مقدمة البحث
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فإن الإسلام دين شامل ينظم حياة الناس في عبادتهم ومعاملاتهم، وقد أباح الله البيع والشراء وحرّم الربا والغرر والظلم، وبيّن من صور المعاملات ما يحقق مصالح الناس ويدفع عنهم الحرج. ومن هذه المعاملات المشروعة بيع السلم، وهو صورة من البيع تحقق الرفق بالبائع والمشتري معًا. وفي هذا البحث نعرض معناه ودليله وشروطه وحكمته.
تعريف الموضوع
السلم في اللغة السلف والتقديم، وفي الاصطلاح الفقهي هو عقد على موصوف في الذمة مؤجل بثمن مقبوض في مجلس العقد. ومعنى ذلك أن يدفع المشتري الثمن كاملًا وقت العقد، ويلتزم البائع بتسليم سلعة موصوفة وصفًا دقيقًا في وقت لاحق محدد. ويسمى المشتري «رب السلم» ويسمى الثمن «رأس مال السلم» ويسمى البائع «المسلَم إليه» ويسمى السلعة «المسلَم فيه». ومثاله أن يدفع تاجر مبلغًا لمزارع اليوم ثمنًا لكمية معلومة من التمر موصوفة الجنس والنوع، على أن يسلمها له عند موسم الحصاد.
أهمية الموضوع
تظهر أهمية بيع السلم في أنه يلبي حاجة المنتجين من مزارعين وصناع إلى المال قبل أن يتم إنتاجهم، فيستعينون به على الإنفاق على الزرع والعمل، وفي المقابل يحصل المشتري عادةً على سعر مناسب ويضمن توفر السلعة. وهو أيضًا مسألة تُدرس في الفقه الإسلامي ويُستفاد منها في الصيرفة الإسلامية المعاصرة.
أهداف البحث
- التعرف على معنى بيع السلم وأطرافه.
- بيان دليل مشروعيته من الكتاب والسنة.
- التعرف على شروط صحته.
- إدراك حكمة تشريعه والفرق بينه وبين البيع العادي.
- التعرف على تطبيقاته المعاصرة.
أولًا: مشروعية بيع السلم
أ) من القرآن الكريم
الأصل في البيع الإباحة، قال الله تعالى:
﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا ۗ وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا ۚ فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَىٰ فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ ۖ وَمَنْ عَادَ فَأُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: 275]
وقد فسّر عدد من علماء السلف، ومنهم الصحابي الجليل عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، آية الدين التي هي أطول آية في القرآن بأنها تشمل السلم، وقال سبحانه فيها:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَىٰ أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ ۚ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ ۚ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ ۚ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا ۚ فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ ۚ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ ۖ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَىٰ ۚ وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا ۚ وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَىٰ أَجَلِهِ ۚ ذَٰلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَىٰ أَلَّا تَرْتَابُوا ۖ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا ۗ وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ ۚ وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ ۚ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ ۗ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۖ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ ۗ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: 282]
ب) من السنة النبوية
جاء النبي ﷺ إلى المدينة فوجد أهلها يسلفون في الثمار السنة والسنتين والثلاث، فأقرّهم على ذلك وبيّن لهم ضوابطه، فقال ﷺ:
«مَنْ أَسْلَفَ فِي تَمْرٍ فَلْيُسْلِفْ فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ» (رواه مسلم)
وفي رواية البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه ﷺ قال:
«أَسْلِفُوا فِي الثِّمَارِ فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ» (رواه البخاري)
وقد أجمع العلماء على مشروعية السلم، لأن الحاجة تدعو إليه، وقد أقرّه النبي ﷺ ونظّمه.
ثانيًا: شروط صحة السلم
| الشرط | توضيحه |
|---|---|
| قبض الثمن في مجلس العقد | يدفع المشتري كامل الثمن قبل أن يفترق المتعاقدان، لأن السلم من التسليف وتقديم المال |
| معرفة جنس السلعة وصفتها | يُحدد نوع السلعة وجودتها وصفاتها التي تختلف بها الأثمان تحديدًا يمنع النزاع |
| معرفة قدرها | بالكيل أو الوزن أو العد أو الذرع بحسب ما تُقدّر به |
| تحديد الأجل | أن يكون وقت التسليم معلومًا بتاريخ أو موسم معروف لا يختلف فيه الناس |
| إمكان وجود السلعة عند حلول الأجل | أن يكون الغالب أنها موجودة وقت التسليم، فلا يجوز السلم في سلعة قد تنقطع عن الأسواق |
| تحديد مكان التسليم عند الحاجة | إذا كان للمكان أثر في التسليم، كالأشياء الثقيلة التي تحتاج إلى نقل |
ويُشترط كذلك أن يكون المسلَم فيه مما يمكن ضبط صفاته، كالحبوب والثمار والأقمشة والمعادن ونحوها. فإن كان مما يتعذر ضبط صفاته ضبطًا دقيقًا لم يصح فيه السلم.
ثالثًا: الحكمة من تشريع السلم
- تيسير على المنتجين: يحصل صاحب الزرع أو المصنع على المال في الوقت الذي يحتاجه.
- رفق بالمشتري: يحصل عادةً على سلعته بثمن أرخص من سعر السوق وقت التسليم.
- تحقيق التوازن بين الطرفين: يدفع أحدهما المال معجلًا، ويؤجل الآخر السلعة، فتتحقق مصلحة كل منهما.
- تنشيط الإنتاج والتجارة: يزيد القدرة على التمويل دون اللجوء إلى القروض الربوية.
رابعًا: الفرق بين السلم والبيع العادي
| وجه المقارنة | بيع السلم | البيع العادي |
|---|---|---|
| الثمن | مقبوض في مجلس العقد | يجوز تأجيله أو تعجيله |
| السلعة | موصوفة في الذمة وتُسلَّم لاحقًا | حاضرة معينة غالبًا وقت العقد |
| الأجل | شرط في العقد | ليس شرطًا |
| الأصل في جوازه | رخصة جاءت بها السنة لحاجة الناس | أصل مباح في الشريعة |
وقد يظن بعض الناس أن السلم من بيع ما ليس عند الإنسان، وقد جاء النهي عن ذلك في قول النبي ﷺ لحكيم بن حزام رضي الله عنه حين سأله:
«لاَ تَبِعْ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ» (رواه الترمذي)
والجواب أن النهي محمول على بيع سلعة معينة لا يملكها البائع ولا يقدر على تسليمها، أما السلم فهو بيع موصوف في الذمة، ومشروع بالنص الخاص الذي أقره النبي ﷺ، فلا تعارض بينهما.
خامسًا: السلم والقرض
السلم يختلف عن القرض، فالقرض إعارة مال يُردّ مثله، أما السلم فهو بيع سلعة مؤجلة بثمن معجل. ولا يجوز أن يتحول السلم إلى حيلة على الربا، كأن يجعل المتعاقدان السلعة غطاءً لقرض بزيادة، لأن العبرة بالحقائق والمقاصد لا بالألفاظ والصور.
سادسًا: أحكام مهمة بعد العقد
- يجب على المسلَم إليه أن يسلّم السلعة بالصفات المتفق عليها في الأجل المحدد.
- إذا جاء بسلعة أجود من الموصوفة وبغير شرط ولا زيادة في الثمن جاز قبولها، وللمشتري ألا يقبلها إذا شاء.
- إذا تعذّر وجود السلعة عند الأجل، كان للمشتري الصبر إلى أن توجد أو فسخ العقد واسترداد ثمنه.
- لا يجوز للمشتري أن يبيع السلعة المسلَم فيها قبل أن يقبضها، لحديث النهي عن بيع الطعام قبل قبضه.
سابعًا: التطبيقات المعاصرة
تستفيد المصارف والمؤسسات المالية الإسلامية من السلم في تمويل المزارعين والصناعيين والمقاولين الذين يحتاجون إلى مال معجل مقابل تسليم منتجاتهم لاحقًا. وقد يجري ما يسمى «السلم الموازي»، وهو عقد سلم ثانٍ مستقل عن الأول يبيع فيه المشتري سلعة موصوفة مماثلة لطرف آخر، بشرط ألا يكون العقدان مرتبطين، بحيث لا يتوقف أحدهما على الآخر. ويراعي هذا النوع من التمويل ضوابط الشريعة، ويخضع في الدول لإشراف الجهات الرقابية والهيئات الشرعية.
النتائج
- السلم بيع موصوف في الذمة مؤجل بثمن مقبوض في مجلس العقد.
- هو مشروع بالسنة النبوية الصحيحة وإجماع العلماء، ويدخل في عموم آية الدين.
- له شروط تضمن العلم بالسلعة وتمنع الغرر والنزاع.
- جاء رفقًا بالناس وتيسيرًا على المنتجين والمشترين.
- يمكن الاستفادة منه في التمويل الإسلامي المعاصر مع الالتزام بضوابطه.
التوصيات
- الحرص على دراسة أحكام المعاملات المالية قبل الدخول فيها.
- الرجوع إلى أهل العلم والهيئات الشرعية عند الحاجة إلى معرفة حكم معاملة جديدة.
- توثيق عقود السلم كتابةً امتثالًا لتوجيه القرآن وحفظًا للحقوق.
الخاتمة
تبين من هذا البحث أن بيع السلم من محاسن الشريعة الإسلامية التي راعت حاجات الناس ووفّقت بين مصلحة البائع والمشتري، وأن شروطه تحفظ الحقوق وتمنع الغرر والنزاع. فعلى المسلم أن يتعلم أحكام معاملاته ليكون كسبه حلالًا طيبًا، نسأل الله أن يرزقنا العلم النافع والرزق الحلال، والله أعلم.
المراجع
- القرآن الكريم، وصحيح البخاري، وصحيح مسلم، وجامع الترمذي.
- ابن قدامة، المغني.
- ابن رشد، بداية المجتهد ونهاية المقتصد.
- كتب الفقه للمرحلة الثانوية، وزارة التعليم في المملكة العربية السعودية.
- المعايير الشرعية الصادرة عن هيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية.