مقدمة البحث

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد. أما بعد، فإن ضوء الشمس الذي يصل إلينا عبر ملايين الكيلومترات من الفضاء الخالي، وإشارات الأقمار الصناعية التي تحمل البث والاتصالات والملاحة، كلها تنتقل بوساطة الموجات الكهرومغناطيسية. وهي من أعظم ما اكتشفه الإنسان في الفيزياء، وقد غيّرت حياتنا بالاتصالات والطب والفلك. قال الله تعالى:

﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ۚ ذَٰلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [يس: 38]

وفي هذا البحث نتعرف على طبيعة هذه الموجات وخصائصها وكيف تنتشر في الفضاء وفي الغلاف الجوي، وما أهم تطبيقاتها.

تعريف الموضوع

الموجة الكهرومغناطيسية موجة تتكون من مجال كهربائي ومجال مغناطيسي متغيرين، متعامدين كل منهما على الآخر وعلى اتجاه انتشار الموجة، يولّد كل منهما الآخر باستمرار، فتنتقل الموجة وتحمل الطاقة. وهي موجات مستعرضة لا تحتاج إلى وسط مادي، ولذلك تنتشر في الفراغ بين الشمس والأرض. وقد تنبأ بوجودها العالم الاسكتلندي جيمس كلارك ماكسويل بمعادلاته الشهيرة في القرن التاسع عشر الميلادي، ثم أثبت العالم الألماني هاينريش هيرتز وجودها بالتجربة.

أهمية الموضوع

تقوم عليها تقنيات حياتنا اليومية: الراديو والتلفاز والهاتف المحمول والإنترنت اللاسلكي والرادار ونظام تحديد المواقع والأفران الميكروية والتصوير الطبي بالأشعة السينية. كما أن علماء الفلك لا يعرفون عن النجوم والمجرات إلا ما تصلهم به هذه الموجات من معلومات. فدراسة انتشارها ضرورية لتصميم الاتصالات وفهم الكون وتقدير مخاطر التعرض لبعض أنواعها.

أهداف البحث

  • التعرف على طبيعة الموجات الكهرومغناطيسية وخصائصها.
  • معرفة أقسام الطيف الكهرومغناطيسي واستخداماتها.
  • فهم كيفية انتشار الموجات في الفضاء والغلاف الجوي.
  • حل مسائل تطبيقية على سرعة الموجات وطولها الموجي وزمن انتقالها.
  • التعرف على احتياطات السلامة من التعرض لبعض الإشعاعات.

عناصر البحث

أولًا: خصائص الموجات الكهرومغناطيسية

  • تنتقل في الفراغ بسرعة ثابتة هي سرعة الضوء، وقيمتها تقريبًا ثلاثمئة ألف كيلومتر في الثانية.
  • لا تحتاج إلى وسط مادي، وتنتقل أيضًا في الأوساط الشفافة بسرعة أقل.
  • موجات مستعرضة ينتج فيها المجالان الكهربائي والمغناطيسي متعامدين.
  • تحمل الطاقة والزخم دون أن تنقل المادة.
  • تسلك سلوك الموجات فتنعكس وتنكسر وتحيد وتتداخل.
  • تتفاوت في الطول الموجي والتردد، وهما مرتبطان بعلاقة عكسية.

والعلاقة بين السرعة والتردد والطول الموجي:

c = f × λ

حيث c سرعة الضوء في الفراغ وتساوي تقريبًا:

c ≈ 3 × 108 m/s

ثانيًا: الطيف الكهرومغناطيسي

يرتب الطيف الكهرومغناطيسي الموجات من أكبرها طولًا موجيًا وأقلها ترددًا إلى أصغرها طولًا وأعلاها ترددًا:

النوعأبرز استخداماته
موجات الراديوالبث الإذاعي والتلفزيوني والاتصالات اللاسلكية
الموجات الميكرويةالرادار والاتصال بالأقمار الصناعية والأفران الميكروية والهواتف
الأشعة تحت الحمراءأجهزة التحكم عن بعد والتصوير الحراري ورؤية الليل
الضوء المرئيالرؤية والتصوير والألياف البصرية
الأشعة فوق البنفسجيةالتعقيم وتكوّن فيتامين د في الجلد، ولكن زيادتها تضر
الأشعة السينيةالتصوير الطبي وفحص الحقائب في المطارات
أشعة غاماعلاج بعض الأورام ودراسة الفلك والتعقيم الصناعي

وكلها تنتقل بالسرعة نفسها في الفراغ، وإنما تختلف في الطول الموجي والتردد والطاقة والاستخدام. وكلما زاد التردد زادت طاقة الفوتون، ولذلك فإن الأشعة السينية وأشعة غاما مؤينة ضارة بالأنسجة، بينما موجات الراديو أقل طاقة بكثير.

ثالثًا: الانتشار في الفضاء الخارجي

في الفضاء الخالي بين الأجرام لا يوجد هواء ولا وسط يمتص الموجة، فتنتشر في خطوط مستقيمة وتنتشر طاقتها على مساحة كروية تتزايد، ولذلك تضعف الشدة كلما ابتعدنا عن المصدر. وتتناسب شدة الموجة عكسيًا مع مربع المسافة عن المصدر النقطي.

I = P / (4π r2)

حيث الرمز I للشدة، والرمز P لقدرة المصدر، والرمز r للمسافة. ولهذا السبب تصل الإشارات القادمة من المركبات الفضائية البعيدة ضعيفة جدًا وتحتاج إلى هوائيات ضخمة جدًا لاستقبالها. ومن الجدير بالذكر أن الضوء يستغرق زمنًا ليقطع المسافات الكبيرة، فيقال إن النظر إلى النجوم البعيدة هو نظر إلى الماضي.

رابعًا: الانتشار في الغلاف الجوي

عندما تدخل الموجات الغلاف الجوي للأرض تتأثر بما فيه من غازات وجسيمات، وتنتشر بثلاث طرق أساسية:

  • الموجات الأرضية: تنتشر قرب سطح الأرض متبعة تحدب الأرض، وتستخدمها الترددات المنخفضة في المسافات القصيرة والمتوسطة كبعض الإذاعات.
  • الموجات السماوية: الترددات العالية القصيرة ترتد من طبقة الأيونوسفير، وهي طبقة مشحونة في الغلاف الجوي العلوي، فتعود إلى الأرض وتصل إلى مسافات بعيدة جدًا خلف الأفق، وتستخدم في الاتصالات اللاسلكية البعيدة.
  • الموجات المباشرة: تنتشر في خط مستقيم بين المرسل والمستقبل، وتستخدمها الترددات العالية كبث التلفاز والاتصالات المحمولة والأقمار الصناعية، وتتطلب أن يكون الطريق بينهما مفتوحًا دون عوائق.

أما الأقمار الصناعية فترسل وتستقبل الإشارات بترددات عالية تخترق الأيونوسفير ولا ترتد عنه، وهي ما يجعل الاتصال ممكنًا بين نقطتين بعيدتين على الأرض عبر القمر.

خامسًا: عوامل تؤثر في الانتشار

  • الامتصاص: يمتص الغلاف الجوي بعض الأشعة، فالأوزون يمتص أغلب الأشعة فوق البنفسجية الضارة، وبخار الماء وثاني أكسيد الكربون يمتصان بعض الأشعة تحت الحمراء، ولا يمر إلى الأرض إلا ما يسمى النوافذ الجوية كالضوء المرئي وأغلب موجات الراديو.
  • الانعكاس والتشتت: بفعل جسيمات الهواء والغيوم والمباني والتضاريس.
  • الأحوال الجوية: كالمطر الغزير الذي يضعف إشارات الأقمار الصناعية العالية الترددات.
  • النشاط الشمسي: العواصف الشمسية قد تؤثر في الأيونوسفير وفي الاتصالات والأقمار الصناعية.

سادسًا: أمثلة محلولة

المثال الأول: محطة إذاعية FM تبث بتردد ١٠٠ ميغاهرتز. احسب الطول الموجي لموجتها علمًا بأن سرعة الموجة ٣ × ١٠٨ متر لكل ثانية.

λ = c / f = (3 × 108) / (100 × 106) = 3 m

المثال الثاني: يبعد القمر عن الأرض نحو ٣٨٤٠٠٠ كيلومتر. احسب الزمن الذي تستغرقه إشارة لاسلكية للانتقال إليه.

t = d / c = (3.84 × 108 m) / (3 × 108 m/s) = 1.28 s

أي نحو ثانية وربع الثانية، ولذلك يلاحظ تأخر في الحوار بين مركز التحكم ورواد الفضاء عند القمر.

المثال الثالث: تبعد الشمس عن الأرض نحو ١٥٠ مليون كيلومتر. احسب زمن وصول ضوئها إلى الأرض.

t = (1.5 × 1011 m) / (3 × 108 m/s) = 500 s

أي نحو ثماني دقائق وثلث دقيقة، فنحن نرى الشمس كما كانت قبل هذه المدة.

سابعًا: السلامة

لا تتساوى الموجات الكهرومغناطيسية في تأثيرها في الإنسان. فالأشعة فوق البنفسجية الزائدة تسبب حروق الجلد وتضر العين، فتنبغي الوقاية منها بالواقيات والنظارات. أما الأشعة السينية وأشعة غاما فتُستعمل بإشراف المختصين وبجرعات محسوبة ودروع واقية. وأما الأجهزة المنزلية ومحطات الاتصالات فتخضع لمعايير سلامة تضعها الجهات الصحية والتنظيمية، وعلى الإنسان أن يتبع تعليمات الشركات المصنعة، وألا ينشر معلومات غير مؤكدة تثير الخوف بلا دليل علمي.

النتائج

  • الموجات الكهرومغناطيسية مستعرضة لا تحتاج إلى وسط وتنتقل في الفراغ بسرعة الضوء.
  • تشمل الطيف الكهرومغناطيسي من موجات الراديو إلى أشعة غاما، وتختلف في الطول الموجي والتردد والطاقة.
  • تضعف شدة الموجة بالابتعاد عن المصدر، وتتناسب عكسيًا مع مربع المسافة.
  • تنتشر في الغلاف الجوي بالموجات الأرضية والسماوية والمباشرة بحسب التردد.
  • يتأثر الانتشار بالامتصاص والانعكاس والأحوال الجوية والنشاط الشمسي.

التوصيات

  • الاستفادة من المراصد والمحاكاة الحاسوبية لفهم الأطياف الفلكية.
  • الالتزام بإرشادات السلامة عند التعرض للأشعة فوق البنفسجية والأشعة الطبية.
  • التدرب على حل المسائل مع الانتباه إلى توحيد الوحدات قبل التعويض.
  • زيارة المراصد ومراكز العلوم للتعرف على تطبيقات هذه الموجات عمليًا.

الخاتمة

تناول هذا البحث الموجات الكهرومغناطيسية وخصائصها وطيفها وطرق انتشارها في الفضاء والغلاف الجوي، مع أمثلة محلولة وتطبيقات وإرشادات سلامة. وتبين أن هذه الموجات هي حبل التواصل بين أجزاء الكون وبين الناس على الأرض، وأن فهمها يقودنا إلى التأمل في دقة خلق الله وسعة علمه. والحمد لله رب العالمين.

المراجع

  • كتاب الفيزياء للمرحلة الثانوية، وزارة التعليم في المملكة العربية السعودية.
  • كتاب «أساسيات الفيزياء»، هاليداي ورزنيك ووكر، فصول الموجات الكهرومغناطيسية.
  • كتاب «الفيزياء الجامعية»، يونغ وفريدمان.
  • الموسوعة العربية العالمية، مادة الموجات الكهرومغناطيسية.
  • وكالة ناسا، المواد التعليمية عن الطيف الكهرومغناطيسي.

كلمات دليلية

بحث، بحث عن، بحث علمي، بحوث، انتشار الموجات الكهرومغناطيسية