مقدمة البحث
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه. أما بعد، فإن الشيخوخة مرحلة طبيعية من مراحل عمر الإنسان، وقد بيّن الله تعالى مراحل الخلق في كتابه:
﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا ۚ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّىٰ مِنْ قَبْلُ ۖ وَلِتَبْلُغُوا أَجَلًا مُسَمًّى وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [غافر: 67]
وكبار السن هم أصحاب الفضل والخبرة، ولهم علينا حق الرعاية والاحترام. ومن أهم صور الرعاية أن نهتم بغذائهم وصحتهم، لأن حاجات الجسم تتغير مع التقدم في العمر. وفي هذا البحث نتعرف على التغذية السليمة للمسنين وما يحتاجونه وما يجب أن يبتعدوا عنه.
تعريف الموضوع
المسنّ هو الإنسان الذي تقدّم به العمر، ويُعرَّف في الدراسات الصحية عادةً بأنه من تجاوز سن الستين أو الخامسة والستين. أما التغذية فهي العملية التي يحصل بها الجسم على الطعام والشراب ويستفيد منهما في النمو وتجديد الخلايا وإنتاج الطاقة. وتُسمّى تغذية الفئات الخاصة الاهتمام بغذاء من تختلف حاجاتهم الغذائية عن غيرهم، كالأطفال والحوامل والمرضعات والمسنين ومرضى بعض الأمراض المزمنة.
أهمية الموضوع
تظهر أهمية الاهتمام بتغذية المسنين في أن الغذاء المناسب يحفظ قوة العضلات والعظام، ويقوّي مناعة الجسم، ويقلل خطر الإصابة بالأمراض المزمنة كالسكري وارتفاع الضغط وهشاشة العظام، ويحسّن الحالة النفسية والقدرة على الحركة والاعتماد على النفس. وقد أمر الإسلام ببر الوالدين والإحسان إليهما في كبرهما، وقال النبي ﷺ:
«لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَرْحَمْ صَغِيرَنَا وَيُوَقِّرْ كَبِيرَنَا» (رواه الترمذي)
وتوقير الكبير يشمل أن نهتم بطعامه وصحته ودوائه ونجلس معه على المائدة.
أهداف البحث
- التعرف على التغيرات الجسمية التي تصاحب التقدم في العمر وأثرها في التغذية.
- بيان الاحتياجات الغذائية الأساسية للمسنين.
- معرفة المشكلات الغذائية الشائعة عند كبار السن وأسبابها.
- تقديم نصائح عملية لتغذية المسن في البيت.
- إبراز دور الأسرة والمجتمع في رعاية المسنين غذائيًا ونفسيًا.
عناصر البحث
أولًا: التغيرات الجسمية عند المسنين وعلاقتها بالغذاء
- انخفاض معدل الحرق: يقل نشاط الجسم وكتلة العضلات مع العمر، فتقل حاجة المسن إلى السعرات الحرارية، لكن حاجته إلى الفيتامينات والمعادن تبقى كبيرة. لذلك يحتاج إلى طعام غني بالعناصر المفيدة وقليل السعرات الفارغة كالحلويات والمقليات.
- ضعف حاسة التذوق والشم: يفقد كثير من المسنين الإحساس بنكهة الطعام، فيقل إقبالهم عليه أو يكثرون من الملح والسكر ليشعروا بالطعم.
- مشكلات الفم والأسنان: فقدان الأسنان أو ضعفها وجفاف الفم يجعلان المضغ والبلع صعبين، فيتجنب المسن الأطعمة الصلبة كاللحوم والخضار النيئة.
- بطء الجهاز الهضمي: يكثر الإمساك وضعف امتصاص بعض العناصر كفيتامين ب المعروف بالكوبالامين والكالسيوم.
- ضعف الإحساس بالعطش: قد لا يشعر المسن بحاجته إلى الماء فيتعرض للجفاف دون أن ينتبه.
ثانيًا: الاحتياجات الغذائية الأساسية للمسنين
| العنصر الغذائي | فائدته للمسن | من مصادره |
|---|---|---|
| البروتينات | تحافظ على كتلة العضلات وتساعد على التئام الجروح ومقاومة الأمراض | الأسماك والدجاج والبيض والبقوليات والحليب ومشتقاته |
| الكالسيوم وفيتامين د | يقويان العظام ويقللان خطر الكسور وهشاشة العظام | الحليب واللبن والجبن والسردين والتعرض المعتدل للشمس |
| الألياف | تقي من الإمساك وتساعد على ضبط السكر والكوليسترول | الخبز الأسمر والشوفان والخضار والفواكه والبقوليات |
| الكوبالامين (فيتامين ب) | يحافظ على الأعصاب وخلايا الدم | اللحوم والأسماك والبيض والحليب |
| الحديد | يمنع فقر الدم ويعطي الجسم نشاطه | الكبد واللحوم الحمراء والعدس والسبانخ مع عصير الليمون |
| الماء والسوائل | تحفظ الكلى والدورة الدموية وتمنع الإمساك | الماء والشاي الخفيف والشوربة والفواكه الغنية بالماء |
وينبغي أن يحتوي طعام المسن على الدهون الصحية كزيت الزيتون والمكسرات المطحونة أو المهروسة بدل الدهون المشبعة، وأن يقل فيه الملح لأن زيادته ترفع ضغط الدم.
ثالثًا: المشكلات الغذائية الشائعة عند المسنين
- سوء التغذية: ينتج عن قلة الشهية أو الوحدة أو الفقر أو المرض، ويظهر في نقص الوزن والضعف والتعب.
- السمنة: تحدث مع قلة الحركة وكثرة الأكل، وتزيد آلام المفاصل وخطر السكري والقلب.
- الجفاف: نتيجة قلة شرب الماء أو استعمال بعض الأدوية المدرّة للبول.
- الإمساك: بسبب قلة الألياف والسوائل وقلة الحركة.
- تداخل الدواء مع الغذاء: بعض الأدوية تؤثر في الشهية أو تمنع امتصاص عناصر معينة، ولذلك يسأل المسن طبيبه أو الصيدلي عن الأطعمة التي يتجنبها مع دوائه.
رابعًا: نصائح عملية لتغذية المسن
- تقديم وجبات صغيرة متعددة خلال اليوم بدل وجبتين كبيرتين، مع وجبات خفيفة صحية بينها.
- تنويع الطعام من المجموعات الغذائية كلها، وتلوين الصحن بالخضار والفواكه ليكون مشهيًا.
- تقطيع الطعام إلى قطع صغيرة أو طهيه جيدًا حتى يلين، وتقديم الشوربات والمهروسات لمن يعاني من صعوبة المضغ أو البلع.
- تحسين نكهة الطعام بالأعشاب والليمون والثوم والبهارات الخفيفة بدل الإكثار من الملح.
- تذكير المسن بشرب الماء على فترات منتظمة ولو لم يشعر بالعطش، إلا إذا منعه الطبيب لمرض معين.
- تقليل السكريات والمقليات والمعجنات الدسمة والمشروبات الغازية.
- تشجيعه على المشي الخفيف أو الحركة المناسبة لحالته لتحسين شهيته وحفظ عضلاته.
- مراجعة الطبيب أو أخصائي التغذية بانتظام ووزن المسن من وقت لآخر لملاحظة أي نقص أو زيادة غير طبيعية.
ومن الجميل أن يعتدل المسلم في طعامه كما أمر الله تعالى:
﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأعراف: 31]
وهذا الأدب يناسب جميع الأعمار، وهو للمسن أنفع لأن جسمه أقل تحمّلًا للإفراط.
خامسًا: دور الأسرة والمجتمع
لا يكفي أن نقدّم للمسن طعامًا صحيًا، بل يحتاج إلى من يجلس معه ويؤنسه، فالوحدة من أهم أسباب قلة الشهية عند كبار السن. فعلى الأسرة أن تجعل وقت الطعام فرصة للحديث والمودة، وأن تراعي ذوق المسن وعاداته وأكلاته المحببة ما دامت لا تضر صحته. ويمكن أن يقوم الأبناء بتحضير الوجبات المناسبة وتنظيم مواعيد الدواء، وتتولى الجمعيات الخيرية وبرامج الرعاية المنزلية ودور الرعاية مساعدة من لا أسرة له. وفي المملكة العربية السعودية جهات حكومية وخيرية تعنى بالمسنين وتقدم لهم الرعاية الصحية والاجتماعية.
النتائج
- تتغير حاجات الجسم الغذائية مع التقدم في العمر، فتقل السعرات المطلوبة وتبقى الحاجة كبيرة إلى البروتين والكالسيوم والفيتامينات والماء.
- ضعف التذوق ومشكلات الأسنان والوحدة من أهم أسباب سوء التغذية عند المسنين.
- الوجبات الصغيرة المتنوعة والطعام السهل المضغ وشرب السوائل بانتظام من أنجح وسائل تغذية المسن.
- للأسرة دور كبير في صحة المسن الغذائية والنفسية معًا.
التوصيات
- إجراء فحوص دورية للمسنين تشمل الوزن وتحليل الدم وصحة الفم والأسنان.
- نشر الوعي بين أفراد الأسرة بأسس تغذية كبار السن.
- توفير برامج وجبات صحية للمسنين الذين يعيشون وحدهم.
- الإكثار من الأنشطة الاجتماعية للمسنين لتحسين حالتهم النفسية وشهيتهم.
الخاتمة
تعرّفنا في هذا البحث على معنى المسن والتغذية، وعلى التغيرات التي تطرأ على الجسم في الكِبَر، وأهم العناصر الغذائية التي يحتاجها المسن، والمشكلات التي تواجهه ونصائح تغذيته. ويتضح أن الغذاء الصحي مع الرعاية والمودة يجعل مرحلة الشيخوخة مرحلة صحة وطمأنينة. فلنحسن إلى آبائنا وأجدادنا ومن تقدم بهم العمر، فهذا من وفاء الجميل وبرّ الوالدين.
المراجع
- كتب التغذية العلاجية وتغذية الإنسان في الجامعات السعودية.
- منظمة الصحة العالمية، المواد التثقيفية عن الشيخوخة الصحية والتغذية.
- وزارة الصحة في المملكة العربية السعودية، الأدلة التوعوية للتغذية الصحية.
- وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية، مواد رعاية كبار السن.