مقدمة البحث

الحمد لله الذي أنزل القرآن هدى للناس، وتكفّل بحفظه، والصلاة والسلام على نبينا محمد الذي بلّغ الرسالة وأدّى الأمانة. أما بعد، فإن من أعظم مظاهر حفظ الله لكتابه أن هيّأ له علماء أفنوا أعمارهم في تلقيه وضبطه وتعليمه، وكان من ثمرة ذلك علم القراءات، الذي يُعنى بوجوه قراءة القرآن الكريم كما نُقلت عن النبي ﷺ بالسند المتصل. وقد أمر الله تعالى بترتيل القرآن فقال:

﴿أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ [المزمل: 4]

وفي هذا البحث نتعرف على معنى القراءات، وأصل تعدد وجوه القراءة، وأشهر القراء العشرة ورواتهم، وشروط القراءة الصحيحة.

تعريف الموضوع

القراءات جمع قراءة، وهي في الاصطلاح علم بكيفية أداء كلمات القرآن واختلافها، معزوًّا لناقله بالرواية. فكل قراءة منسوبة إلى إمام من أئمة القراءة يُسمى القارئ، وكل قارئ له راويان مشهوران نقلا عنه قراءته، ويُسمى كل منهما راويًا. وقد تلقّى هؤلاء الأئمة القرآن عن شيوخهم بالسند المتصل إلى النبي ﷺ، فهي قراءات متواترة منقولة جيلًا عن جيل.

أهمية الموضوع

  • هو علم متعلق بكتاب الله تعالى، فشرفه من شرف موضوعه.
  • يبيّن عناية الأمة بحفظ القرآن ونقله بالسند الصحيح.
  • يُستفاد منه في فهم معاني الآيات لأن اختلاف القراءات قد يزيد المعنى وضوحًا وتنوعًا.
  • يعين على معرفة القراءة الصحيحة من الشاذة.
  • يعرّف الطالب بأعلام الأمة الذين خدموا القرآن.

أهداف البحث

  • التعرف على معنى القراءات والقراءة والرواية.
  • معرفة أصل تعدد القراءات في ضوء حديث الأحرف السبعة.
  • حفظ أسماء القراء العشرة ورواتهم المشهورين.
  • معرفة أركان القراءة الصحيحة وأشهر المؤلفات في هذا العلم.

أصل اختلاف القراءات

نزل القرآن على النبي ﷺ على أحرف متعددة تيسيرًا على الأمة، فقد اختلفت لهجات العرب وألسنتهم، فجاءت الرخصة. ومن ذلك ما رواه عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه سمع هشام بن حكيم يقرأ سورة الفرقان على غير ما أقرأه النبي ﷺ، فجاء به إلى النبي ﷺ يشكوه، فأمر النبي ﷺ هشامًا أن يقرأ ثم أمر عمر أن يقرأ، وأقرّ قراءة كل منهما وبيّن أنها منزلة، ثم قال ﷺ:

«إِنَّ الْقُرْآنَ أُنْزِلَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ فَاقْرَءُوا مِنْهُ مَا تَيَسَّرَ» (رواه البخاري)

وقد اختلف العلماء في المراد بالأحرف السبعة اختلافًا معروفًا في كتبهم، ولا يجوز الجزم بتفسير واحد لها، لكن المتفق عليه أن القراءات المتواترة كلها ثابتة عن النبي ﷺ، وأن عثمان رضي الله عنه جمع الأمة على المصحف الذي كُتب بإجماع الصحابة، وأرسل مصاحف إلى الأمصار، وصارت القراءات الصحيحة ما احتملها رسم هذه المصاحف.

أركان القراءة الصحيحة

الركنمعناه
صحة السندأن تُروى القراءة عن الثقات الضابطين متصلة إلى النبي ﷺ
موافقة رسم المصحفأن توافق ولو احتمالًا رسم أحد المصاحف العثمانية
موافقة العربيةأن توافق وجهًا من وجوه اللغة العربية ولو كان ضعيفًا

فإذا اختل ركن منها عُدّت القراءة شاذة لا يُقرأ بها في الصلاة ولا تُجعل قرآنًا. وقد ضبط هذه الأركان الإمام ابن الجزري رحمه الله في كتابه «النشر في القراءات العشر».

القراء العشرة ورواتهم

اشتهر عشرة من أئمة القراءة، جمعت قراءاتهم المتواترة، وهم السبعة الذين اختارهم ابن مجاهد في كتابه «السبعة في القراءات»، وثلاثة أُضيفوا إليهم. ولكل واحد منهم راويان مشهوران:

القارئبلدهراوياه
نافع المدنيالمدينة المنورةقالون وورش
ابن كثير المكيمكة المكرمةالبزي وقنبل
أبو عمرو البصريالبصرةالدوري والسوسي
ابن عامر الشاميدمشقهشام وابن ذكوان
عاصم بن أبي النجود الكوفيالكوفةشعبة وحفص
حمزة الزيات الكوفيالكوفةخلف وخلاد
الكسائي الكوفيالكوفةأبو الحارث والدوري
أبو جعفر المدنيالمدينة المنورةابن وردان وابن جماز
يعقوب الحضرميالبصرةرويس وروح
خلف العاشرالكوفة وبغدادإسحاق وإدريس

والقراء السبعة الأوائل في هذه القائمة هم من نافع إلى الكسائي، أما أبو جعفر ويعقوب وخلف فهم تتمة العشرة.

نبذة عن أشهر القراء

نافع المدني

إمام أهل المدينة في القراءة، قرأ على عدد من التابعين، وانتهت إليه الإمامة في القراءة بالمدينة. وتُنسب إليه قراءة تنتشر في المغرب العربي بروايتي قالون وورش.

عاصم بن أبي النجود

إمام الكوفة في القراءة، أخذ قراءته عن أبي عبدالرحمن السلمي وزر بن حبيش، وكلاهما أخذ عن الصحابة، ومنهم علي بن أبي طالب وعبدالله بن مسعود رضي الله عنهما. ورواية حفص عن عاصم هي أكثر القراءات انتشارًا اليوم، وعليها أغلب المصاحف المطبوعة في العالم الإسلامي، ومنها مصحف المدينة النبوية الذي يطبعه مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف.

أبو عمرو البصري

إمام أهل البصرة في القراءة والنحو واللغة، ومن أشهر رواته الدوري، وتنتشر روايته في السودان وبعض البلدان.

الكسائي

هو علي بن حمزة الكسائي، إمام الكوفة في القراءة والنحو، وقد عُرف بتعليم الخلفاء والأمراء، وهو آخر السبعة وفاة.

ابن كثير وابن عامر

الأول إمام أهل مكة في القراءة، والثاني إمام أهل الشام، وكانت قراءة كل منهما معتمدة في بلده زمنًا طويلًا.

أشهر المؤلفات في القراءات

  • «السبعة في القراءات» لابن مجاهد البغدادي، وهو أول من جمع القراءات السبع.
  • «التيسير في القراءات السبع» لأبي عمرو الداني، وهو من أصول كتب القراءة.
  • «حرز الأماني ووجه التهاني»، وتُعرف بالشاطبية، وهي منظومة للإمام القاسم الشاطبي في القراءات السبع، وعليها شروح كثيرة.
  • «النشر في القراءات العشر» و«طيبة النشر» لابن الجزري، وهما من أهم ما كُتب في القراءات العشر.

آداب حملة القرآن

  • الإخلاص لله تعالى في تعلم القرآن وتعليمه.
  • التلقي من الشيوخ المتقنين مشافهة، فالقراءات تُؤخذ بالتلقي لا بمجرد الكتب.
  • تحسين الصوت بالقرآن مع الخشوع والتدبر والعمل.
  • الحرص على الإجازة بالسند إلى النبي ﷺ لمن أتقن.
  • عدم المراء والتعصب بين القراءات، فكلها من عند الله.

الخاتمة

خلصنا في هذا البحث إلى أن علم القراءات من أشرف العلوم لتعلقه بكتاب الله، وأن القراءات المتواترة ثابتة بالسند المتصل إلى النبي ﷺ، وأن القراء العشرة وراويهم هم الأعلام الذين حملوا هذه القراءات إلى الأمة. وقد حفظ الله بهم كتابه، وكانت رواية حفص عن عاصم أكثر الروايات انتشارًا في زماننا. فعلينا أن نعتني بتلاوة القرآن وتعلمه وتدبره والعمل به، وأن نحترم علماءه ونقتدي بهم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

المراجع

  • القرآن الكريم، مصحف المدينة النبوية، مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف.
  • ابن الجزري، «النشر في القراءات العشر».
  • ابن مجاهد، «السبعة في القراءات».
  • أبو عمرو الداني، «التيسير في القراءات السبع».
  • الشاطبي، «حرز الأماني ووجه التهاني».
  • كتب علوم القرآن المعتمدة، ومنها «مناهل العرفان في علوم القرآن» للزرقاني.

كلمات دليلية

بحث، بحث عن، بحث علمي، بحوث، القراءات ومشاهير القراء