مقدمة البحث
الحمد لله الذي علّم بالقلم علّم الإنسان ما لم يعلم، والصلاة والسلام على نبينا محمد. أما بعد، فإن البحث العلمي يقوم على مناهج متعددة تختلف بحسب طبيعة المشكلة التي يدرسها الباحث، ومن أهمها المنهج التجريبي الذي يقيس أثر عامل معين في عامل آخر بصورة منضبطة. وقد حثّ القرآن الكريم على النظر والاستقصاء والتأمل، فقال تعالى:
﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ۚ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [العنكبوت: 20]
ويتناول هذا البحث المنهج التجريبي والمنهج شبه التجريبي من حيث مفهومهما وعناصرهما وتصاميمهما والفرق بينهما.
تعريف الموضوع
المنهج التجريبي هو المنهج الذي يتحكم فيه الباحث تحكمًا مقصودًا في عامل أو أكثر (المتغير المستقل) ليرى أثره في عامل آخر (المتغير التابع) مع ضبط العوامل الأخرى ما أمكن، وتوزيع أفراد الدراسة على المجموعات عشوائيًا. أما المنهج شبه التجريبي فيشبهه في معالجة متغير مستقل وقياس أثره على متغير تابع، لكنه لا يوزع المشاركين عشوائيًا، بل يستخدم مجموعات قائمة بالفعل كشعب دراسية أو فصول جاهزة، لأن العشوائية غالبًا غير ممكنة في الميدان التربوي.
أهمية الموضوع
تظهر أهمية هذين المنهجين في أنهما من أقوى الوسائل للإجابة عن أسئلة السببية: هل تؤدي طريقة التدريس الجديدة إلى رفع التحصيل؟ هل ينفع البرنامج التدريبي في تحسين المهارة؟ ولذلك تستخدمهما الرسائل العلمية في التربية وعلم النفس والعلوم الطبيعية والصحية.
أهداف البحث
- التعريف بالمنهج التجريبي والمنهج شبه التجريبي.
- بيان أنواع المتغيرات والفروض وكيفية صياغتها.
- التعرف على أهم التصاميم التجريبية وشبه التجريبية.
- التمييز بين المنهجين، وبيان خطوات تنفيذ التجربة.
- الإحاطة بمفهوم الصدق الداخلي والخارجي وبعض مهددات الصدق.
عناصر البحث
أولًا: المفاهيم الأساسية
| المفهوم | المعنى | مثال |
|---|---|---|
| المتغير المستقل | العامل الذي يعالجه الباحث ويدخله في التجربة | استخدام الحاسب التعليمي في التدريس |
| المتغير التابع | النتيجة التي يقيسها الباحث لمعرفة أثر المتغير المستقل | درجة التحصيل في الرياضيات |
| المتغيرات الدخيلة | عوامل أخرى قد تؤثر في النتيجة، ويحاول الباحث ضبطها | الذكاء، المستوى السابق، المعلم |
| المجموعة التجريبية | المجموعة التي تتلقى المعالجة | طلاب يدرسون بالطريقة الجديدة |
| المجموعة الضابطة | المجموعة التي لا تتلقى المعالجة أو تدرس بالطريقة المعتادة | طلاب يدرسون بالطريقة التقليدية |
ثانيًا: الفروض
الفرض إجابة مبدئية عن سؤال البحث يحاول الباحث التحقق منها. وتُصاغ الفروض في البحوث التجريبية عادة بشكل فرض صفري ينفي وجود فرق ذي دلالة إحصائية بين المجموعتين، وفرض بديل يثبت وجوده. فمثلًا: «لا يوجد فرق ذو دلالة إحصائية بين متوسطي درجات المجموعتين التجريبية والضابطة في الاختبار البعدي». ويجري اختبار الفروض بأساليب إحصائية كاختبار «ت» وتحليل التباين.
ثالثًا: التصاميم التجريبية
- تصميم المجموعتين المتكافئتين العشوائيتين مع اختبار بعدي: يُوزَّع الأفراد عشوائيًا إلى مجموعتين، تتلقى إحداهما المعالجة، ثم تُقاس النتيجة لدى المجموعتين.
- تصميم الاختبار القبلي والبعدي مع مجموعة ضابطة: تُقاس المجموعتان قبل التجربة وبعدها لمعرفة مقدار التغير.
- التصميم العاملي: يدرس أثر متغيرين مستقلين أو أكثر معًا وتفاعلهما.
رابعًا: التصاميم شبه التجريبية
- تصميم المجموعتين غير المتكافئتين: مجموعتان جاهزتان، تجريبية وضابطة، مع اختبار قبلي وبعدي، ويُضبط فرق البداية إحصائيًا.
- تصميم المجموعة الواحدة ذات الاختبار القبلي والبعدي: تُقاس مجموعة واحدة قبل المعالجة وبعدها، وهو أضعف التصاميم لعدم وجود مقارنة.
- تصميم السلاسل الزمنية: تُقاس مجموعة قياسات متكررة قبل المعالجة وبعدها لرؤية اتجاه التغير.
خامسًا: الفرق بين المنهجين
| وجه المقارنة | المنهج التجريبي | المنهج شبه التجريبي |
|---|---|---|
| التوزيع على المجموعات | عشوائي | غير عشوائي، باستخدام مجموعات قائمة |
| ضبط المتغيرات الدخيلة | عالٍ، لأن العشوائية توزعها بالتساوي | أقل، ويُعالج ذلك غالبًا بالضبط الإحصائي |
| البيئة | غالبًا معملية أو شديدة التنظيم | طبيعية، كالفصول الدراسية |
| القدرة على إثبات السببية | أقوى | أقل لكنها مقبولة علميًا |
| سهولة التطبيق | أصعب في الميدان التربوي | أسهل وأكثر ملاءمة للمدارس |
سادسًا: خطوات تنفيذ البحث
- تحديد المشكلة وصياغة أسئلة البحث وفروضه.
- مراجعة الدراسات السابقة وتحديد الإطار النظري.
- تحديد مجتمع الدراسة واختيار العينة.
- اختيار التصميم المناسب وتحديد المتغيرات.
- إعداد أدوات القياس كالاختبار التحصيلي والتحقق من صدقها وثباتها.
- التحقق من تكافؤ المجموعتين قبل التجربة.
- تطبيق المعالجة في مدة محددة مع ضبط الظروف.
- تطبيق الاختبار البعدي وتحليل البيانات إحصائيًا.
- عرض النتائج ومناقشتها وكتابة التوصيات.
سابعًا: الصدق الداخلي والخارجي
الصدق الداخلي هو أن يكون الفرق في النتيجة ناتجًا فعلًا عن المعالجة لا عن عامل آخر. ومن مهددات الصدق الداخلي: أثر التاريخ أي أحداث تقع أثناء التجربة، والنضج أي تغير الأفراد طبيعيًا مع الوقت، وأثر الاختبار القبلي، وتغير أداة القياس، وفقدان بعض أفراد العينة، وعدم تكافؤ المجموعات. أما الصدق الخارجي فهو قدرة الباحث على تعميم النتائج على مجتمع أوسع وظروف أخرى، ويتأثر بتمثيل العينة وبطبيعة بيئة التجربة.
ثامنًا: الأخلاقيات
يجب على الباحث التجريبي أن يحصل على موافقة المشاركين وأولياء أمورهم، وأن يحافظ على سرية البيانات، وألا يعرّضهم لضرر أو حرمان من تعليم لازم، وأن يمنح المجموعة الضابطة بعد التجربة فرصة الاستفادة من المعالجة النافعة إن ثبتت فعاليتها.
النتائج
- يقوم المنهج التجريبي على التحكم في المتغير المستقل والتوزيع العشوائي وقياس أثره في المتغير التابع.
- المنهج شبه التجريبي مناسب للميدان التربوي لأنه يستخدم مجموعات قائمة دون عشوائية.
- تتعدد التصاميم بحسب وجود المجموعة الضابطة والاختبار القبلي.
- الصدق الداخلي يحميه ضبط المتغيرات الدخيلة وتكافؤ المجموعات.
التوصيات
- اختيار التصميم الأنسب لطبيعة المشكلة وظروف الميدان.
- التحقق من تكافؤ المجموعتين قبل بدء المعالجة.
- التأكد من صدق أدوات القياس وثباتها قبل التطبيق.
- الالتزام بأخلاقيات البحث العلمي في التعامل مع المشاركين.
الخاتمة
يمثل المنهجان التجريبي وشبه التجريبي ركنين مهمين في البحث العلمي، فالأول يمنح أعلى درجات الضبط، والثاني يمنح مرونة أكبر في الميدان التربوي. ويبقى نجاح أي بحث مرهونًا بحسن اختيار التصميم، ودقة الأدوات، وأمانة الباحث في عرض النتائج وتفسيرها.
المراجع
- البحث العلمي: مفهومه وأدواته وأساليبه، ذوقان عبيدات وزملاؤه.
- مناهج البحث في التربية وعلم النفس، فان دالين.
- مناهج البحث العلمي، كتب منهجية جامعية في العلوم التربوية والاجتماعية.
- Research Methods in Education، كوهين وماينون ومورّيسون.