مقدمة البحث
الحمد لله الذي جعل الأرض مهدًا وجعل الجبال أوتادًا، والصلاة والسلام على نبينا محمد. أما بعد، فإن كوكب الأرض الذي نعيش عليه ليس ساكنًا كما يبدو لنا، بل تتحرك قشرته ببطء شديد على مدى ملايين السنين. وقد قال الله تعالى مذكرًا بنعمة تهيئة الأرض:
﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا (٦) وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا (٧)﴾ [النبإ: 6–7]
وفي هذا البحث نتعرف على ظاهرة انجراف القارات، ونتتبع كيف ظهرت الفكرة، وما الأدلة العلمية عليها، وكيف تطورت إلى نظرية الصفائح التكتونية التي تفسر الزلازل والبراكين وتكوّن الجبال.
تعريف الموضوع
انجراف القارات هو الحركة البطيئة جدًا للقارات على سطح الأرض، بحيث تتباعد قارات أو تتقارب أو يتحرك بعضها بجانب بعض عبر ملايين السنين. وتقوم الفكرة على أن القارات المعروفة اليوم كانت في الماضي البعيد متصلة في كتلة يابسة واحدة ضخمة، ثم انقسمت وتباعدت أجزاؤها حتى بلغت أماكنها الحالية.
أهمية الموضوع
تساعدنا دراسة انجراف القارات على فهم كثير من الظواهر الطبيعية، كحدوث الزلازل والبراكين في مناطق دون غيرها، ونشأة سلاسل الجبال العالية، وتوزيع الصخور والأحافير والمعادن عبر القارات. كما تفسر تغيّر شكل اليابسة والبحار عبر العصور، وهي من أمثلة تطور العلم، إذ بدأت بفكرة قوبلت بالشك ثم أصبحت بعد جمع الأدلة ركنًا من علوم الأرض.
أهداف البحث
- التعرف على فكرة انجراف القارات ومن اقترحها.
- بيان الأدلة العلمية التي استند إليها العلماء.
- التعرف على نظرية الصفائح التكتونية وأنواع حدودها.
- فهم علاقة حركة الصفائح بالزلازل والبراكين والجبال.
- تقدير جهود العلماء في تطور المعرفة العلمية.
عناصر البحث
أولًا: نظرية فيجنر
اقترح العالم الألماني ألفرد فيجنر في عام ١٩١٢ ميلادية فكرة انجراف القارات، ثم نشرها في كتاب موسع. وقال إن القارات كلها كانت قبل نحو مئتين وخمسين مليون سنة متصلة في يابسة ضخمة واحدة أطلق عليها اسم بانجيا، وهي كلمة تعني «كل الأرض»، وكانت محاطة بمحيط واحد عظيم. ثم تشقّقت هذه القارة العظمى وتباعدت أجزاؤها ببطء حتى صارت القارات على الشكل الحالي. وقد لقيت نظريته معارضة في زمنه لأنه لم يستطع أن يفسر القوة التي تحرك القارات الضخمة.
ثانيًا: الأدلة على انجراف القارات
- تطابق السواحل: يلاحظ الناظر إلى خريطة العالم أن الساحل الشرقي لأمريكا الجنوبية يتطابق تقريبًا مع الساحل الغربي لإفريقيا، كقطعتين من أحجية يمكن ضم إحداهما إلى الأخرى.
- تشابه الأحافير: وُجدت أحافير لنباتات وحيوانات منقرضة متشابهة في قارات تفصل بينها محيطات واسعة، ولا يمكن أن تقطعها هذه الكائنات سباحة أو طيرانًا، ومن ذلك أحافير الزواحف القديمة والنباتات المعروفة في إفريقيا وأمريكا الجنوبية.
- تشابه الصخور والسلاسل الجبلية: تتشابه أنواع الصخور وأعمارها وتكوينات السلاسل الجبلية على جانبي المحيط الأطلسي، وكأن السلسلة واحدة قُطعت ثم باعدها البحر.
- الأدلة المناخية: وُجدت آثار جليد قديم في مناطق استوائية دافئة اليوم، ووُجدت رواسب فحم في مناطق قطبية باردة، مما يدل أن هذه القارات كانت في أماكن مختلفة من الأرض.
- الأدلة الحديثة: أثبتت أجهزة القياس الدقيقة بالأقمار الصناعية أن القارات تتحرك فعلًا بسرعة تقدر بعدة سنتيمترات في السنة، أي بسرعة تقارب سرعة نمو الأظافر.
ثالثًا: توسع قاع المحيط والصفائح التكتونية
بعد منتصف القرن العشرين، توصل العلماء بدراسة قيعان المحيطات إلى اكتشافات مهمة، منها وجود سلاسل جبلية طويلة تحت الماء تُسمى الظهور المحيطية، تخرج منها مواد منصهرة من باطن الأرض، فتبرد وتكوّن قاعًا بحريًا جديدًا يدفع القاع القديم إلى الجانبين، وهذا ما عُرف باسم توسع قاع المحيط. وهذا فسّر القوة التي تحرك القارات، فالقارات لا تشق طريقها وحدها في قاع المحيط بل تتحرك مع الصفائح التي تحملها.
وجاءت نظرية الصفائح التكتونية لتجمع هذه الأدلة، وهي تقول إن الغلاف الصخري للأرض، وهو القشرة وأعلى الستار، مقسّم إلى صفائح كبيرة وصغيرة تطفو فوق طبقة أكثر ليونة تُسمى الغلاف اللدن، وتتحرك ببطء بسبب تيارات الحمل الحراري في باطن الأرض، فتحمل معها القارات وقيعان المحيطات.
رابعًا: أنواع حدود الصفائح
| نوع الحد | حركة الصفائح | النتائج | مثال |
|---|---|---|---|
| حد متباعد | تبتعد صفيحتان إحداهما عن الأخرى | تكوّن قاع محيطي جديد وصدوع وبراكين | وسط المحيط الأطلسي، والبحر الأحمر الذي تتباعد عنده الصفيحة العربية عن الإفريقية |
| حد متقارب | تتصادم صفيحتان أو تنغرز إحداهما تحت الأخرى | جبال عالية وبراكين وزلازل وخنادق عميقة | جبال الهيمالايا نتيجة اصطدام الصفيحة الهندية بالأوراسية |
| حد تحويلي | تنزلق صفيحة بجانب أخرى أفقيًا | زلازل قوية وصدوع | صدع سان أندرياس في أمريكا الشمالية |
خامسًا: آثار حركة الصفائح
- الزلازل والبراكين: تتركز غالبًا قرب حدود الصفائح، ومن أشهرها «حزام النار» حول المحيط الهادئ.
- تكون الجبال: ينتج عن تصادم الصفائح ارتفاع سلاسل الجبال وتشكل الطيات.
- تغير البحار والمحيطات: فالمحيط الأطلسي يتسع ببطء، والبحر الأحمر يتسع كذلك، بينما ينكمش المحيط الهادئ تدريجيًا.
- توزيع الكائنات الحية والثروات: فانفصال القارات عزل مجموعات من الكائنات وأدى إلى تنوع الحياة في كل قارة، وساهمت حركة الأرض في تكوّن بعض الخامات والمعادن.
سادسًا: المملكة العربية السعودية وحركة الصفائح
تقع المملكة العربية السعودية على الصفيحة العربية، التي يحدها من الغرب البحر الأحمر الذي ينشأ عن تباعدها عن الصفيحة الإفريقية، ومن الشمال الشرقي منطقة الاصطدام بالصفيحة الأوراسية التي تكونت عندها جبال زاغروس في إيران. وتوجد في غرب المملكة حقول بركانية تسمى الحرّات، مرتبطة بهذه الحركة وبتصدّع القشرة.
النتائج
- القارات تتحرك ببطء شديد، وكانت في الماضي متصلة في يابسة عظمى واحدة تسمى بانجيا بحسب نظرية فيجنر.
- الأدلة على ذلك تطابق السواحل وتشابه الأحافير والصخور والمناخات القديمة، وقياسات الأقمار الصناعية.
- فسّرت نظرية الصفائح التكتونية سبب الحركة بتيارات الحمل الحراري وتوسع قاع المحيط.
- تتركز الزلازل والبراكين وسلاسل الجبال قرب حدود الصفائح.
التوصيات
- الاستفادة من دراسة حركة الصفائح في تقدير مخاطر الزلازل والبراكين والاستعداد لها.
- تشجيع الطلاب على دراسة علوم الأرض والجيولوجيا.
- الاستمرار في الرصد الجيولوجي بالأقمار الصناعية والأجهزة الحديثة.
- التأمل في عظمة الخالق ودقة نظام الأرض.
الخاتمة
تعرفنا في هذا البحث على انجراف القارات والأدلة العلمية عليه ونظرية الصفائح التكتونية وأنواع حدودها وآثارها. وتبين أن الأرض كوكب نشط يتغير بتقدير الله وحكمته، وأن العلم يتقدم بالملاحظة وجمع الأدلة. فلنحرص على طلب العلم والتفكر في خلق الله.
المراجع
- كتاب علم الأرض والفضاء للمرحلة الثانوية، وزارة التعليم في المملكة العربية السعودية.
- كتب الجيولوجيا العامة الجامعية، موضوع الصفائح التكتونية.
- هيئة المساحة الجيولوجية السعودية، المواد التعريفية عن جيولوجيا المملكة.
- كتاب أصل القارات والمحيطات، ألفرد فيجنر.