مقدمة البحث
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد. أما بعد، فقد حثّنا الله تعالى على التأمل والنظر في خلقه، فقال:
﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس: 101]
والرياضيات من أدق العلوم التي تنمّي التفكير وتعلّم الإنسان كيف يبحث عن النمط وينتقل من الأمثلة إلى القواعد. ومن أهم المهارات التي يتعلمها طالب المرحلة الثانوية في هذا المجال التبرير الاستقرائي، أي استخلاص حكم عام من ملاحظة حالات خاصة، ثم التخمين الذي ينتج عن هذه الملاحظة. وفي هذا البحث نتعرف على معنى الاستقراء وكيف نصوغ التخمين وكيف نختبره ونبطله بالمثال المضاد.
تعريف الموضوع
التبرير الاستقرائي هو الوصول إلى نتيجة عامة اعتمادًا على ملاحظة عدد من الحالات الخاصة أو الأنماط المتكررة. أما التخمين فهو الحكم أو الجملة التي نصل إليها بالاستقراء ولم يثبت صحتها بعدُ بالبرهان. وأما المثال المضاد فهو حالة واحدة تحقق شروط التخمين ولا تحقق نتيجته، فيكفي وجودها لإثبات أن التخمين خاطئ.
أهمية الموضوع
يعتمد العلماء والمهندسون والمبرمجون وحتى الأطباء على الاستقراء في أعمالهم اليومية، فيلاحظون النتائج المتكررة ثم يضعون توقعات يختبرونها. وتعلم هذه المهارة يعوّد الطالب على الملاحظة الدقيقة وعدم التسرع في إصدار الأحكام، ويكشف له الفرق بين ما يبدو صحيحًا وما ثبتت صحته فعلًا.
أهداف البحث
- التعرف على معنى التبرير الاستقرائي والتخمين والمثال المضاد.
- تعلم خطوات صياغة تخمين من نمط عددي أو هندسي.
- التمييز بين التبرير الاستقرائي والتبرير الاستنتاجي.
- اختبار صحة التخمين وإبطاله بمثال مضاد.
- إدراك حدود الاستقراء وأنه لا يغني عن البرهان.
عناصر البحث
أولًا: خطوات التبرير الاستقرائي
- الملاحظة: ننظر في عدد من الحالات الخاصة وندوّن النتائج.
- البحث عن النمط: نحاول اكتشاف علاقة تتكرر في الحالات كلها.
- صياغة التخمين: نكتب جملة عامة تصف النمط.
- الاختبار: نجرّب التخمين على حالات جديدة، فإن وجدنا حالة تخالفه فهي مثال مضاد وبطل التخمين، وإن لم نجد فنبقى في مرحلة التخمين حتى نبرهنه.
ثانيًا: أمثلة على التخمين من الأنماط
المثال الأول: نمط عددي بالجمع. لاحظ الأعداد ٥ و ٩ و ١٣ و ١٧ فإن الفرق بين كل عدد والذي قبله يساوي ٤ دائمًا، فنخمّن أن العدد التالي هو ٢١ ثم ٢٥ وهكذا بإضافة ٤ في كل مرة.
المثال الثاني: نمط عددي بالضرب. في الأعداد ٢ و ٦ و ١٨ و ٥٤ نجد أن كل عدد هو ثلاثة أمثال العدد السابق، فنخمّن أن العدد التالي هو ١٦٢ لأن حاصل ضرب ٥٤ × ٣ يساوي ١٦٢ وهذا هو الناتج المتوقع.
المثال الثالث: مجموع الأعداد الفردية. لننظر في مجاميع الأعداد الفردية المتتالية بدءًا من الواحد:
| الجمع | الناتج | العلاقة |
|---|---|---|
| ١ | ١ | ١ × ١ |
| ١ + ٣ | ٤ | ٢ × ٢ |
| ١ + ٣ + ٥ | ٩ | ٣ × ٣ |
| ١ + ٣ + ٥ + ٧ | ١٦ | ٤ × ٤ |
نلاحظ أن الناتج هو مربع عدد الحدود في كل مرة، فنخمّن أن مجموع أول ن من الأعداد الفردية الموجبة يساوي ن² وهذا التخمين صحيح ويمكن إثباته بالبرهان الجبري لاحقًا، لكن الأمثلة وحدها لا تكفي لإثباته.
ثالثًا: المثال المضاد
يكفي مثال مضاد واحد لإبطال أي تخمين مهما بلغ عدد الأمثلة المؤيدة له. وهذه أمثلة توضح ذلك:
- التخمين: كل عدد أولي هو عدد فردي. المثال المضاد: العدد ٢ أولي وهو زوجي، فالتخمين خاطئ.
- التخمين: مجموع أي عددين أوليين عدد زوجي. المثال المضاد: ٢ + ٣ = ٥ وهو عدد فردي.
- التخمين: مربع أي عدد صحيح موجب أكبر من العدد نفسه. المثال المضاد: فالعدد ١ مربعه يساوي ١ وليس أكبر منه.
- التخمين: إذا كان حاصل ضرب عددين عددًا زوجيًا فإن كلًّا منهما زوجي. المثال المضاد: ٢ × ٣ = ٦ وهو زوجي، لكن ٣ فردي.
رابعًا: لماذا لا يكفي الاستقراء؟
قد تؤيد عشرات الأمثلة تخمينًا ثم يظهر بعد ذلك مثال مضاد واحد يبطله. ومن أشهر الأمثلة على ذلك العبارة ن² + ن + ٤١ فإذا عوّضنا عن ن بالأعداد من صفر إلى ٣٩ حصلنا في كل مرة على عدد أولي، فقد يخمّن الطالب أنها تعطي عددًا أولًا دائمًا. لكن عند التعويض بـ ن = ٤٠ نحصل على ١٦٠٠ + ٤٠ + ٤١ = ١٦٨١ وهو عدد يساوي ٤١ × ٤١ فليس أوليًا، وبذلك بطل التخمين.
ومثال هندسي مشهور: إذا علّمنا نقاطًا على محيط دائرة ووصلنا بينها بالقطع المستقيمة كلها فإن الدائرة تنقسم إلى مناطق. عدد المناطق عند وجود نقطة واحدة ثم اثنتين ثم ثلاث ثم أربع ثم خمس نقاط هو ١ و ٢ و ٤ و ٨ و ١٦ فيتوقع المخمّن أن يتضاعف العدد كل مرة وأن تعطي ست نقاط ٣٢ منطقة. لكن العد الفعلي يعطي ٣١ منطقة فقط، فالتخمين خاطئ مع أنه صمد خمس مرات.
خامسًا: الفرق بين التبرير الاستقرائي والتبرير الاستنتاجي
| وجه المقارنة | التبرير الاستقرائي | التبرير الاستنتاجي |
|---|---|---|
| نقطة البداية | حالات خاصة وأنماط ملاحظة | حقائق وتعريفات وقواعد مسلّم بها |
| النتيجة | تخمين محتمل قد يخطئ | نتيجة مؤكدة إذا صحّت المقدمات |
| الإبطال | يكفي مثال مضاد واحد | لا يبطل إذا كان الاستدلال سليمًا |
| الاستخدام | اكتشاف الأفكار الجديدة | البرهان على صحة الأفكار |
ومثال الاستنتاج: إذا علمنا أن كل عدد زوجي يقبل القسمة على ٢ وأن العدد ١٢ زوجي، فنستنتج يقينًا أن ١٢ يقبل القسمة على ٢ فالاستقراء يكتشف، والاستنتاج يثبت، وهما يكملان بعضهما في الرياضيات.
سادسًا: مثال محلول كامل
المسألة: اكتب تخمينًا عن ناتج ضرب عددين فرديين، ثم اختبره.
الحل: نجرّب عدة حالات: ٣ × ٥ = ١٥ ثم ٧ × ٩ = ٦٣ ثم ١١ × ١ = ١١ ثم نلاحظ أن الناتج في كل مرة عدد فردي. التخمين: ناتج ضرب أي عددين فرديين عدد فردي. نجرّب حالات جديدة: ١٣ × ١٥ = ١٩٥ وهو فردي أيضًا، ولم نجد مثالًا مضادًا. ويمكن إثبات ذلك لاحقًا بالبرهان لأن العدد الفردي يُكتب على صورة ٢ك + ١ وضرب عددين بهذه الصورة يعطي عددًا على الصورة نفسها.
النتائج
- التبرير الاستقرائي يبدأ بحالات خاصة وينتهي بتخمين عام.
- التخمين قد يكون صحيحًا أو خاطئًا حتى يُبرهن أو يُبطل.
- يكفي مثال مضاد واحد لإبطال أي تخمين.
- كثرة الأمثلة المؤيدة لا تثبت صحة التخمين، ويحتاج إثباته إلى برهان استنتاجي.
- الاستقراء أداة لاكتشاف الأفكار، والاستنتاج أداة لإثباتها.
التوصيات
- اختبار التخمين على أنواع مختلفة من الحالات، منها الأعداد الصغيرة والكبيرة والزوجية والفردية.
- البحث عن مثال مضاد قبل الجزم بصحة أي تخمين.
- عدم الاكتفاء بالأمثلة في إثبات صحة القواعد الرياضية.
- التدرب على اكتشاف الأنماط في الأعداد والأشكال لتنمية مهارات التفكير.
الخاتمة
تعرّفنا في هذا البحث على التبرير الاستقرائي وكيف نصوغ التخمين من ملاحظة الأنماط، وكيف نختبره ونبطله بمثال مضاد، وعرفنا الفرق بينه وبين التبرير الاستنتاجي. ويتضح أن الرياضيات تجمع بين الحدس والبرهان، وأن الحذر من التعميم السريع صفة من صفات الباحث المتأمل.
المراجع
- كتاب الرياضيات للصف الأول الثانوي، وزارة التعليم في المملكة العربية السعودية.
- كتب المنطق والتفكير الرياضي في المرحلة الثانوية والمراحل الجامعية الأولى.
- كتب مقدمة في الرياضيات المتقطعة وطرق البرهان.