مقدمة البحث
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد. أما بعد، فإن الطفولة من أخطر مراحل حياة الإنسان، ففيها تتشكل الشخصية وتتكون الاتجاهات والقيم ويُبنى الأساس الذي يقوم عليه ما بعده من مراحل العمر. وقد أمرنا الله تعالى بالعناية بأهلنا وأبنائنا فقال:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: 6]
ومن مراحل الطفولة مرحلة مهمة تسمى الطفولة المتأخرة، وهي التي تقف على أبواب المراهقة. وفي هذا البحث نتعرف على خصائص هذه المرحلة وحاجات الطفل فيها وأفضل أساليب التعامل معه.
تعريف الموضوع
الطفولة المتأخرة مرحلة من مراحل النمو تأتي بعد الطفولة المبكرة وقبل المراهقة، وهي تقابل في أغلب الأنظمة التعليمية الصفوف العليا من المرحلة الابتدائية. ويختلف علماء النفس في تحديد حدودها بدقة، فمنهم من يجعلها من نحو التاسعة إلى نحو الثانية عشرة من العمر، ومنهم من يمدّها لتشمل المرحلة الابتدائية كلها. وتُسمّى كذلك مرحلة الهدوء النسبي، لأن النمو الانفعالي فيها أكثر استقرارًا مما قبلها ومما بعدها.
أهمية الموضوع
تظهر أهمية دراسة هذه المرحلة في أنها فترة يتعلم فيها الطفل المهارات الدراسية والاجتماعية الأساسية، وتزداد قدرته على التركيز والفهم، ويبدأ في الاعتماد على نفسه. وإذا فهم الوالدان والمعلمون خصائصها استطاعوا توجيهه توجيهًا سليمًا وتجنّبوا أخطاءً شائعة كالمقارنة بين الأبناء أو إهمال حاجاتهم النفسية، كما يستعدّ الطفل بذلك لمرحلة المراهقة بثقة وتوازن.
أهداف البحث
- التعريف بمرحلة الطفولة المتأخرة وبيان حدودها.
- توضيح مظاهر النمو الجسمي والعقلي واللغوي والانفعالي والاجتماعي فيها.
- التعرف على حاجات الطفل الأساسية في هذه المرحلة.
- بيان دور الأسرة والمدرسة في رعاية الطفل.
- التعرف على بعض المشكلات الشائعة وطرق علاجها.
عناصر البحث
أولًا: النمو الجسمي والحركي
يتميز النمو الجسمي في هذه المرحلة بالبطء النسبي والثبات مقارنة بما قبلها، ثم يبدأ التسارع قرب نهايتها عند بعض الأطفال، وخاصة الفتيات اللاتي يسبقن الذكور في النضج غالبًا. وتتحسن المهارات الحركية الدقيقة والكبيرة، فيتقن الطفل الكتابة والرسم والأعمال اليدوية ويحب الألعاب الرياضية التي فيها حركة وتنافس. ويحتاج إلى غذاء متوازن ونوم كافٍ ونشاط بدني منتظم للمحافظة على صحته.
ثانيًا: النمو العقلي والمعرفي
يرى العالم السويسري جان بياجيه أن الطفل في هذه الفترة يمر بما سماه مرحلة العمليات المحسوسة، فيستطيع التفكير المنطقي في الأشياء الملموسة، ويفهم التصنيف والترتيب والمقارنة، ويدرك أن كمية السائل لا تتغير بتغيّر شكل الإناء. أما التفكير المجرد والافتراضي فلا يتقنه إلا في مرحلة لاحقة. ومن مظاهر النمو العقلي:
- زيادة مدى الانتباه والقدرة على التركيز فترة أطول.
- تحسن الذاكرة وقدرة الطفل على الحفظ والاستظهار.
- نمو حب الاستطلاع وكثرة الأسئلة وحب القراءة والمعرفة.
- بروز الميول والقدرات الخاصة كالرسم أو الرياضيات أو القراءة.
ثالثًا: النمو اللغوي
يزداد المحصول اللغوي للطفل ازديادًا واضحًا، ويتقن قراءة النصوص الطويلة والتعبير الكتابي، ويفهم الأمثال والعبارات ذات المعنى المجازي بصورة أفضل، ويستمتع بالقصص والمغامرات والألغاز. وهذه المرحلة مناسبة لتنمية حب المطالعة وتشجيع الطفل على اقتناء الكتب النافعة.
رابعًا: النمو الانفعالي
يصبح الطفل أقدر على ضبط انفعالاته والتحكم في نوبات الغضب مقارنة بما كان عليه صغيرًا. ويتعلم أن يعبّر عن مشاعره بالكلمات بدل الصراخ أو البكاء، ويظهر لديه الإحساس بالمسؤولية والرغبة في الإنجاز. غير أنه حساس للنقد والسخرية، ويتأثر كثيرًا بنظرة الكبار وبتقدير أقرانه له. وقد وصف عالم النفس إريك إريكسون هذه الفترة بأنها مرحلة «الاجتهاد مقابل الشعور بالنقص»، فإذا نجح الطفل وشُجّع نما لديه الشعور بالكفاءة، وإذا تكرر فشله وإحباطه نشأ عنده الإحساس بالنقص.
خامسًا: النمو الاجتماعي
تتسع دائرة العلاقات الاجتماعية فيصبح للأصدقاء والجماعة أثر كبير على الطفل، ويميل إلى مصادقة أبناء جنسه وتكوين شلل ومجموعات صغيرة، ويتعلم التعاون والعمل الجماعي والالتزام بقواعد اللعب والنظام. ويظهر عنده حب الانتماء إلى الفريق والمدرسة والمجتمع، ويزداد وعيه بالقيم الأخلاقية كالصدق والعدل والأمانة. ويتقلص تعلقه المباشر بالأسرة نسبيًا لكنه يبقى بحاجة ماسة إلى حنانها وسندها.
سادسًا: النمو الديني والخلقي
يستطيع الطفل في هذه المرحلة أن يفهم أركان الإسلام وآداب السلوك، ويتعلق بالقدوة الحسنة، ويقتدي بوالديه ومعلميه. وهي فرصة ذهبية لغرس العقيدة السليمة وتعويده على الصلاة وحفظ القرآن الكريم وأذكار اليوم والليلة بأسلوب محبب. ومن الحديث الذي يذكّر الآباء بمسؤوليتهم:
«كُلُّكُمْ رَاعٍ فَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، فَالأَمِيرُ الَّذِي عَلَى النَّاسِ رَاعٍ وَهْوَ مَسْئُولٌ عَنْهُمْ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ عَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ وَهْوَ مَسْئُولٌ عَنْهُمْ، وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ عَلَى بَيْتِ بَعْلِهَا وَوَلَدِهِ وَهْىَ مَسْئُولَةٌ عَنْهُمْ، وَالْعَبْدُ رَاعٍ عَلَى مَالِ سَيِّدِهِ وَهْوَ مَسْئُولٌ عَنْهُ، أَلاَ فَكُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ» (رواه البخاري)
فالأب راعٍ ومسؤول عن أولاده، والأم راعية ومسؤولة، وكل منهما مطالب بحسن الرعاية والتربية.
سابعًا: حاجات الطفل في هذه المرحلة
| الحاجة | كيف تُلبّى |
|---|---|
| الحاجة إلى الأمن والحب | المعاملة الحانية والاحتضان والاستماع إليه |
| الحاجة إلى التقدير | الثناء على الجهد وتشجيع الإنجاز دون مبالغة |
| الحاجة إلى الاستقلال | إعطاؤه مهام يقدر عليها وتحميله مسؤوليات صغيرة |
| الحاجة إلى اللعب والترفيه | توفير وقت للعب والرياضة والهوايات |
| الحاجة إلى المعرفة | الإجابة عن أسئلته وتوفير الكتب والأنشطة |
| الحاجة إلى الجماعة | تشجيعه على الصداقات الطيبة والأنشطة الجماعية |
ثامنًا: دور الأسرة والمدرسة
- دور الأسرة: توفير جو من الحب والاستقرار، والحوار مع الطفل، وتجنّب القسوة والتدليل الزائد، وأن يكون الوالدان قدوة في أقوالهما وأفعالهما، ومتابعة أصدقائه برفق، وتنظيم وقته بين الدراسة واللعب والعبادة.
- دور المدرسة: تنويع طرائق التدريس بما يناسب التفكير المحسوس، وتشجيع الأنشطة والمسابقات والهوايات، وملاحظة الصعوبات التعليمية مبكرًا، وتعزيز الانضباط بالقدوة لا بالتخويف.
- دور المجتمع: توفير الأندية والمكتبات والبرامج الهادفة، ومراقبة المحتوى الذي يتعرض له الأطفال في وسائل الإعلام والإنترنت.
تاسعًا: مشكلات شائعة وعلاجها
- ضعف التحصيل أو كره المدرسة: يُبحث عن السبب، كصعوبة تعلم أو مشكلة مع الأقران، ويُعالَج بالتعاون بين البيت والمدرسة.
- الكذب: غالبًا يكون خوفًا من العقاب، ويُعالَج بالتشجيع على الصدق والتسامح مع الاعتراف بالخطأ.
- العناد والعدوانية: تُعالَج بفهم أسبابها وتوجيه طاقة الطفل إلى نشاط مفيد.
- الخجل والانطواء: يُعالَج بإشراكه في أنشطة تناسبه وتعزيز ثقته بنفسه تدريجيًا.
وإذا استمرت المشكلة أو اشتدت فيُستحسن مراجعة المرشد الطلابي أو الأخصائي النفسي.
النتائج
- الطفولة المتأخرة مرحلة استقرار نسبي تسبق المراهقة، وفيها تتسع مهارات الطفل المعرفية والاجتماعية.
- يتميز التفكير فيها بالطابع المحسوس، وتزداد القدرة على الانتباه والحفظ.
- الطفل في هذه المرحلة شديد الحساسية للتقدير والنقد، ويتأثر بجماعة الأقران.
- التربية القائمة على الحب والقدوة والحوار هي الأنجح في هذه المرحلة.
التوصيات
- الاهتمام بالتنشئة الدينية والخلقية للطفل بأسلوب محبب وعملي.
- تشجيع الطفل على المطالعة والهوايات والأنشطة الرياضية.
- تجنب السخرية والمقارنة بين الأطفال، وتعزيز الشعور بالكفاءة لديهم.
- إقامة دورات للآباء والمعلمين عن خصائص النمو وطرق التعامل مع كل مرحلة.
الخاتمة
تبين من هذا البحث أن الطفولة المتأخرة مرحلة غنية بالفرص التربوية، ففيها يهدأ الطفل نسبيًا، ويزداد إدراكه وتتسع علاقاته، ويتهيأ لمرحلة المراهقة. ومن واجب الأسرة والمدرسة أن تتعاونا على بناء شخصيته المتوازنة، علميًا وخلقيًا واجتماعيًا ونفسيًا، فمن أحسن غرس الطفل في هذه المرحلة جنى ثمارًا طيبة في شبابه.
المراجع
- كتب علم نفس النمو (الطفولة والمراهقة) المقررة في الجامعات.
- جان بياجيه، أعماله في النمو المعرفي عند الطفل.
- إريك إريكسون، «الطفولة والمجتمع» (Childhood and Society).
- كتب مقررات التربية والإرشاد الطلابي، وزارة التعليم في المملكة العربية السعودية.