مقدمة البحث
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فإن الأسرة هي اللبنة الأولى في بناء المجتمع، وأعظم ما يقوم عليه بناؤها الإحسان إلى الوالدين، فهما سبب وجود الإنسان بعد الله تعالى، وقد قرن الله حقهما بحقه فقال:
﴿وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ۚ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾ [الإسراء: 23]
وفي هذا البحث نتعرف على بر الوالدين وفضله ومظاهره وعاقبة العقوق وثمراته في الدنيا والآخرة.
تعريف الموضوع
البر في اللغة الإحسان والطاعة والصلة والخير الواسع. وبر الوالدين في الاصطلاح الإحسان إليهما بالقول والفعل، وطاعتهما في غير معصية الله، وخدمتهما وتوقيرهما والإنفاق عليهما عند الحاجة، والدعاء لهما في حياتهما وبعد وفاتهما. وضده العقوق، وهو إيذاء الوالدين بالقول أو الفعل أو التقصير في حقوقهما.
أهمية الموضوع
تنبع أهمية الموضوع من عظم مكانة الوالدين في الإسلام، ومن أن البر خلق يتربى عليه الأبناء فيصيرون أبرارًا بأولادهم، فتستقر الأسرة ويتماسك المجتمع. ويزداد الموضوع أهمية في عصرنا حيث تشغل الأبناءَ الدراسةُ والعمل والأجهزة، فيحتاجون إلى تذكير بحق من أفنوا أعمارهم في تربيتهم.
أهداف البحث
- بيان معنى البر والعقوق ومكانة الوالدين في الإسلام.
- التعرف على الأدلة من القرآن والسنة على وجوب البر.
- معرفة مظاهر البر العملية في حياة الطالب.
- بيان خطورة العقوق وعقوبته.
- التعرف على ثمرات البر وكيفية برّ الوالدين بعد وفاتهما.
أولًا: فضل بر الوالدين في القرآن الكريم
جاء الأمر بالإحسان إلى الوالدين في مواضع كثيرة من القرآن، وقرنه الله بالأمر بعبادته وتوحيده. ومن ذلك قوله تعالى في سورة النساء:
﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ۖ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا﴾ [النساء: 36]
ومن أعظم الآيات في بيان التعامل مع الوالدين عند كبرهما قوله تعالى:
﴿وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ۚ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا (٢٣) وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا (٢٤)﴾ [الإسراء: 23–24]
وفي هذه الآيات توجيهات كثيرة: النهي عن أقل كلمة تضجر، والأمر بالقول الكريم، والتواضع لهما، والدعاء لهما بالرحمة. وبيّن الله تعالى فضل الأم وما تحملته من مشقة الحمل والرضاع فقال:
﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَىٰ وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ [لقمان: 14]
وقد أمر الله بصحبتهما بالمعروف حتى إن كانا على غير دين الابن ما لم يأمراه بمعصية، كما في سورة لقمان.
ثانيًا: فضل بر الوالدين في السنة النبوية
جاء رجل إلى النبي ﷺ فسأله عمن هو أحق الناس بحسن صحبته، فأجابه النبي ﷺ:
«أُمُّكَ» (رواه البخاري)
ثم سأله الرجل: ثم من؟ فأجابه النبي ﷺ بالجواب نفسه، أي الأم. ثم كرر الرجل السؤال فأجابه بالجواب نفسه، فلما سأل للمرة الثالثة: ثم من؟ قال:
«أَبُوكَ» (رواه البخاري)
وفي ذلك دليل على عظم حق الأم، لما تحملته من الحمل والولادة والرضاع والسهر. ومن الأحاديث العظيمة في فضل رضا الوالدين:
«رِضَا الرَّبِّ فِي رِضَا الْوَالِدِ» (رواه الترمذي)
ومعنى ذلك أن رضا الله مرتبط برضا الوالد عن ولده، وأن من أرضى والديه نال رضا ربه. وبيّن النبي ﷺ حال من فرّط في برّ والديه عند الكبر بقوله:
«مَنْ أَدْرَكَ أَبَوَيْهِ عِنْدَ الْكِبَرِ أَحَدَهُمَا أَوْ كِلَيْهِمَا فَلَمْ يَدْخُلِ الْجَنَّةَ» (رواه مسلم)
أي أن من أدرك والديه أو أحدهما عند كبرهما ولم يكن سببًا في دخوله الجنة بالبر والخدمة فقد خسر خسارة عظيمة.
ثالثًا: مظاهر بر الوالدين
| المجال | صور البر |
|---|---|
| القول | الكلام اللين، وحسن الاستماع، وعدم رفع الصوت عليهما، وعدم مناداتهما باسميهما المجردين، والشكر والدعاء |
| الفعل | خدمتهما، والقيام لهما، وتقديمهما في الطعام والمجلس، وتقبيل الرأس واليد، ومساعدتهما في أعمال البيت |
| المال | الإنفاق عليهما عند حاجتهما، وإهداؤهما، وعدم منّة ذلك عليهما |
| الطاعة | الاستجابة لأوامرهما ونصحهما في المعروف، واستئذانهما في الأمور المهمة |
| الدعاء | الدعاء لهما بالمغفرة والرحمة وطول العمر على الطاعة |
وليس البر مقصورًا على الكبار، فالطالب يبرّ والديه بالاجتهاد في دراسته، وحفظ أسرارهما، والتأدب في البيت، ومساعدة إخوته الصغار، والاعتذار إذا أخطأ، والبعد عن الأعمال التي تسيء إلى سمعة أسرته.
رابعًا: عقوق الوالدين
العقوق من كبائر الذنوب، وقد جاء النهي الشديد عنه في الكتاب والسنة، ومن صوره رفع الصوت على الوالدين، وإظهار الضجر والتأفف، وإهمال حاجاتهما، وهجرهما، وإيذاؤهما بالقول أو الفعل، أو تقديم الزوجة أو الأصدقاء عليهما في الحقوق الواجبة. وعاقبة العقوق سيئة في الدنيا، بما يلقاه العاق من ضيق وخذلان من أبنائه حين يكبر، وفي الآخرة بما ورد من الوعيد.
خامسًا: بر الوالدين بعد وفاتهما
لا ينقطع البر بموت الوالدين، بل يستمر بالدعاء لهما والاستغفار، وقضاء ديونهما، وتنفيذ وصيتهما الشرعية، وإكرام أصدقائهما وصلة الرحم التي لا توصل إلا بهما، والصدقة عنهما، وعمل الخير الذي يصل إليهما أجره، وكل ذلك من الإحسان الذي ينفعهما ويرفع درجتهما.
سادسًا: ثمرات بر الوالدين
- رضا الله تعالى ودخول الجنة بإذنه.
- البركة في العمر والرزق وسعة الصدر.
- استجابة الدعاء، فدعاء الوالدين لولدهما مرجو الإجابة.
- أن يرزق الله البار أبناءً بارّين به.
- سعادة الأسرة وقوة الروابط الاجتماعية وانتشار المحبة والتراحم.
الخاتمة
عرفنا في هذا البحث أن بر الوالدين من أعظم القربات وأوجب الواجبات، وأن الله قرنه بتوحيده، وأن النبي ﷺ جعل الأم أحق الناس بحسن الصحبة ثم الأب، وأن للبر مظاهر في القول والفعل والمال والدعاء، وأن العقوق إثم عظيم، وأن البر لا ينقطع بالموت. نسأل الله أن يرزقنا برّ والدينا في حياتهما، وأن يرحمهما إذا انتقلا إلى رحمته، وأن يجعلنا من البارين.
المراجع
- القرآن الكريم.
- صحيح البخاري، وصحيح مسلم، وسنن الترمذي.
- تفسير القرآن العظيم لابن كثير، وتفسير السعدي «تيسير الكريم الرحمن».
- كتاب «رياض الصالحين» للنووي، باب بر الوالدين.
- كتب التربية الإسلامية والتوحيد والفقه للمرحلتين المتوسطة والثانوية، وزارة التعليم.
كلمات دليلية
بحث، بحث عن، بحث علمي، بحوث، بر الوالدين