مقدمة البحث
الحمد لله الذي كرّم الإنسان وجعل للأم مكانة عظيمة، والصلاة والسلام على نبينا محمد القائل بحقها وبرها. أما بعد، فإن الأمومة من أجمل المعاني الإنسانية، ففيها الحنان والعطاء والتضحية بلا حدود. والأم هي أول من يحتضن الإنسان، وأول من يعلّمه الكلام والحب والقيم، وهي المدرسة الأولى التي يتخرج منها الأبناء. وفي هذا البحث نتناول مفهوم الأمومة ومكانتها في الإسلام ودور الأم في الأسرة والمجتمع وواجب الأبناء نحوها.
تعريف الموضوع
الأمومة هي الصفة والعاطفة والدور الذي تقوم به المرأة حين تصبح أمًا، من الحمل والولادة والرضاعة والرعاية والتربية. وهي علاقة فطرية فطر الله عليها الأمهات، فتجد الأم تبذل نفسها وراحتها من أجل أولادها دون انتظار مقابل.
أهمية الموضوع
تظهر أهمية الموضوع في أن الأم هي عماد الأسرة، والأسرة هي أساس المجتمع، فصلاح الأم سبب في صلاح الأبناء، وصلاحهم سبب في صلاح الأمة. كما أن التذكير بحق الأم يعيد إلى القلوب الوفاء ويقلل من العقوق الذي ابتلي به بعض الناس.
أهداف البحث
- بيان مكانة الأم في الإسلام وفضلها في القرآن والسنة.
- التعرف على مراحل الأمومة وما تتحمله الأم من أعباء.
- توضيح دور الأم في تربية الأبناء وبناء المجتمع.
- بيان واجبات الأبناء نحو أمهم ومظاهر البر والعقوق.
عناصر البحث
أولًا: مكانة الأم في الإسلام
أوصى الله تعالى بالوالدين وقرن حقهما بحقه، ثم خص الأم بالذكر في مراحل الحمل والرضاعة تقديرًا لتعبها. قال تعالى:
﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَىٰ وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ [لقمان: 14]
وقال سبحانه في سورة الأحقاف:
﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا ۖ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا ۖ وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا ۚ حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي ۖ إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأحقاف: 15]
وبيّن الله تعالى الأدب مع الوالدين وبخاصة عند كبرهما، فقال:
﴿وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ۚ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا (٢٣) وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا (٢٤)﴾ [الإسراء: 23–24]
وقد جاء رجل إلى النبي ﷺ فسأله عن أحق الناس بحسن صحبته، فأجابه بأن أمه أولى الناس بذلك، وكرر ذلك ثلاث مرات قبل ذكر الأب، وفي ذلك دلالة على تقدم حق الأم. والحديث رواه البخاري ومسلم.
ثانيًا: تحريم عقوق الأمهات
جاء الوعيد الشديد في عقوق الأم، قال ﷺ:
«إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَيْكُمْ عُقُوقَ الأُمَّهَاتِ، وَمَنْعَ وَهَاتِ، وَوَأْدَ الْبَنَاتِ، وَكَرِهَ لَكُمْ قِيلَ وَقَالَ، وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ، وَإِضَاعَةَ الْمَالِ» (رواه البخاري)
وقال ﷺ مبينًا خسارة من أدرك والديه ولم يكسب بهما الجنة:
«رَغِمَ أَنْفُهُ ثُمَّ رَغِمَ أَنْفُهُ ثُمَّ رَغِمَ أَنْفُهُ» (رواه مسلم)
قيل: من يا رسول الله؟ قال:
«مَنْ أَدْرَكَ وَالِدَيْهِ عِنْدَ الْكِبَرِ أَحَدَهُمَا أَوْ كِلَيْهِمَا ثُمَّ لَمْ يَدْخُلِ الْجَنَّةَ» (رواه مسلم)
فمن أدرك أمه في كبرها ولم يحسن إليها فقد فرّط في باب عظيم من أبواب الجنة. والبر بالأم من أحب الأعمال إلى الله تعالى.
ثالثًا: مراحل الأمومة وتضحياتها
| المرحلة | ما تتحمله الأم |
|---|---|
| الحمل | تعب جسدي ونفسي وتغيرات صحية وسهر وقلق على الجنين |
| الولادة | ألم شديد ومخاطرة بالصحة وربما بالحياة |
| الرضاعة والسنوات الأولى | سهر الليالي وانقطاع عن الراحة وعناية دائمة بالطفل |
| الطفولة | تعليم الكلام والآداب وغرس العقيدة والقيم |
| المراهقة والشباب | النصح والدعاء ومتابعة الدراسة والأصدقاء |
| ما بعد زواج الأبناء | مواصلة الدعم والدعاء والاهتمام بالأحفاد |
وتبقى الأم تحمل أبناءها في قلبها مهما كبروا، وتفرح لفرحهم وتحزن لحزنهم.
رابعًا: دور الأم في التربية
- التربية الإيمانية: تغرس الأم في أبنائها حب الله ورسوله وتعلّمهم الصلاة والأذكار والقرآن.
- التربية الأخلاقية: تعلّمهم الصدق والأمانة والرحمة والاحترام بالقدوة قبل الكلام.
- التربية العلمية: تشجعهم على القراءة والاجتهاد وتهيئ لهم الجو المناسب للدراسة.
- التربية النفسية: تمنحهم الأمان والحب والثقة، فينشؤون أصحاء نفسيًا.
- التربية الاجتماعية: تعلّمهم صلة الرحم وإكرام الجار والتعاون.
ويُذكر في التراث العربي أن للأمهات أثرًا كبيرًا في نبوغ أبنائهم، ومن النماذج الثابتة الأمهات في عهد الصحابة اللاتي كنّ يدفعن أبناءهن إلى طلب العلم والجهاد والصدق. وفي عصرنا نجد أن الأم العاملة تجمع بين رعاية بيتها وعملها، وهي جديرة بالتقدير والتعاون من الأسرة كلها.
خامسًا: الأم والمجتمع
للمرأة الأم دور في المجتمع تتعدى به حدود بيتها، فهي المعلمة والطبيبة والمربية، وهي التي تُخرّج الأجيال التي تبني الوطن. وقد أولت المملكة العربية السعودية عناية كبيرة بالمرأة والأسرة، وأتاحت لها فرص التعليم والعمل مع الحفاظ على دورها الأساسي. ومن الجميل أن تخصص المجتمعات يومًا للاحتفاء بالأم كيوم الأم، لكن ينبغي أن يكون الوفاء لها في كل يوم لا في يوم واحد في السنة.
سادسًا: صور بر الأم
- طاعتها في المعروف وخفض الصوت عند الحديث معها.
- الإنفاق عليها ورعايتها عند الكبر والمرض.
- زيارتها والجلوس معها والاستماع إلى حديثها وإدخال السرور على قلبها.
- التلطف معها وعدم التضجر منها أو رفع الصوت عليها.
- الدعاء لها بالصحة في حياتها وبالرحمة بعد وفاتها.
- صلة صديقاتها وأقاربها وإكرامهم بعد وفاتها، والتصدق عنها.
وإذا كانت الأم غير مسلمة فالبر بها واجب كذلك بالمعروف، كما قال تعالى في شأن الوالدين المشركين الداعيين إلى الشرك:
﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَىٰ أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا ۖ وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا ۖ وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ۚ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [لقمان: 15]
سابعًا: العقوق وأضراره
العقوق هو إيذاء الوالدين بالقول أو الفعل أو التقصير في حقوقهما، وهو من كبائر الذنوب. ومن صوره رفع الصوت على الأم وإهمالها عند كبرها وإيداعها دار المسنين دون حاجة. وأضراره كثيرة، منها قسوة القلب وضياع البركة وعقوق الأبناء لهم في المستقبل جزاءً من جنس العمل. ولذلك ينبغي للأبناء أن يتذكروا ما فعلته أمهاتهم وأن يردّوا الجميل ولو بالقليل.
النتائج
- للأم في الإسلام مكانة عظيمة، وحقها مقدم على حق الأب في الصحبة.
- جاءت نصوص القرآن والسنة بالأمر ببر الأم والتحذير من عقوقها.
- تتحمل الأم أعباء الحمل والولادة والرضاعة والتربية.
- الأم هي المدرسة الأولى التي تصنع شخصية الأبناء وتبني المجتمع.
- بر الأم يكون بالطاعة والإنفاق والاحترام والدعاء في حياتها وبعد مماتها.
التوصيات
- الحرص على بر الأم والإحسان إليها وإظهار الامتنان لها بالقول والفعل.
- غرس قيمة بر الوالدين في المناهج والأنشطة المدرسية.
- مساعدة الأم في أعمال البيت والتخفيف عنها.
- الدعاء للوالدين دائمًا والصدقة عنهما إذا انتقلا إلى رحمة الله.
الخاتمة
تبين لنا في هذا البحث أن الأمومة عطاء بلا حدود، وأن الإسلام رفع من شأن الأم وأوجب برها وحرّم عقوقها. وإن أقل ما نقدمه لأمهاتنا أن نحسن إليهن ونشكرهن ونكثر من الدعاء لهن. نسأل الله أن يحفظ أمهاتنا، وأن يرحم من توفي منهن، وأن يجمعنا بهن في جنات النعيم.
المراجع
- القرآن الكريم، وكتب التفسير المعتمدة كتفسير ابن كثير وتفسير السعدي.
- صحيح البخاري وصحيح مسلم، أبواب البر والصلة.
- رياض الصالحين للإمام النووي، باب بر الوالدين وصلة الأرحام.
- كتب الثقافة الإسلامية للمرحلتين المتوسطة والثانوية، وزارة التعليم في المملكة العربية السعودية.