم والمريء والودجين أو ما تيسر من ذلك.
  • أن يرفق بالذبيحة ولا يعذبها، فيحد الشفرة ولا يذبح أمام أخرى.

ثالثًا: المحرمات من الأشربة

الأصل في الأشربة الحل كالماء واللبن والعصائر، وأعظم ما حُرِّم منها الخمر وكل مسكر، قال الله تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة: 90]

وقد بيّن النبي ﷺ عموم التحريم في كل ما يُسكر مهما كان اسمه أو مادته:

«كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ وَكُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ» (رواه مسلم)

ويدخل في هذا المحرمات الحديثة المسكرة والمخدرة كالمخدرات بأنواعها، فإنها تُذهب العقل وتفسد الصحة والمال والأسرة، وتُلحق الضرر بالمجتمع كله. والعلة في ذلك حفظ العقل الذي هو مناط التكليف.

رابعًا: حكمة التحريم

  • حفظ الصحة: فكثير من المحرمات ضارة بالبدن، كالميتة والدم والخمر والمخدرات.
  • حفظ العقل: فالمسكرات تغيّب العقل وتدفع إلى الجرائم والمشكلات.
  • حفظ العقيدة: بتحريم ما ذُبح لغير الله حفظًا للتوحيد.
  • تزكية النفس: فالحلال الطيب ينعكس أثره على السلوك والأخلاق.
  • الابتلاء والطاعة: فالمسلم يمتثل أمر الله وإن لم يعرف الحكمة كاملة.

خامسًا: حالة الضرورة

من القواعد الشرعية الكبرى أن الضرورات تبيح المحظورات بقدرها، فمن اضطر إلى أكل شيء محرم ليدفع عن نفسه الهلاك، كأن يجوع جوعًا شديدًا ولا يجد غيره، جاز له أن يأكل منه بقدر ما يدفع الضرورة، وقد ذكر الله ذلك بقوله:

﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَىٰ طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ ۚ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الأنعام: 145]

ولا يجوز التوسع في ذلك بعد زوال الضرورة.

سادسًا: الورع والشبهات

إذا اشتبه على المسلم حكم طعام أو شراب ولم يعرف مصدره أو مكوناته، فالأولى أن يتركه احتياطًا لدينه. وقد قال النبي ﷺ:

«الْحَلاَلُ بَيِّنٌ وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ، وَبَيْنَهُمَا مُشَبَّهَاتٌ لاَ يَعْلَمُهَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، فَمَنِ اتَّقَى الْمُشَبَّهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِيِنِهِ وَعِرْضِهِ» (رواه البخاري)

وفي زمننا اليوم يستعين المسلم بالجهات المختصة والشهادات المعتمدة في المنتجات الغذائية، وبقراءة بطاقات المكونات، للتحقق من خلوها من المحرمات كالمسكرات والمشتقات المحرمة.

سابعًا: آداب الطعام والشراب

  • التسمية عند البدء والحمد عند الانتهاء.
  • الأكل باليمين والأكل مما يلي الإنسان.
  • الاعتدال وعدم الإسراف، قال الله تعالى:

﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأعراف: 31]

  • غسل اليدين قبل الطعام وبعده، والمحافظة على النظافة.
  • عدم ذم الطعام، وشكر الله على النعمة وعدم إلقائها في القمامة.

النتائج

  • الأصل في الأطعمة والأشربة الإباحة ما لم يرد دليل بالتحريم.
  • من المحرمات الميتة والدم المسفوح ولحم الخنزير وما أُهل لغير الله به.
  • تحرم السباع ذوات الأنياب والطيور ذوات المخالب.
  • كل مسكر حرام، ويدخل فيه المخدرات.
  • الضرورة تبيح المحرم بقدر ما يدفع الهلاك.
  • لتحريم الله حكم تعود بالنفع على الإنسان في دينه وبدنه.

التوصيات

  • التثبت من الأغذية المصنعة والمستوردة وقراءة مكوناتها.
  • تعليم الأبناء آداب الطعام وأحكامه منذ الصغر.
  • الإنكار على ترويج المسكرات والمخدرات والتوعية بأضرارها.

الخاتمة

تبين في هذا البحث أن الشريعة جاءت بتحليل الطيبات وتحريم الخبائث، وأن في أحكامها رحمة بالإنسان ورعاية لصحته وعقله ودينه. فعلى المسلم أن يتحرى الحلال في طعامه وشرابه ويشكر الله على نعمه. نسأل الله أن يرزقنا حلالًا طيبًا، وأن يجنبنا الحرام والشبهات.

المراجع

  • القرآن الكريم.
  • صحيح البخاري وصحيح مسلم.
  • تفسير ابن كثير.
  • الحلال والحرام في الإسلام، يوسف القرضاوي.
  • كتب الفقه المقررة على المرحلة الثانوية، وزارة التعليم في المملكة العربية السعودية.

كلمات دليلية

بحث، بحث عن، بحث علمي، بحوث، الأطعمة والأشربة المباحة والمحرمة