مقدمة البحث
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد المعلّم الأول. أما بعد، فإن الطفل منذ ولادته يتعلم من كل ما حوله: يسمع فيردد، ويرى فيقلّد. وقد اهتم علماء النفس بمعرفة كيف يكتسب الأطفال سلوكياتهم، وهل يتعلمون بالتجربة المباشرة فقط أم بملاحظة الآخرين أيضًا. ومن أشهر التجارب في هذا المجال تجربة الدمية بوبو التي أجراها العالم ألبرت باندورا. وفي هذا البحث نعرض هذه التجربة ونتائجها وأثرها في التربية وعلم النفس.
تعريف الموضوع
تجربة الدمية بوبو هي سلسلة من التجارب النفسية أجراها عالم النفس الكندي الأمريكي ألبرت باندورا وزملاؤه في جامعة ستانفورد في ستينيات القرن العشرين، لدراسة أثر مشاهدة السلوك العدواني على سلوك الأطفال. وكانت الدمية المستعملة دمية كبيرة منفوخة بالهواء تعود إلى وضع الوقوف كلما ضُربت، ولذلك سُمّيت دمية بوبو.
أهمية الموضوع
تأتي أهمية هذه التجربة من أنها غيّرت النظرة إلى كيفية تعلم السلوك، وأثبتت أن الطفل لا يحتاج إلى أن يُكافأ أو يُعاقب ليتعلم، بل يكفيه أن يلاحظ نموذجًا أمامه. ولذلك أثّرت في مجالات التربية والإعلام وتربية الأبناء، وفتحت نقاشًا مهمًا حول أثر مشاهد العنف في وسائل الإعلام والألعاب على الصغار.
أهداف البحث
- التعريف بالعالم ألبرت باندورا وتجربته.
- عرض خطوات التجربة ونتائجها بدقة وحياد.
- شرح نظرية التعلم الاجتماعي التي انبثقت منها.
- ذكر الانتقادات الموجهة للتجربة.
- استخلاص دروس تربوية للأسرة والمدرسة.
محاور البحث
أولًا: نبذة عن ألبرت باندورا
ألبرت باندورا عالم نفس ولد في كندا وعمل أستاذًا في جامعة ستانفورد الأمريكية، واشتهر بنظرية التعلم الاجتماعي، ثم بمفهوم الكفاءة الذاتية أي اعتقاد الفرد بقدرته على النجاح في مهمة ما. ويُعدّ من أكثر علماء النفس تأثيرًا في القرن العشرين.
ثانيًا: خطوات التجربة
شارك في التجربة الأولى أطفال في سن ما قبل المدرسة تقريبًا، وقُسّموا إلى مجموعات، وجرت التجربة على مراحل:
- مرحلة التعرض للنموذج: دخل كل طفل غرفة فيها ألعاب ويجلس معه شخص بالغ. في مجموعة أولى ضرب البالغ دمية بوبو وأهانها لفظيًا وجسديًا. وفي مجموعة ثانية لعب البالغ بهدوء بألعاب أخرى وتجاهل الدمية. وكانت هناك مجموعة ضابطة لم تشاهد أي نموذج.
- مرحلة الإثارة: أُدخل الطفل إلى غرفة فيها ألعاب جذابة ثم قيل له بعد لحظات إنها محجوزة لأطفال آخرين، لإحداث قدر من الإحباط.
- مرحلة الاختبار: أُدخل الطفل إلى غرفة فيها ألعاب متنوعة منها دمية بوبو، وراقب الباحثون سلوكه من وراء زجاج لا يُرى من جهة الأطفال.
ثالثًا: نتائج التجربة
- الأطفال الذين شاهدوا النموذج العدواني قلّدوا ما رأوه، فضربوا الدمية بالطريقة نفسها تقريبًا، وكرروا بعض العبارات والحركات التي رأوها.
- الأطفال الذين شاهدوا النموذج الهادئ أو لم يشاهدوا أي نموذج كانوا أقل عدوانًا بوضوح.
- في بعض الصيغ ظهر أن الأولاد أظهروا عدوانًا جسديًا أكثر من البنات، وأن النموذج من الجنس نفسه كان أكثر تأثيرًا في بعض الحالات.
- في تجارب لاحقة عُرض على الأطفال النموذج في فيلم أو في صورة شخصية كرتونية، فتأثروا به كذلك، مما بيّن أن الوسائط المرئية قد تكون نموذجًا يُحتذى.
رابعًا: نظرية التعلم الاجتماعي
انطلاقًا من هذه التجارب قدّم باندورا نظرية ترى أن كثيرًا من التعلم يحدث بالملاحظة والتقليد، وسمّاها نظرية التعلم الاجتماعي، وقد تطورت لاحقًا إلى النظرية المعرفية الاجتماعية. وحدّد أربع عمليات يحتاجها التعلم بالملاحظة:
| العملية | معناها |
|---|---|
| الانتباه | أن ينتبه المتعلم إلى سلوك النموذج |
| الاحتفاظ | أن يتذكر ما شاهده |
| إعادة الإنتاج | أن يكون قادرًا على أداء السلوك |
| الدافعية | أن تكون لديه رغبة في تطبيقه |
كما أشار إلى التعزيز غير المباشر، أي أن الإنسان قد يقلّد سلوكًا إذا رأى غيره يُكافأ عليه، ويمتنع عن سلوك إذا رأى غيره يُعاقَب عليه.
خامسًا: الانتقادات الموجهة للتجربة
- أن دمية بوبو صُنعت لتُضرب، فالضرب عليها ليس عدوانًا حقيقيًا على إنسان.
- أن الموقف مصطنع في المختبر وقد لا يعبّر عن السلوك في الحياة الواقعية.
- أن الأطفال ربما ظنوا أن المطلوب منهم تقليد البالغ.
- الاعتراضات الأخلاقية، إذ تعرّض الأطفال لمشاهد عدوانية وأُثيروا ليصيبهم الإحباط، وهذا ما تضبطه اليوم قواعد أخلاقيات البحث العلمي بصرامة أكبر.
ومع هذه الانتقادات تبقى التجربة من أشهر التجارب في علم النفس، لأنها فتحت بابًا واسعًا للبحث في أثر النماذج.
سادسًا: دروس تربوية
- الأسرة والمعلمون نماذج يقلّدها الأطفال، فينبغي أن يكونوا قدوة حسنة قولًا وفعلًا.
- ينبغي مراقبة ما يشاهده الأطفال من أفلام وألعاب إلكترونية تتضمن العنف.
- يمكن الاستفادة من التعلم بالملاحظة في غرس السلوك الإيجابي كالصدق والتعاون واحترام الكبار.
- مدح السلوك الحسن أمام الآخرين يشجعهم على الاقتداء به.
وقد سبق الإسلام إلى تقرير أثر القدوة في التربية، ولذلك وُصف النبي ﷺ بأنه الأسوة الحسنة، قال تعالى:
﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: 21]
سابعًا: علاقة التجربة بالإعلام والألعاب الإلكترونية
أعادت هذه التجارب فتح السؤال عن أثر ما يراه الطفل على الشاشة، فإذا كان الطفل يتأثر بنموذج في فيلم قصير أو في صورة كرتونية، فقد يتأثر كذلك بما يشاهده يوميًا من مقاطع وألعاب. وليس معنى ذلك أن كل مشاهدة تنتج عنفًا، فالعوامل متعددة منها شخصية الطفل وبيئته الأسرية وتوجيه والديه، لكن الحرص على اختيار المحتوى المناسب وفتح حوار مع الطفل حول ما يراه يبقى من أنفع وسائل الوقاية.
النتائج والتوصيات
- بيّنت تجربة بوبو أن الأطفال يتعلمون العدوان وغيره بملاحظة النماذج وتقليدها.
- أسهمت التجربة في ظهور نظرية التعلم الاجتماعي التي تؤكد الانتباه والاحتفاظ والإنتاج والدافعية.
- لها حدود ومآخذ منهجية وأخلاقية يجب ذكرها عند عرضها.
- يوصى بأن تكون القدوة في الأسرة والمدرسة حسنة، وأن يُراقب محتوى الإعلام الذي يتعرض له الصغار.
الخاتمة
عرضنا في هذا البحث تجربة الدمية بوبو لألبرت باندورا، وبيّنا خطواتها ونتائجها ونظرية التعلم الاجتماعي التي تفرعت عنها، ثم أوردنا الانتقادات والدروس التربوية. وتؤكد التجربة قيمة القدوة في تنشئة الأجيال. نسأل الله أن يصلح أبناءنا وأن يعيننا على تربيتهم.
المراجع
- كتب علم النفس التربوي وعلم نفس النمو الجامعية، فصول نظريات التعلم.
- مقررات علم النفس للمرحلة الثانوية، وزارة التعليم في المملكة العربية السعودية.
- ألبرت باندورا، كتاب نظرية التعلم الاجتماعي.
- دراسات باندورا وزميليه روس عن انتقال العدوان بالنماذج، منشورة في مجلة علم النفس الشاذ والاجتماعي.