مقدمة البحث
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه. أما بعد، فإن علم النفس من العلوم التي تدرس سلوك الإنسان وتفكيره ومشاعره، ومن أشهر التجارب التي أجريت لفهم أثر التمييز العنصري في نفوس الأطفال تجربة دمية كلارك، وهي تجربة أجراها عالما نفس أمريكيان في أربعينيات القرن العشرين، وكان لها أثر كبير في النقاش العام وفي القضاء. وفي هذا البحث نعرض التجربة وخطواتها ونتائجها وأثرها وما وُجّه إليها من نقد.
تعريف الموضوع
تجربة دمية كلارك سلسلة من الاختبارات النفسية أجراها الزوجان كينيث كلارك ومامي كلارك، وهما عالما نفس أمريكيان من أصل أفريقي، على أطفال صغار بُغية معرفة كيف يدرك الأطفال العرق واللون، وكيف يؤثر التمييز العنصري في تقديرهم لذواتهم. واستعملا فيها دمى متشابهة في كل شيء ما عدا لون البشرة، فبعضها بلون بشرة فاتح وبعضها بلون بشرة داكن.
أهمية الموضوع
تكمن أهمية الموضوع في أنه يبيّن أثر المجتمع والإعلام والتفرقة بين الناس في نفسية الطفل مبكرًا، وكيف يمكن أن يتعلم الطفل أحكامًا مسبقة على نفسه وعلى غيره. كما أنه مثال تاريخي على استخدام البحث النفسي في قضايا العدالة والتعليم، ويفيد في فهم أهمية التربية على احترام الإنسان مهما كان لونه أو أصله.
أهداف البحث
- التعريف بالباحثين وخلفية التجربة.
- شرح خطوات التجربة وأسئلتها.
- عرض أهم نتائجها وتفسير الباحثين لها.
- بيان أثرها في القضاء والتعليم.
- ذكر الانتقادات التي وُجهت إليها والتجارب اللاحقة.
- استخلاص الدروس التربوية والإيمانية منها.
عناصر البحث
أولًا: خلفية التجربة
كانت الولايات المتحدة في ذلك الوقت تعيش في ظل نظام الفصل العنصري في كثير من ولاياتها، حيث تُفصل المدارس والمرافق العامة بين البيض والسود. وكان المدافعون عن هذا النظام يزعمون أنه لا يضر الأطفال. وقد درس كينيث ومامي كلارك علم النفس في جامعة هوارد، وبدأ بحثهما في أواخر ثلاثينيات القرن العشرين، ثم نشرا نتائجهما في أربعينيات القرن العشرين. وأسسا لاحقًا في مدينة نيويورك مركزًا للصحة النفسية وخدمة الأطفال في حي هارلم.
ثانيًا: خطوات التجربة
عُرضت على الأطفال، وكانت أعمارهم بين ثلاث سنوات وسبع سنوات تقريبًا، أربع دمى متماثلة في الشكل والملابس، اثنتان منها ببشرة فاتحة وشعر أصفر، واثنتان ببشرة داكنة وشعر أسود. ثم طُلب من كل طفل أن يشير إلى الدمية التي:
- يحب أن يلعب بها.
- هي الدمية الجميلة أو الطيبة.
- هي الدمية السيئة.
- تشبه الطفل نفسه في لونها.
وكان الباحثان يسجلان إجابات الطفل وردود فعله. وأجريت الاختبارات على أطفال في مدارس مختلطة وأخرى مفصولة في أكثر من ولاية.
ثالثًا: أهم النتائج
- أدرك الأطفال السود فروق اللون في سن مبكرة، وعرفوا إلى أي مجموعة ينتمون.
- اختار أغلب الأطفال السود الدمية الفاتحة بوصفها الدمية المفضلة والجميلة والطيبة، ونسبوا الصفات السيئة إلى الدمية الداكنة.
- أبدى بعض الأطفال انزعاجًا واضحًا عندما طُلب منهم أن يشيروا إلى الدمية التي تشبههم.
ورأى الباحثان أن هذه النتائج تدل على أن الفصل العنصري والتمييز يتركان أثرًا سلبيًا في صورة الطفل عن نفسه وفي ثقته بذاته، وأن الطفل يتشرب من مجتمعه نظرة دونية قبل أن يكون قادرًا على تقديرها أو مناقشتها.
رابعًا: أثر التجربة في القضاء والتعليم
استُخدمت أبحاث كلارك في عدد من القضايا المرفوعة ضد الفصل العنصري في المدارس، وأدلى كينيث كلارك بشهادته الخبيرة فيها. وفي عام ألف وتسعمئة وأربعة وخمسين أصدرت المحكمة العليا الأمريكية حكمها الشهير في قضية براون ضد مجلس التعليم، وقررت أن فصل الأطفال في المدارس العامة بسبب العرق يخالف مبدأ المساواة في الحماية القانونية، وأشارت في حكمها إلى دراسات نفسية من بينها دراسة كينيث كلارك. وقد صارت القضية نقطة تحول في تاريخ الحقوق المدنية في الولايات المتحدة.
خامسًا: الانتقادات الموجهة للتجربة
لم تسلم التجربة من النقد العلمي، ومن أبرز ما قيل فيها:
- أن عدد الأطفال في العينة محدود، وأن العينة لا تمثل كل الأطفال.
- أن تفضيل الدمية الفاتحة لا يعني بالضرورة كراهية الطفل لذاته أو انخفاض تقديره لنفسه.
- أن بعض النتائج جاءت مختلفة في المدارس المختلطة عنها في المدارس المفصولة، بما لا يتفق مع التفسير الذي ذهب إليه الباحثان أحيانًا.
- أن أسلوب الأسئلة قد يؤثر في إجابة الطفل الصغير.
ومع هذا النقد بقيت التجربة مرجعًا تاريخيًا مهمًا في علم النفس الاجتماعي، وسُجلت لها أهميتها في فتح النقاش حول أثر التمييز في الأطفال.
سادسًا: تجارب لاحقة
أُعيدت التجربة في أزمنة وأماكن مختلفة بصور متعددة، وتباينت نتائجها، فبعض الدراسات أظهرت تحسنًا في تقدير الأطفال لذواتهم مع تغير المجتمع، وبعضها أظهر استمرار أثر الصور النمطية والإعلام في نظرة الأطفال للألوان والأعراق. ولهذا يُنظر إليها اليوم بوصفها نقطة بداية للبحث لا حكمًا نهائيًا.
سابعًا: الدروس المستفادة
جاء الإسلام بتقرير المساواة بين الناس في أصل الخلق، وجعل الفضل بالتقوى لا باللون ولا بالنسب، قال الله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [الحجرات: 13]
ومن الدروس التي نستفيدها من هذه التجربة:
- أن الطفل يتأثر بما يسمعه ويراه في بيته ومدرسته والإعلام، فيجب أن نغرس فيه احترام الناس جميعًا.
- أن عبارات السخرية من اللون أو الشكل تؤذي النفس وتبني صورة سلبية عن الذات.
- أن التربية السليمة تبني الثقة بالنفس وتعلّم الطفل أن قيمته بأخلاقه وعمله.
- أن العدل والمساواة بين الناس من مقاصد الشريعة وأسس المجتمع الصالح.
النتائج
- أجرى كينيث ومامي كلارك تجربتهما في أربعينيات القرن العشرين باستعمال دمى متشابهة تختلف في لون البشرة.
- أظهرت التجربة أن كثيرًا من الأطفال السود اختاروا الدمية الفاتحة وربطوا بها الصفات الحسنة.
- فسّر الباحثان ذلك بأثر الفصل العنصري والتمييز في نفسية الطفل.
- استُخدمت الأبحاث في قضية براون ضد مجلس التعليم عام ألف وتسعمئة وأربعة وخمسين.
- وُجهت للتجربة انتقادات منهجية، لكنها ظلت مهمة تاريخيًا.
التوصيات
- تعزيز احترام التنوع بين البشر في المناهج والإعلام.
- تجنب عبارات التنمر والسخرية بالألوان والأشكال والأنساب.
- تعزيز ثقة الأطفال بذواتهم وبناء هويتهم على القيم والأخلاق.
- الاعتماد على الأبحاث العلمية الدقيقة في معالجة قضايا المجتمع.
الخاتمة
تبيّن لنا في هذا البحث أن تجربة دمية كلارك كانت محاولة علمية لفهم أثر التمييز في نفوس الأطفال، وأنها أسهمت في توجيه الأنظار إلى خطورة العنصرية على الإنسان منذ صغره، رغم ما وُجه إليها من نقد. وفي ديننا الحنيف ما يغرس المساواة والكرامة الإنسانية في القلوب، فعلينا أن نربي أبناءنا على احترام الناس جميعًا.
المراجع
- مقالات كينيث كلارك ومامي كلارك العلمية عن اتجاهات الأطفال نحو العرق وتقدير الذات في أربعينيات القرن العشرين.
- نص حكم المحكمة العليا الأمريكية في قضية براون ضد مجلس التعليم.
- كتب علم النفس الاجتماعي وعلم نفس الطفل الجامعية.
- الموسوعة البريطانية، مواد كينيث كلارك وبراون ضد مجلس التعليم.