مقدمة البحث
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فإن أعظم ما أمر الله به التوحيد، وأعظم ما نهى عنه الشرك، وقد بُعثت الرسل جميعًا لتقرير الأول وتحذير الناس من الثاني. وفي هذا البحث نعرض معنى الشرك وأنواعه وخطره وأدلة تحريمه وطرق الوقاية منه، بمنهج أهل السنة والجماعة، وبالأدلة الصحيحة من الكتاب والسنة.
تعريف الموضوع
الشرك في اللغة جعل الشيء مشاركًا لغيره، وفي الاصطلاح الشرعي: أن يجعل الإنسان لله ندًّا أو شريكًا في ربوبيته أو ألوهيته أو أسمائه وصفاته، فيصرف شيئًا من العبادة لغير الله، كالدعاء والذبح والنذر والاستغاثة والتوكل. وهو ضد التوحيد الذي هو إفراد الله وحده بالعبادة.
أهمية الموضوع
تأتي أهمية هذا الموضوع من أن الشرك أعظم الذنوب عند الله، ومن أن معرفته شرط لتجنبه، فمن لم يعرف الشرك وقع فيه وهو لا يشعر. ولذلك كان من واجب كل مسلم أن يتعلم أصول التوحيد وما يضادّه، وقد قررت المناهج الدراسية في المملكة العربية السعودية هذا الباب في جميع المراحل.
أهداف البحث
- بيان معنى الشرك وعلاقته بالتوحيد.
- التعرف على أنواع الشرك الأكبر والأصغر والفرق بينهما.
- ذكر الأدلة الشرعية على تحريم الشرك وخطورته.
- معرفة بعض صور الشرك المنتشرة وآثاره على الفرد والمجتمع.
- تعلّم طرق الوقاية من الشرك وتعزيز التوحيد في القلوب.
عناصر البحث
أولًا: منزلة التوحيد والشرك
خلق الله الخلق لعبادته وحده، قال تعالى:
﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: 56]
وأصل دعوة الأنبياء كلهم واحد، قال تعالى:
﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ ۖ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ ۚ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ [النحل: 36]
ومن أصدق ما يلخص التوحيد سورة الإخلاص، وفيها إفراد الله بالوحدانية والصمدية ونفي الشريك والمثيل:
﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾ [الإخلاص: 1–4]
ثانيًا: خطورة الشرك وأدلة تحريمه
سمّى الله الشرك ظلمًا عظيمًا، فقال تعالى على لسان لقمان يعظ ابنه:
﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ ۖ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: 13]
وبيّن سبحانه أن الشرك لا يُغفر لمن مات عليه دون توبة، وأن ما دونه تحت المشيئة:
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ ۚ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَىٰ إِثْمًا عَظِيمًا﴾ [النساء: 48]
وأخبر أن الشرك يُحبط الأعمال الصالحة، فقال سبحانه مخاطبًا النبي ﷺ ومن قبله من الرسل:
﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الزمر: 65]
وعن النبي ﷺ أنه قال:
«مَنْ مَاتَ وَهْوَ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ نِدًّا دَخَلَ النَّارَ» (رواه البخاري)
وهذه نصوص تبين أن خطر الشرك عظيم، وأن النجاة منه أعظم النجاة. وفي المقابل جعل الله الأمن والهداية لمن سلم من الظلم في إيمانه، فقال تعالى:
﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَٰئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام: 82]
ثالثًا: أنواع الشرك
يقسّم العلماء الشرك بحسب أثره إلى نوعين رئيسين:
| وجه المقارنة | الشرك الأكبر | الشرك الأصغر |
|---|---|---|
| التعريف | صرف نوع من العبادة لغير الله | وسيلة أو أمر يقرّب من الشرك الأكبر وليس عبادة لغير الله |
| أثره في الدين | يُخرج صاحبه من الملة إذا قامت عليه الحجة ولم يتب | لا يُخرج من الملة لكنه كبيرة من الكبائر وينقص التوحيد |
| الحكم عند الموت دون توبة | لا يغفره الله | داخل تحت مشيئة الله |
| أمثلة | دعاء غير الله والذبح لغير الله والاستغاثة بالأموات | الرياء اليسير والحلف بغير الله والتطيّر |
رابعًا: بعض صور الشرك الأكبر
- دعاء غير الله: كأن يدعو الإنسان ميتًا أو غائبًا أو صنمًا يطلب منه ما لا يقدر عليه إلا الله.
- الذبح والنذر لغير الله: كالتقرب بالذبائح أو النذور إلى قبر أو ولي أو جني.
- الاستغاثة بغير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله: كطلب شفاء المرض أو رزق الولد من مخلوق.
- اعتقاد أن مخلوقًا يتصرف في الكون مع الله: وهو شرك في الربوبية.
- السحر: وقد قرنه النبي ﷺ بالشرك في الكبائر المهلكة.
وفي الحديث المشهور عن السبع المهلكات سأل الصحابة عنها فعدّها النبي ﷺ وبدأ بقوله:
«الشِّرْكُ بِاللَّهِ» (رواه البخاري)
ثم ذكر بعد الشرك السحر وقتل النفس بغير حق وأكل الربا وأكل مال اليتيم والتولي يوم الزحف وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات.
خامسًا: بعض صور الشرك الأصغر
- الرياء: أن يحسّن الإنسان عبادته ليراه الناس ويمدحوه، لا طلبًا لرضا الله.
- الحلف بغير الله: كالحلف بالآباء أو الأمانة أو غيرهما.
- التطيّر: وهو التشاؤم بالطيور أو الأرقام أو الأيام أو المرئيات، وقد قال النبي ﷺ:
«الطِّيَرَةُ شِرْكٌ» (رواه أبو داود)
- قول ما شاء الله وشئت: وغيرها من الألفاظ التي تسوّي المخلوق بالخالق، والصواب أن يقول الإنسان ما شاء الله ثم شئت.
- تعليق التمائم اعتقادًا أنها تدفع الضر بذاتها: فمن اعتقد أنها تنفع أو تضر بنفسها وقع في الشرك، والواجب التعلق بالله وحده والأخذ بالأسباب المشروعة كالعلاج والرقية الشرعية.
سادسًا: آثار الشرك
- حبوط العمل: فلا يقبل الله عملًا فيه شرك.
- الخلود في النار لمن مات على الشرك الأكبر: قال تعالى:
﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ ۖ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ ۖ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ ۖ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ [المائدة: 72]
- الخوف والقلق والتعلق بالمخلوقين: فالمشرك يتوزع قلبه بين أسباب وأوهام، بينما الموحّد مطمئن بالله.
- ضعف الأمة وتفرقها: فالتوحيد يجمع القلوب على رب واحد، والشرك يشتّتها.
- الخرافة والدجل: فتنتشر أعمال السحرة والمشعوذين ويضيع مال الناس ودينهم.
سابعًا: كيف نتجنب الشرك؟
- تعلّم العقيدة الصحيحة من الكتاب والسنة وكتب أهل العلم الموثوقة.
- إخلاص الدعاء والعبادة لله وحده، وتذكّر قوله تعالى:
﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ ۖ وَبِذَٰلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (١٦٣)﴾ [الأنعام: 162–163]
- الحذر من السحرة والمشعوذين والعرّافين وعدم تصديقهم.
- الاستعاذة بالله من الرياء، ومجاهدة النفس على إخلاص النية.
- تعظيم الله في القلب، ومعرفة أسمائه وصفاته، والتوكل عليه مع الأخذ بالأسباب.
- سؤال أهل العلم عمّا يشكل من الأقوال والأفعال، والتحذير بالحكمة واللين، فلا نكفّر أحدًا بعينه، فإن تكفير المعيّن له شروطه وموانعه وهو من اختصاص أهل العلم والقضاء.
النتائج
- الشرك هو صرف شيء من العبادة لغير الله، وهو أعظم الذنوب وأخطرها.
- ينقسم الشرك إلى أكبر وأصغر، ولكل منهما حكمه وأمثلته.
- الشرك الأكبر يحبط الأعمال ولا يُغفر لمن مات عليه دون توبة.
- الوقاية من الشرك تكون بتعلم التوحيد وإخلاص العبادة والحذر من الخرافات.
التوصيات
- الاهتمام بتدريس التوحيد وأضداده في المدارس بأسلوب ميسّر.
- الرجوع إلى العلماء الراسخين فيما يتعلق بمسائل العقيدة.
- تربية الأبناء منذ الصغر على التعلق بالله والتوكل عليه.
- التحذير من السحر والدجل وطلب العلاج عند الأطباء والرقية الشرعية.
- الدعوة إلى التوحيد بالحكمة والموعظة الحسنة والرفق.
الخاتمة
الشرك أعظم ظلم يقع فيه الإنسان، لأنه يصرف حق الله الخالص إلى غيره. وقد عرضنا معناه وأنواعه وأدلة تحريمه وآثاره وسبل الوقاية منه. ونسأل الله أن يثبتنا على التوحيد، وأن يعيذنا من الشرك كله دقّه وجلّه، وأن يرزقنا الإخلاص في القول والعمل. وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
المراجع
- القرآن الكريم.
- صحيح البخاري، وسنن أبي داود.
- كتاب التوحيد، للإمام محمد بن عبد الوهاب.
- كتب التوحيد والعقيدة المقررة في مناهج وزارة التعليم في المملكة العربية السعودية.
- فتح المجيد شرح كتاب التوحيد، لعبد الرحمن بن حسن آل الشيخ.