مقدمة البحث
الحمد لله الذي شرع النكاح وجعله ميثاقًا غليظًا وسببًا للمودة والرحمة، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه. أما بعد، فقد جعل الله الزواج سنة من سنن المرسلين، وأحاطه بأحكام تحفظ الحقوق وتصون الأعراض وتحمي الأسرة. وقد قال سبحانه:
﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الروم: 21]
ولأن الزواج بهذه المكانة، فقد حرّم الإسلام صورًا من العقود تُسمى نكاحًا لكنها تخالف مقاصد الشرع، وتضر بالمرأة أو بالأسرة أو بالمجتمع. وفي هذا البحث نتعرف على أبرز الأنكحة المنهي عنها وأدلتها والحكمة من تحريمها.
تعريف الموضوع
النكاح في اللغة الضم والجمع، وفي الاصطلاح الشرعي عقد بين رجل وامرأة يحل به استمتاع كل منهما بالآخر على الوجه المشروع، ويقصد به المودة وبناء الأسرة. والأنكحة المنهي عنها هي صور من العقود الفاسدة أو المحرمة نهى عنها الشرع لما فيها من ظلم أو خداع أو مخالفة لأحكام العقد، أو لأن المرأة فيها محرّمة على الرجل لسبب شرعي. وقد بيّن علماء الفقه أحكامها من القرآن والسنة، وهي من المسائل المقررة في مناهج الفقه للمرحلة الثانوية.
أهمية الموضوع
معرفة الأنكحة المنهي عنها تحمي الشاب والفتاة وأولياءهما من الوقوع في عقود باطلة تترتب عليها آثار خطيرة، كضياع حقوق المرأة وبنوة الأولاد واختلاط الأنساب. وهي تظهر كمال الشريعة في صيانة الأسرة وحفظ الأعراض وتحقيق العدل بين الرجل والمرأة. كما أنها تعين الطالب على فهم أحكام النكاح الصحيح بمعرفة ضده.
أهداف البحث
- التعرف على الأنكحة المحرمة في الإسلام.
- الاستدلال على كل منها بالقرآن والسنة الصحيحة.
- بيان الحكمة من تحريمها.
- التمييز بين النكاح الصحيح والنكاح الباطل.
- غرس تعظيم عقد الزواج في نفوس الناشئة.
عناصر البحث
أولًا: أركان النكاح الصحيح وشروطه
لا يصح النكاح عند جمهور العلماء إلا بتوفر أركانه وشروطه، وهي: رضا الزوجين، وولي المرأة، وحضور الشهود أو الإعلان، وخلو الزوجين من الموانع الشرعية، وتعيين الزوجين. وقد قال النبي ﷺ في الولي:
«لاَ نِكَاحَ إِلاَّ بِوَلِيٍّ» (رواه أبو داود)
والصداق حق للمرأة، فهو من لوازم عقد النكاح وليس من أركانه. وما خالف هذه الأصول كان نكاحًا منهيًا عنه على تفصيل يأتي.
ثانيًا: نكاح الشغار
الشغار أن يزوّج الرجل ابنته أو أخته أو من له ولاية عليها لرجل آخر على أن يزوّجه الآخر ابنته أو أخته، بلا صداق بين الطرفين، فتكون كل امرأة مهرًا للأخرى. وقد ثبت النهي عنه في الصحيحين، ومن ذلك ما رواه ابن عمر رضي الله عنهما:
«نَهَى عَنِ الشِّغَارِ» (رواه البخاري)
الحكمة من النهي: فيه ظلم للمرأتين، إذ تُجعل المرأة سلعة تُبادل بأخرى وتُحرم من مهرها وحرية رأيها، وإن ظلم أحد الزوجين ظلمت الأخرى انتقامًا.
ثالثًا: نكاح المتعة (النكاح المؤقت)
نكاح المتعة هو أن يعقد الرجل على المرأة لمدة محددة ثم يفارقها بانتهاء المدة، دون قصد بناء أسرة دائمة. وقد كان مباحًا في أول الإسلام ثم حرّمه النبي ﷺ تحريمًا مؤبدًا إلى يوم القيامة. وقد روى علي رضي الله عنه:
«نَهَى عَنِ الْمُتْعَةِ» (رواه البخاري)
الحكمة من التحريم: فيه هدم لمقصود الزواج من السكن والمودة والذرية، وفيه امتهان للمرأة وضياع للأولاد وضرر بالأسر والمجتمع.
رابعًا: نكاح التحليل
هو أن تُطلَّق المرأة ثلاث تطليقات، فيتزوجها رجل بقصد أن يطلقها ليحل لزوجها الأول أن يرجع إليها. وقد جاء في كتاب الله أن المطلقة ثلاثًا لا تحل لزوجها الأول حتى تنكح زوجًا غيره نكاحًا حقيقيًا:
﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّىٰ تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ ۗ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ ۗ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 230]
أما أن يكون الزواج الثاني تمثيلًا واتفاقًا على الطلاق، فهذا هو التحليل المحرّم، وقد جاء في الحديث لعن فاعله:
«لَعَنَ اللَّهُ الْمُحَلِّلَ وَالْمُحَلَّلَ لَهُ» (رواه أبو داود)
الحكمة من التحريم: فيه تلاعب بحدود الله واستهانة بعقد الزواج وخداع للمرأة، وفيه تحايل على الشرع.
خامسًا: نكاح المحرم
المقصود به أن يعقد الرجل الزواج على امرأة وهو محرم بحج أو عمرة، أو أن يعقد وليها له وهي محرمة. وقد قال النبي ﷺ فيما رواه عثمان رضي الله عنه:
«لاَ يَنْكِحُ الْمُحْرِمُ وَلاَ يُنْكَحُ وَلاَ يَخْطُبُ» (رواه مسلم)
فلا يُعقد النكاح للمحرم ولا يعقده لغيره، ولا يخطب. الحكمة: تعظيم حرمة الإحرام وانشغال المحرم بالعبادة والتجرد لله وبعده عن دواعي الشهوة.
سادسًا: نكاح المعتدة
المعتدة هي المرأة التي فارقها زوجها بطلاق أو وفاة وهي في فترة العدة. ولا يجوز للرجل أن يعقد عليها أثناء العدة ولا أن يواعدها على الزواج سرًّا، قال تعالى:
﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ ۚ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَٰكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا ۚ وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّىٰ يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ ۚ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ ۚ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ [البقرة: 235]
الحكمة: التأكد من خلو الرحم وحفظ الأنساب، ومراعاة حق الزوج السابق واحترام مشاعر أسرته.
سابعًا: الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها، ونكاح المحرمات
حرّم الله تعالى على الرجل نكاح أصناف من النساء حرمة مؤبدة أو مؤقتة، منها الأمهات والبنات والأخوات والعمات والخالات وبنات الأخ والأخت، والمحرمات بالرضاع والمصاهرة، كما بيّنته آيات سورة النساء:
﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ ۚ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا (٢٢) حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (٢٣)﴾ [النساء: 22–23]
وجاء النهي كذلك عن الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها، فقال النبي ﷺ:
«لاَ يُجْمَعُ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا، وَلاَ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَخَالَتِهَا» (رواه البخاري)
الحكمة: الحفاظ على صلة الرحم بين القريبات ومنع التنافس والقطيعة بينهن.
ثامنًا: ملخص الأنكحة المنهي عنها
| النكاح | صورته | الحكم |
|---|---|---|
| الشغار | تبادل بنتين بلا مهر | منهي عنه |
| المتعة | زواج مؤقت بمدة | محرم |
| التحليل | زواج بنية الطلاق ليحل للأول | محرم وفاعله ملعون |
| نكاح المحرم | العقد أثناء الإحرام | منهي عنه |
| نكاح المعتدة | العقد أثناء العدة | محرم وباطل |
| الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها | الجمع بينهما في عصمة واحدة | محرم |
| النكاح بلا ولي | عقد بدون ولي المرأة | باطل عند الجمهور |
النتائج
- للنكاح الصحيح أركان وشروط، وما خالفها فهو نكاح فاسد أو محرم.
- من الأنكحة المنهي عنها الشغار والمتعة والتحليل ونكاح المحرم ونكاح المعتدة والجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها.
- تحريم هذه الأنكحة يحقق حفظ حقوق المرأة والأسرة والأنساب والأعراض.
- الشريعة تعظم عقد الزواج وتنهى عن التلاعب به.
التوصيات
- تعلّم أحكام النكاح من أهل العلم والكتب الموثوقة قبل الإقدام على الزواج.
- استشارة المحاكم الشرعية والمأذونين المعتمدين لتوثيق العقد.
- عدم الإقدام على عقد يشك الإنسان في صحته، والسؤال عنه أولًا.
- نشر الوعي بين الشباب بأحكام الزواج الشرعي ومقاصده.
الخاتمة
تعرفنا في هذا البحث على أبرز الأنكحة المنهي عنها، وعلى أدلتها من الكتاب والسنة، وما فيها من حكمة بالغة تحفظ كرامة المرأة وسلامة الأسرة ونقاء المجتمع. وما أعظم هذا الدين الذي جعل الزواج عقدًا مقدسًا قائمًا على الرضا والعدل والوضوح، فعلى الشباب أن يحرصوا على تعلم أحكامه والتزامها.
المراجع
- القرآن الكريم.
- صحيح البخاري وصحيح مسلم وسنن أبي داود وسنن الترمذي.
- تفسير ابن كثير وتفسير السعدي.
- كتاب الفقه للمرحلة الثانوية، وزارة التعليم في المملكة العربية السعودية.
- الملخص الفقهي، صالح بن فوزان الفوزان.
- المغني، ابن قدامة المقدسي.