مقدمة البحث
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فإن مصر من أقدم بلدان العالم حضارةً، وقد مرّت عليها دول وأسر حاكمة كثيرة تركت آثارها في أرضها وشعبها. ومن هذه الدول دولة البطالمة التي حكمت مصر بعد وفاة الإسكندر الأكبر نحو ثلاثة قرون، واتخذت من مدينة الإسكندرية عاصمة لها، وجعلتها مركزًا عالميًا للعلم والتجارة. وفي هذا البحث نتعرف على نشأتها وحكامها وإنجازاتها ونهايتها.
تعريف الموضوع
دولة البطالمة، وتسمى أيضًا الأسرة البطلمية، أسرة يونانية مقدونية حكمت مصر منذ سنة ٣٠٥ قبل الميلاد تقريبًا حتى سنة ٣٠ قبل الميلاد. وسُميت بهذا الاسم نسبة إلى مؤسسها بطليموس الأول، وهو أحد قادة الإسكندر الأكبر. وقد حمل أغلب ملوكها اسم بطليموس، وتميّز حكمهم بأنه جمع بين التقاليد المصرية القديمة والثقافة اليونانية.
أهمية الموضوع
تظهر أهمية دراسة هذه الدولة في أنها حلقة مهمة بين مصر القديمة ومصر الرومانية ثم الإسلامية، وأنها مثّلت مرحلة امتزجت فيها حضارتان كبيرتان هما المصرية واليونانية. كما أن الإسكندرية في عهدها صارت من أعظم مدن العالم القديم، وخرجت منها علوم وأفكار أثّرت في الحضارات اللاحقة. ويساعد فهمها على قراءة آثار مصر ونقوشها قراءة صحيحة.
أهداف البحث
- التعريف بدولة البطالمة وزمن قيامها.
- معرفة كيفية تأسيسها وأبرز حكامها.
- التعرف على نظامها الإداري والاقتصادي.
- بيان دور الإسكندرية والمكتبة في ازدهار العلم.
- معرفة أسباب نهايتها على يد الرومان.
عناصر البحث
أولًا: نشأة الدولة
بعد وفاة الإسكندر الأكبر سنة ٣٢٣ قبل الميلاد تنازع قادته على إمبراطوريته الواسعة، فانقسمت إلى عدة ممالك. وكان بطليموس بن لاغوس أحد هؤلاء القادة، فاستولى على مصر وحكمها واليًا، ثم أعلن نفسه ملكًا سنة ٣٠٥ قبل الميلاد تقريبًا وعرف بلقب بطليموس الأول سوتر أي المنقذ. وحصّن حدود مصر وأسّس نظام حكم قويًا، فأورثه لأولاده من بعده.
ثانيًا: أبرز حكام الدولة
| الحاكم | أبرز ما يرتبط به |
|---|---|
| بطليموس الأول | مؤسس الدولة، وجعل الإسكندرية عاصمة، وبدأ تأسيس المتحف والمكتبة |
| بطليموس الثاني | ازدهرت في عهده الإسكندرية ورعاية العلماء، ويُنسب إليه إتمام منارة الإسكندرية |
| بطليموس الثالث | اتسع نفوذ الدولة في عهده، وكانت الحركة العلمية قوية |
| بطليموس الخامس | يرتبط عهده بحجر رشيد |
| كليوباترا السابعة | آخر حكام الأسرة، وانتهت دولتها في عهدها |
ثالثًا: الإدارة والاقتصاد
اعتمد البطالمة نظامًا إداريًا مركزيًا، فقسموا مصر إلى أقاليم كبيرة يديرها موظفون يتبعون الملك، وكانت الطبقة العليا من الإغريق وهم الذين يشغلون المناصب الكبرى، بينما استمر المصريون في العمل بالزراعة والحرف. وكانت مصر غنية بمحصول القمح الذي يُصدَّر إلى بلدان البحر المتوسط، واستغلت الدولة الضرائب والاحتكارات على بعض السلع، مثل الزيوت والمنسوجات. وازدهرت التجارة عبر الموانئ، وفُتحت طرق إلى البحر الأحمر وبلدان الجنوب.
رابعًا: الإسكندرية ومكتبتها
أسّس الإسكندر الأكبر مدينة الإسكندرية سنة ٣٣١ قبل الميلاد تقريبًا، لكن البطالمة جعلوها عاصمتهم وبنوا فيها القصور والمعابد والمرفأ الكبير، ومن أشهر معالمها منارة الإسكندرية التي عُدّت من عجائب الدنيا السبع في العالم القديم. وأنشأوا المتحف أي دار العلم، والمكتبة الكبرى التي جمعت أعدادًا ضخمة من اللفائف والكتب من أنحاء العالم المعروف. وقصد المدينة علماء وفلاسفة، ومنهم إقليدس صاحب كتاب العناصر في الهندسة، وإراتوستينس الذي حاول قياس محيط الأرض، كما عمل فيها علماء في الفلك والطب والجغرافيا والأدب.
خامسًا: الدين والعمارة
حرص البطالمة على كسب ولاء المصريين، فاحترموا ديانتهم وبنوا المعابد على الطراز المصري القديم وزخرفوها بالنقوش الهيروغليفية. ومن أشهر معابد تلك الفترة معبد إدفو ومعبد دندرة ومعبد فيلة. وحمل الملوك ألقابًا مصرية وصُوِّروا على الجدران في هيئة الفراعنة، وهكذا امتزجت الثقافتان.
سادسًا: المجتمع واللغة
كان المجتمع في عهد البطالمة متعدد الأعراق، فيه الإغريق والمصريون واليهود وغيرهم. وكانت اللغة اليونانية لغة الإدارة والدواوين، بينما بقيت المصرية القديمة لغة الدين والحياة اليومية عند كثير من الناس، ثم ظهرت الكتابة الديموطيقية. وعاش كثير من الإغريق في الإسكندرية وبعض المدن الكبرى، أما أغلب المصريين فبقوا في القرى. وتزاوج الناس واختلطت العادات تدريجيًا، لكن بقي التمايز الاجتماعي ظاهرًا في المناصب والامتيازات.
سابعًا: حجر رشيد
عُثر على حجر رشيد سنة ١٧٩٩م قرب مدينة رشيد، وهو مرسوم صدر سنة ١٩٦ قبل الميلاد في عهد بطليموس الخامس ومكتوب بثلاث كتابات هي الهيروغليفية والديموطيقية واليونانية. وبفضل مقارنة النص اليوناني بالنصين المصريين استطاع العالم الفرنسي شامبليون أن يفك رموز اللغة الهيروغليفية سنة ١٨٢٢م، فانفتح بذلك باب فهم تاريخ مصر القديمة. ويُحفظ الحجر الآن في المتحف البريطاني.
ثامنًا: ضعف الدولة ونهايتها
ضعفت الدولة في أواخر عهدها بسبب الصراعات على العرش داخل الأسرة، وثورات المصريين، وارتفاع الضرائب، وقوة الرومان المتزايدة في البحر المتوسط. وحاولت الملكة كليوباترا السابعة الحفاظ على استقلال مصر بالتحالف مع القادة الرومان، لكن هُزم أسطولها وأسطول حليفها أنطونيوس في معركة أكتيوم سنة ٣١ قبل الميلاد أمام أوكتافيان. وبعد ذلك بعام دخل الرومان مصر وانتهى حكم البطالمة وأصبحت مصر ولاية رومانية.
ولم يكن البطالمة متشابهين في سياستهم، فبعضهم اهتم بالعلم والعمران وبعضهم انشغل بالصراعات والترف. وقد شاركوا كذلك في حروب مع الدولة السلوقية في سوريا حول السيطرة على بلاد الشام، وبسطوا نفوذهم أحيانًا على قبرص وأجزاء من ساحل آسيا الصغرى وبرقة، فكانت مصر قوة بحرية وتجارية مهمة في شرق المتوسط.
النتائج
- أسس دولة البطالمة بطليموس الأول بعد وفاة الإسكندر الأكبر وحكمت مصر نحو ثلاثة قرون.
- جعلت الإسكندرية عاصمة ومركزًا للعلم والتجارة.
- امتزجت في عهدها الثقافتان المصرية واليونانية.
- انتهت بدخول الرومان مصر بعد هزيمة كليوباترا.
الخاتمة
تعرّفنا في هذا البحث على دولة البطالمة من حيث نشأتها وحكامها ونظامها وإنجازاتها العلمية والعمرانية ونهايتها. ويتضح لنا أن الحضارات تتأثر ببعضها وتتبادل العلوم، وأن العلم والتنظيم الإداري عنصران مهمان لقوة الدول، وأن الاستقرار الداخلي ضرورة لبقائها.
المراجع
- كتب تاريخ مصر القديم وتاريخ الحضارة اليونانية والهلنستية في الجامعات العربية.
- الموسوعة البريطانية، مواد: الأسرة البطلمية، الإسكندرية، حجر رشيد.
- المتحف المصري والمتحف البريطاني، المواد التعريفية عن حجر رشيد وآثار العصر البطلمي.