مقدمة البحث

الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجًا، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه. أما بعد، فإن القرآن الكريم هو كلام الله تعالى وهدايته للبشر، وقد أمرنا بتدبره والتأمل في معانيه، فقال سبحانه:

﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [ص: 29]

وفي هذا البحث نقف مع سورة عظيمة من سور القرآن الكريم هي سورة المائدة، ونتعرف على موضوعاتها ومقاصدها، ونتأمل في آيات مختارة منها مستعينين بما ذكره المفسرون المعتمدون كابن كثير والسعدي والطبري رحمهم الله.

تعريف الموضوع

سورة المائدة هي السورة الخامسة في ترتيب المصحف الشريف، وهي سورة مدنية، أي نزلت بعد هجرة النبي ﷺ إلى المدينة المنورة، وعدد آياتها مائة وعشرون آية. وهي من آخر السور نزولًا، ولذلك اشتملت على أحكام استقرت بها الشريعة وكمل بها البناء. وتقع في الجزء السادس وبداية السابع من القرآن الكريم، وتأتي بعد سورة النساء وقبل سورة الأنعام.

وتفسير القرآن هو بيان معاني آياته وما تدل عليه من هدايات وأحكام، ويكون بالقرآن نفسه، ثم بالسنة النبوية، ثم بأقوال الصحابة والتابعين، ثم بما تدل عليه اللغة العربية، وهذا هو منهج المفسرين من أهل السنة.

سبب تسمية السورة

سُمّيت سورة المائدة بهذا الاسم لورود قصة المائدة فيها، وهي قصة طلب الحواريين من عيسى عليه السلام أن يدعو ربه أن ينزل عليهم مائدة من السماء. وتُعرف السورة كذلك بـ«سورة العقود» لأنها افتُتحت بالأمر بالوفاء بالعقود. وقد جاء ذكر المائدة في قوله تعالى:

﴿إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ ۖ قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١١٢) قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ (١١٣) قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِنْكَ ۖ وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (١١٤)﴾ [المائدة: 112–114]

قال المفسرون إن المائدة نزلت على عيسى عليه السلام تصديقًا لدعوته وزيادة في إقامة الحجة على قومه، وحُذّر من يكفر بعد نزولها بعذاب شديد، وهذا من سنن الله في الأمم أن من جاءته الآية الواضحة ثم كذّب كان عقابه أشد.

أهمية الموضوع

تظهر أهمية دراسة سورة المائدة في أمور منها:

  • أنها من السور التي بيّنت أحكامًا كثيرة تتعلق بالحلال والحرام والعقود والعبادات والمعاملات والحدود.
  • أنها تضمنت إعلان إكمال الدين وإتمام النعمة على هذه الأمة.
  • أنها ربّت المسلمين على العدل مع الأعداء قبل الأصدقاء، وعلى الوفاء بالعهود.
  • أنها ناقشت أهل الكتاب بالحجة وبيّنت حقيقة التوحيد والرسالات السابقة.

أهداف البحث

  • التعريف بسورة المائدة من حيث نزولها وعدد آياتها وسبب تسميتها.
  • بيان أبرز مقاصد السورة وموضوعاتها.
  • التأمل في آيات مختارة وبيان معانيها من كتب التفسير المعتمدة.
  • استخراج الفوائد والدروس العملية من السورة.

مقاصد السورة وموضوعاتها

تدور السورة حول عدة محاور رئيسة، يمكن إجمالها في الجدول الآتي:

المحورما جاء فيه
الوفاء بالعقودافتتحت السورة بالأمر بالوفاء بالعقود والعهود، وهي أساس المعاملات بين الناس وبين العبد وربه
الحلال والحرامبيان ما أُحل من الطيبات من الطعام، وما حُرّم كالميتة والدم ولحم الخنزير، وحكم صيد البر في الإحرام
العباداتالوضوء والغسل والتيمم، وبعض أحكام الحج والإحرام
العدل والشهادةالأمر بالقيام لله بالقسط والعدل مع من نحب ومن نكره
الحدود والجناياتتحريم القتل، وقصة ابني آدم، وحد السرقة وحد الحرابة
أهل الكتابمناقشة اليهود والنصارى، وبيان انحراف من انحرف منهم، ودعوتهم إلى الحق
تحريم الخمر والميسربيان أن الخمر والميسر رجس من عمل الشيطان
الأيمان والكفاراتكفارة اليمين وأحكام الوصية عند الموت

وقفات مع آيات مختارة

الوقفة الأولى: الوفاء بالعقود

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ۚ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ ۗ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ﴾ [المائدة: 1]

افتتح الله تعالى السورة بنداء أهل الإيمان وأمرهم بالوفاء بالعقود. قال ابن كثير رحمه الله إن المراد بالعقود العهود، وقال السعدي رحمه الله إنها تشمل العقود التي بين العبد وربه من القيام بالعبادات، والتي بين العبد والخلق كعقود البيع والنكاح والأمانات. فالسورة تبدأ بأصل عظيم هو احترام الكلمة والعهد، فالمسلم صادق في وعده وأمين في عقده.

الوقفة الثانية: التعاون على البر

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا ۚ وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا ۚ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا ۘ وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ ۖ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۖ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [المائدة: 2]

هذه الآية قاعدة جامعة في التعاون. قال ابن كثير رحمه الله إن الله أمر عباده المؤمنين بالمعاونة على فعل الخيرات وهو البر، وترك المنكرات وهو التقوى، ونهاهم عن التناصر على الباطل والتعاون على المآثم والمحارم. وقال السعدي رحمه الله إن كل خير يُعمل فإنه يدخل في البر، وإن التعاون عليه من الأعمال الصالحة. ومن تطبيقات هذه الآية في حياتنا: التعاون في أعمال التطوع، وإصلاح ذات البين، وإغاثة المحتاجين، ومنع الغش والظلم.

الوقفة الثالثة: إكمال الدين

﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ۚ ذَٰلِكُمْ فِسْقٌ ۗ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ ۚ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا ۚ فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ ۙ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: 3]

في هذه الآية الكريمة بيان لبعض المحرمات من المطعومات، ثم إعلان عظيم هو إكمال الدين وإتمام النعمة ورضا الله بالإسلام دينًا. وقد ورد في الصحيحين أنها نزلت يوم عرفة في حجة الوداع، وأن رجلًا من اليهود قال لعمر بن الخطاب رضي الله عنه إنها آية لو نزلت علينا لاتخذنا ذلك اليوم عيدًا، فبيّن عمر أنها نزلت يوم عرفة يوم جمعة. قال ابن كثير رحمه الله إن هذه أكبر نعم الله على هذه الأمة حيث أكمل لهم دينهم فلا يحتاجون إلى دين غيره ولا إلى نبي غير نبيهم صلى الله عليه وسلم.

الوقفة الرابعة: العدل

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ ۖ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [المائدة: 8]

تأمر الآية بالقيام لله بالعدل والشهادة بالحق، وتنهى أن يحمل بغض قوم المسلمَ على ترك العدل معهم. قال السعدي رحمه الله إن الله أمر بالعدل في القول والفعل حتى مع الأعداء، وإن العدل أقرب للتقوى. وهذه من أعظم القيم التي يحتاجها المجتمع، فلا يحابي القاضي قريبه، ولا يظلم أحدٌ خصمه، ولا يشهد الشاهد إلا بما علم.

الوقفة الخامسة: حرمة النفس

﴿مِنْ أَجْلِ ذَٰلِكَ كَتَبْنَا عَلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا ۚ وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَٰلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ﴾ [المائدة: 32]

جاءت هذه الآية بعد قصة ابني آدم حين قتل أحدهما أخاه حسدًا وظلمًا. وفيها بيان لعظم حرمة الدم، وأن قتل نفس واحدة بغير حق كأنه قتل للناس جميعًا، وأن إحياءها بإنقاذها من هلاك كإحياء الناس جميعًا. قال المفسرون إن هذا تعظيم لشأن الدماء وتحذير من الاعتداء، وتشجيع على كل ما يحفظ الأرواح من الإنقاذ والإسعاف والعلاج.

الفوائد والدروس المستفادة

  • الوفاء بالعهود والعقود من صفات المؤمنين، وهو أساس الثقة في المجتمع.
  • الدين الإسلامي كامل لا نقص فيه ولا حاجة إلى زيادة عليه.
  • العدل واجب مع القريب والبعيد والصديق والعدو.
  • التعاون على الخير يرفع المجتمع، والتعاون على الإثم يهدمه.
  • حفظ النفس والمال والعرض من مقاصد الشريعة الكبرى.
  • الله تعالى يضرب الأمثال بالأمم السابقة ليعتبر بها الناس.

الخاتمة

عشنا في هذا البحث مع سورة المائدة، وهي سورة مدنية من أواخر ما نزل، عدد آياتها مائة وعشرون، سُميت بقصة المائدة، وتضمنت أحكامًا كثيرة وقيمًا عظيمة كالوفاء بالعقود والعدل والتعاون على البر وحفظ النفوس. وقد رأينا كيف أعلنت السورة إكمال الدين وإتمام النعمة. نسأل الله أن يرزقنا تدبر كتابه والعمل بما فيه، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

المراجع

  • القرآن الكريم.
  • تفسير القرآن العظيم، ابن كثير.
  • تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، عبدالرحمن بن ناصر السعدي.
  • جامع البيان عن تأويل آي القرآن، الطبري.
  • صحيح البخاري وصحيح مسلم.

كلمات دليلية

بحث، بحث عن، بحث علمي، بحوث، تفسير سورة المائدة