مقدمة البحث

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد. أما بعد، فقد خلق الله هذا الكون في أدق نظام، وجعل المادة من ذرات صغيرة لا تُرى بالعين، وفي قلب كل ذرة نواة صغيرة جدًا تحمل أغلب كتلتها وتختزن طاقة هائلة. وقد حثّنا القرآن على النظر والتفكر في خلق الله فقال سبحانه:

﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَٰذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [ال عمران: 191]

وفي هذا البحث نتعرف على الفيزياء النووية، العلم الذي يدرس نواة الذرة وما يجري فيها، وتطبيقاته في الطب والطاقة والصناعة.

تعريف الموضوع

الفيزياء النووية فرع من الفيزياء يدرس نواة الذرة من حيث تركيبها وخصائصها والقوى التي تربط مكوناتها، وما يحدث لها من تحولات كالتحلل الإشعاعي والانشطار والاندماج، وما يصاحب هذه التحولات من انطلاق طاقة وإشعاعات.

أهمية الموضوع

  • تفسير مصدر الطاقة في الشمس والنجوم.
  • إنتاج الكهرباء في المفاعلات النووية.
  • تطبيقاته الطبية في التصوير والتشخيص وعلاج بعض الأورام.
  • استخدام النظائر المشعة في الزراعة والصناعة وتحديد أعمار الآثار.
  • معرفة مخاطر الإشعاع وكيفية الوقاية منه.

أهداف البحث

  • التعرف على تركيب النواة والقوى التي تربط مكوناتها.
  • فهم النشاط الإشعاعي وأنواع الإشعاعات وعمر النصف.
  • التمييز بين الانشطار النووي والاندماج النووي.
  • التعرف على الاستخدامات السلمية للطاقة النووية ومخاطرها.

أولًا: تركيب النواة

تتكون الذرة من نواة موجبة الشحنة في مركزها تدور حولها الإلكترونات سالبة الشحنة. وتتكون النواة من جسيمين يسميان النيوكليونات:

  • البروتونات: جسيمات موجبة الشحنة، وعددها هو العدد الذري ويرمز له بالحرف Z.
  • النيوترونات: جسيمات متعادلة لا شحنة لها.

ومجموع عدد البروتونات والنيوترونات هو العدد الكتلي ويرمز له بالحرف A. ويُكتب رمز النواة هكذا:

AZX

ومثاله نواة الكربون المشهورة:

126C

وهي تحتوي ستة بروتونات وستة نيوترونات. أما النظائر فهي ذرات للعنصر نفسه تتفق في العدد الذري وتختلف في العدد الكتلي أي في عدد النيوترونات، كالكربون الذي له نظير ثقيل مشع يسمى كربون أربعة عشر.

ثانيًا: القوى النووية والاستقرار

البروتونات في النواة موجبة الشحنة وتتنافر كهربائيًا، ومع ذلك تبقى النواة متماسكة، لأن هناك قوة أشد من التنافر الكهربائي تعمل على مسافات قصيرة جدًا تسمى القوة النووية القوية، وهي تربط النيوكليونات بعضها ببعض.

وتكون بعض الأنوية مستقرة، وبعضها غير مستقر بسبب زيادة نيوتروناتها أو بروتوناتها أو كبر حجمها، فتتحلل تلقائيًا وتطلق إشعاعات حتى تصل إلى حالة أكثر استقرارًا.

ثالثًا: النشاط الإشعاعي

النشاط الإشعاعي هو تحلل الأنوية غير المستقرة تلقائيًا مع انبعاث جسيمات أو أشعة. وقد اكتشفه العالم الفرنسي هنري بيكريل، ثم درسته ماري كوري وزوجها بيير كوري وأسهما في فهمه. وأهم أنواع الإشعاعات:

النوعطبيعتهقدرة الاختراق
أشعة ألفانواة هيليوم، أي بروتونان ونيوترونان، موجبة الشحنةضعيفة، توقفها ورقة أو طبقة الجلد الخارجية
أشعة بيتاإلكترونات سريعة، أو بوزيترونات في بعض الحالاتمتوسطة، توقفها صفيحة معدنية رقيقة
أشعة غاماموجات كهرومغناطيسية عالية الطاقة لا شحنة لهاقوية، تحتاج إلى حواجز سميكة من الرصاص أو الخرسانة

مثال على تحلل ألفا، تحلل اليورانيوم:

23892U → 23490Th + 42He

ونلاحظ أن مجموع الأعداد الكتلية في الطرفين متساوٍ، وكذلك مجموع الأعداد الذرية، فهذا هو قانون حفظ العدد الكتلي والعدد الذري في التفاعلات النووية.

عمر النصف

عمر النصف هو الزمن اللازم لتحلل نصف عدد الأنوية المشعة الموجودة في العينة. وهو ثابت مميز لكل نظير مشع، يتراوح من أجزاء من الثانية إلى مليارات السنين. ومثال محلول:

عينة من نظير مشع كتلتها ثمانون جرامًا، وعمر النصف له عشرة أيام. ما الكتلة المتبقية بعد ثلاثين يومًا؟

الحل: ثلاثون يومًا تساوي ثلاثة أعمار نصف، وفي كل عمر نصف تقل الكتلة إلى النصف:

80 → 40 → 20 → 10

فالكتلة المتبقية عشرة جرامات.

رابعًا: الطاقة النووية

عند حساب كتلة النواة نجد أنها أقل من مجموع كتل مكوناتها منفردة، والفرق يسمى النقص الكتلي، وهو يتحول إلى طاقة الربط النووية التي تمسك النواة. وتكافئ الكتلة الطاقة وفق معادلة أينشتاين المشهورة:

E = mc2

حيث E الطاقة، وm الكتلة، وc سرعة الضوء. ولأن مربع سرعة الضوء كبير جدًا، فإن نقصانًا يسيرًا في الكتلة يعطي طاقة هائلة.

الانشطار النووي

هو انقسام نواة ثقيلة، كنواة اليورانيوم، إلى نواتين أخفّ بعد قصفها بنيوترون، مع انطلاق نيوترونات جديدة وطاقة كبيرة. وتصطدم النيوترونات الجديدة بأنوية أخرى فتنشطرها، فيحدث تفاعل متسلسل. فإن كان التفاعل غير مضبوط حدث انفجار كما في القنبلة، وإن كان مضبوطًا بواسطة قضبان تحكم تمتص النيوترونات الزائدة، كما في المفاعل النووي، أمكن استغلال الحرارة الناتجة في توليد البخار وتشغيل التوربينات لإنتاج الكهرباء.

الاندماج النووي

هو اتحاد نواتين خفيفتين لتكوين نواة أثقل، مع انطلاق طاقة كبيرة. وهو مصدر طاقة الشمس والنجوم، إذ تتحد فيها أنوية الهيدروجين لتكوّن الهيليوم. ويحتاج الاندماج إلى درجات حرارة عالية جدًا حتى تتغلب الأنوية على تنافرها الكهربائي، ولذلك لم يتحقق إنتاج الكهرباء منه تجاريًا بعد، وإن كانت الأبحاث فيه مستمرة.

وجه المقارنةالانشطارالاندماج
التفاعلانقسام نواة ثقيلةاتحاد نواتين خفيفتين
المثالاليورانيوم في المفاعلاتالهيدروجين في الشمس
الظروفيحدث عند قصف النواة بنيوترونيحتاج إلى حرارة وضغط عاليين جدًا
الاستخدام الحاليالمفاعلات النووية لتوليد الكهرباءما زال قيد البحث لتوليد الكهرباء

خامسًا: الاستخدامات السلمية

  • الطب: التصوير بالنظائر المشعة، والعلاج الإشعاعي لبعض الأورام، وتعقيم الأدوات الطبية.
  • الطاقة: توليد الكهرباء في المحطات النووية.
  • الصناعة: فحص اللحامات والأنابيب بأشعة غاما وقياس سماكة المواد.
  • الزراعة: تتبع حركة الأسمدة، وحفظ بعض الأغذية، ومكافحة بعض الآفات.
  • علم الآثار والجيولوجيا: تقدير أعمار المواد العضوية بالكربون المشع، وأعمار الصخور بنظائر أخرى.

سادسًا: المخاطر والوقاية

الإشعاعات المؤينة قد تضر الخلايا الحية وتسبب أمراضًا إذا زادت الجرعة عن الحد الآمن. ومن وسائل الوقاية: الابتعاد عن المصدر، وتقليل زمن التعرض، واستخدام الدروع الواقية كالرصاص والخرسانة، وتدريب العاملين وفق معايير الأمان. كما تحتاج المفاعلات إلى رقابة صارمة، وإدارة آمنة للنفايات المشعة. ومن هنا جاءت الجهات الدولية والمحلية المعنية بالرقابة والأمان النووي.

النتائج

  • الفيزياء النووية تدرس نواة الذرة وتحولاتها.
  • تتكون النواة من بروتونات ونيوترونات تربطها قوة نووية قوية.
  • النشاط الإشعاعي تحلل تلقائي للأنوية غير المستقرة، وأنواعه ألفا وبيتا وغاما.
  • الانشطار انقسام نواة ثقيلة، والاندماج اتحاد نواتين خفيفتين، وكلاهما يطلق طاقة هائلة.
  • للطاقة النووية استخدامات سلمية كثيرة، ولها مخاطر تتطلب الحذر والرقابة.

التوصيات

  • توجيه الأبحاث النووية إلى الأغراض السلمية التي تنفع الإنسانية.
  • الالتزام بمعايير الأمان والوقاية من الإشعاع.
  • تشجيع الطلاب على دراسة الفيزياء والتخصصات النووية.

الخاتمة

تعرّفنا في هذا البحث على الفيزياء النووية، من تركيب النواة إلى النشاط الإشعاعي وعمر النصف، ثم الانشطار والاندماج واستخداماتهما. ويتضح أن هذه الطاقة الهائلة نعمة إن استُخدمت في الخير، وخطر إن أسيء استعمالها. فعلى الإنسان أن يوجّه علمه لعمارة الأرض ونفع الناس، وأن يتذكر دومًا أن العلم أمانة. والحمد لله رب العالمين.

المراجع

  • كتب الفيزياء للمرحلة الثانوية، وزارة التعليم في المملكة العربية السعودية.
  • كتاب «الفيزياء الجامعية» لهيو يونغ وروجر فريدمان، فصول الفيزياء النووية.
  • كتاب «مبادئ الفيزياء» لريموند سيرواي، فصول الفيزياء النووية.
  • الوكالة الدولية للطاقة الذرية، المواد التعليمية العامة.
  • مدينة الملك عبدالله للطاقة الذرية والمتجددة في المملكة العربية السعودية.

كلمات دليلية

بحث، بحث عن، بحث علمي، بحوث، الفيزياء النووية