مقدمة البحث

الحمد لله الذي خلق فسوّى، وخلق من كل شيء زوجين، والصلاة والسلام على نبينا محمد. أما بعد، فإن عدد الكائنات الحية على الأرض هائل، من البكتيريا الدقيقة التي لا تُرى بالعين إلى الحوت الأزرق العملاق، ومن الطحالب البسيطة إلى الأشجار الشاهقة. ولو تُركت هذه الكائنات بلا نظام لعسرت دراستها، ولذلك ابتكر العلماء علمًا يرتبها في مجموعات بحسب تشابهها هو علم التصنيف. ولهذا العلم تاريخ طويل بدأ منذ القدم وتطور بتطور المعرفة والأدوات العلمية. وفي هذا البحث نستعرض هذا التاريخ وأهم محطاته.

وقد أشار القرآن الكريم إلى تنوع الكائنات الحية واختلاف ألوانها وأنواعها، فقال تعالى:

﴿وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَٰلِكَ ۗ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ﴾ [فاطر: 28]

تعريف الموضوع

التصنيف هو ترتيب الكائنات الحية في مجموعات متدرجة بحسب ما بينها من صفات مشتركة وعلاقات. ويشمل علم التصنيف ثلاثة أمور رئيسة: التسمية، أي إعطاء كل كائن اسمًا علميًا موحدًا، والتعريف، أي وصف صفاته، والترتيب في مجموعات من الأوسع إلى الأضيق. وتاريخ التصنيف هو تتبع تطور هذه الأفكار والطرق عبر العصور.

أهمية الموضوع

تظهر أهمية التصنيف في أنه يسهل دراسة الأعداد الكبيرة من الكائنات الحية، ويوحد لغة العلماء في العالم، ويبين العلاقات بين الكائنات ويساعد على التعرف على الكائنات المجهولة بمقارنتها بالمعروفة، ويفيد في حفظ الأنواع المهددة بالانقراض ومعرفة الأنواع النافعة والضارة. ودراسة تاريخه تبين لنا كيف يبني العلم بعضه على بعض، فيصحح اللاحق خطأ السابق ويضيف إليه.

أهداف البحث

  • التعرف على معنى التصنيف وأهميته.
  • تتبع تطور التصنيف من العصور القديمة إلى العصر الحديث.
  • التعرف على جهود أرسطو وعلماء المسلمين وراي ولينيوس.
  • فهم نظام التسمية الثنائية ومستويات التصنيف.
  • معرفة الممالك الحديثة للكائنات الحية.

أولًا: التصنيف في العصور القديمة

أقدم الجهود المنظمة في التصنيف تُنسب إلى الفيلسوف اليوناني أرسطو في القرن الرابع قبل الميلاد، فقد صنف الكائنات الحية إلى مملكتين هما النبات والحيوان، وقسم الحيوانات بحسب ما إذا كان لها دم أو لا، وبحسب مكان عيشها في الأرض أو الماء أو الهواء. وكان تلميذه ثيوفراستس الذي يُعدّ أبا علم النبات قد وصف مئات النباتات وصنفها إلى أشجار وشجيرات وأعشاب. وكان هذا التصنيف يعتمد على الشكل الظاهري ومكان المعيشة.

ثانيًا: جهود العلماء المسلمين

اهتم علماء المسلمين بدراسة النبات والحيوان وصنفوا فيها المؤلفات، ومنهم الجاحظ الذي ألّف كتاب «الحيوان» وجمع فيه ملاحظات واسعة عن طباع الحيوانات وبيئاتها، وأبو حنيفة الدينوري صاحب كتاب «النبات» الذي وصف فيه أنواعًا كثيرة من النباتات، والدميري صاحب «حياة الحيوان الكبرى». وقد اعتمدوا في دراساتهم على الملاحظة والوصف الدقيق، وحفظوا علوم من سبقهم ونقلوها وأضافوا إليها.

ثالثًا: التصنيف في العصر الحديث

جون راي

في القرن السابع عشر الميلادي ظهر العالم الإنجليزي جون راي، وهو أول من استخدم مفهوم «النوع» استخدامًا علميًا، وصنف النباتات والحيوانات بحسب تشابه تراكيبها، فوضع أساسًا مهمًا لمن بعده.

كارل لينيوس

في القرن الثامن عشر الميلادي وضع العالم السويدي كارل لينيوس الأسس العلمية للتصنيف الحديث، ويُلقب بأبي التصنيف. ومن أبرز إنجازاته:

  • وضع نظام التسمية الثنائية، فيكون لكل كائن اسم علمي مكوّن من كلمتين لاتينيتين: الأولى اسم الجنس والثانية اسم النوع، مثل الإنسان الذي اسمه العلمي «هومو سابينس».
  • رتّب الكائنات الحية في مستويات متدرجة من الأوسع إلى الأضيق.
  • ألّف كتابه المشهور «نظام الطبيعة» الذي أعاد النظر فيه في طبعات متعددة.

ما بعد لينيوس

بعد ظهور نظرية التطور واكتشاف المجهر وعلم الخلية، أصبح التصنيف يعتمد على القرابة والأصل المشترك وليس على الشكل فقط، ثم أدخلت الدراسات الحديثة مقارنة المادة الوراثية DNA والبروتينات بين الكائنات، فعدّلت كثيرًا من التصنيفات القديمة.

مستويات التصنيف

يرتب التصنيف الحديث الكائنات الحية في مستويات متدرجة من الأعلى إلى الأدنى هي: النطاق، ثم المملكة، ثم الشعبة، ثم الصف، ثم الرتبة، ثم العائلة، ثم الجنس، ثم النوع. وكلما نزلنا في المستويات زاد التشابه بين أفراد المجموعة.

المستوىالإنسانالقط المنزلي
المملكةالحيوانالحيوان
الشعبةالحبلياتالحبليات
الصفالثديياتالثدييات
الرتبةالرئيسياتاللواحم
الجنسهوموفيليس

مراحل تطور عدد الممالك

المرحلةالعددالممالك
تصنيف أرسطو ولينيوسمملكتانالنبات والحيوان
بعد اكتشاف الكائنات الدقيقةثلاث ممالكالنبات والحيوان والطلائعيات
تصنيف ويتاكر في القرن العشرينخمس ممالكالبكتيريا والطلائعيات والفطريات والنباتات والحيوانات
التصنيف الحديث بنطاقاتهثلاثة نطاقاتالبكتيريا والعتائق وحقيقيات النواة

وقد ظهر في القرن العشرين نظام النطاقات الثلاثة، فقسم الكائنات إلى نطاق البكتيريا ونطاق العتائق، وهما كائنات بدائية النواة، ونطاق حقيقيات النواة الذي يشمل الطلائعيات والفطريات والنباتات والحيوانات.

مثال عملي على التسمية الثنائية

الاسم العلمي يُكتب بحروف لاتينية مائلة، ويبدأ اسم الجنس بحرف كبير واسم النوع بحرف صغير. فالأسد مثلًا ينتمي إلى جنس «بانثيرا» ونوع «ليو». والتسمية الثنائية مفيدة لأن الأسماء الشائعة تختلف من لغة إلى لغة ومن بلد إلى بلد، بينما يبقى الاسم العلمي واحدًا يفهمه العلماء كلهم.

المفاتيح التصنيفية

من أدوات التصنيف المفيدة المفتاح التصنيفي، وهو سلسلة من الأسئلة ذات الجوابين، يختار الدارس الجواب المناسب لكل سؤال فيقوده ذلك خطوة بعد خطوة إلى اسم الكائن. فيسأل مثلًا: هل للكائن عمود فقري أم لا، ثم هل له ريش أم شعر أم حراشف، حتى ينتهي إلى المجموعة الصحيحة. وتُستخدم هذه المفاتيح في المختبرات المدرسية وفي المتاحف والمحميات الطبيعية، وهي تدرب الطالب على الملاحظة الدقيقة والاستدلال المنطقي.

الخاتمة

تبين لنا من هذا البحث أن التصنيف علم قديم بدأ بتقسيم أرسطو الكائنات الحية إلى نبات وحيوان، وأسهم فيه علماء المسلمين بالوصف والملاحظة، ثم وضع جون راي مفهوم النوع، وأرسى لينيوس نظام التسمية الثنائية والمستويات المتدرجة، ثم تطور عدد الممالك مع تقدم المعرفة حتى بلغ نظام النطاقات الثلاثة. وهذا يدل على أن العلم مسيرة متصلة يكمل بعضها بعضًا، ويدعونا إلى التأمل في تنوع الخلق وإلى المحافظة على الكائنات الحية وبيئاتها. والحمد لله رب العالمين.

المراجع

  • كتاب الأحياء للمرحلة الثانوية، وزارة التعليم في المملكة العربية السعودية.
  • كتاب الحيوان، للجاحظ.
  • حياة الحيوان الكبرى، للدميري.
  • نظام الطبيعة، لكارل لينيوس.
  • الموسوعة العربية العالمية.

كلمات دليلية

بحث، بحث عن، بحث علمي، بحوث، تاريخ التصنيف