مقدمة البحث

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فإن الزمن نعمة عظيمة من نعم الله، وقد جعل الله تعالى في السماء الشمس والقمر آيتين نعرف بهما الأيام والشهور والسنين. وعند انقضاء عام هجري ودخول عام جديد يتجدد في نفوس المسلمين التفكير في مرور الأيام وفي حدث الهجرة النبوية العظيم. وفي هذا البحث نتعرف على رأس السنة الهجرية وقصة التقويم الهجري وما نستفيده منه.

تعريف الموضوع

رأس السنة الهجرية هو اليوم الأول من شهر المحرم، وهو أول أشهر التقويم الهجري. والتقويم الهجري تقويم قمري يعتمد على دوران القمر حول الأرض، ويُنسب إلى هجرة النبي ﷺ من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة، إذ جُعلت الهجرة بداية لتاريخ المسلمين. ويتكون العام الهجري من اثني عشر شهرًا، وعدد أيامه يقارب ٣٥٤ يومًا، أي أقصر من العام الميلادي الشمسي بنحو أحد عشر يومًا.

أهمية الموضوع

تظهر أهمية الموضوع في أن كثيرًا من العبادات مرتبط بالأشهر الهجرية، كالصيام في رمضان والحج في ذي الحجة وحساب الزكاة بحلول الحول. كما أن معرفة التقويم الهجري تربط الأجيال بتاريخهم وهويتهم، وتذكّر بحدث الهجرة وما فيه من دروس في التضحية والتخطيط والتوكل على الله. ومناسبة انتهاء عام وبدء عام فرصة للمراجعة ومحاسبة النفس.

أهداف البحث

  • التعرف على معنى رأس السنة الهجرية والتقويم الهجري.
  • معرفة قصة اعتماد التقويم الهجري في عهد الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
  • التعرف على الأشهر الهجرية والأشهر الحرم.
  • استخلاص دروس الهجرة النبوية.
  • بيان معنى محاسبة النفس عند نهاية العام.
  • بيان الموقف الصحيح من هذه المناسبة وفق الهدي الشرعي.

عناصر البحث

أولًا: الزمن والأشهر في القرآن الكريم

بيّن الله تعالى أن عدد الشهور عنده اثنا عشر شهرًا منذ خلق السماوات والأرض، منها أربعة أشهر حرم، فقال سبحانه:

﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ۚ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ ۚ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ ۚ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً ۚ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ [التوبة: 36]

وبيّن سبحانه أن القمر وسيلة نعرف بها الشهور، فقال في كتابه:

﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ ۖ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ ۗ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَٰكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَىٰ ۗ وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [البقرة: 189]

ثانيًا: كيف نشأ التقويم الهجري؟

لم يكن للمسلمين تقويم موحد في أول الإسلام، وكانوا يؤرخون بالأحداث المشهورة. فلما اتسعت الدولة الإسلامية في خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه احتاج الناس إلى تاريخ موحد تُكتب به الرسائل والمعاملات، فاستشار الصحابة رضوان الله عليهم في الأمر. وتذكر كتب التاريخ أن الصحابة اتفقوا على أن يكون التاريخ من هجرة النبي ﷺ لأنها فرّقت بين الحق والباطل وأقامت دولة الإسلام في المدينة، واختاروا أن تكون بداية السنة من شهر المحرم، لأنه الشهر الذي يعود فيه الناس من الحج وتكون الأمور قد استقرت، وهو بعد الأشهر التي جرى فيها قرار الهجرة. ويرجّح أكثر المؤرخين أن ذلك كان في السنة السابعة عشرة من الهجرة، وقيل في التي قبلها.

وليس معنى ذلك أن الهجرة وقعت في المحرم، فقد وصل النبي ﷺ إلى قباء ثم إلى المدينة في شهر ربيع الأول، وإنما اعتُبر أول العام القمري الذي وقعت فيه الهجرة بداية للتاريخ.

ثالثًا: الأشهر الهجرية

الترتيبالشهرملاحظة
الأولالمحرممن الأشهر الحرم، وفيه يوم عاشوراء
الثانيصفر‎
الثالثربيع الأولفيه كانت الهجرة إلى المدينة
الرابعربيع الآخر‎
الخامسجمادى الأولى‎
السادسجمادى الآخرة‎
السابعرجبمن الأشهر الحرم
الثامنشعبان‎
التاسعرمضانشهر الصيام
العاشرشوالفيه عيد الفطر
الحادي عشرذو القعدةمن الأشهر الحرم
الثاني عشرذو الحجةشهر الحج وعيد الأضحى، ومن الأشهر الحرم

فالأشهر الحرم هي ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب. ويبدأ الشهر القمري برؤية الهلال، ولذلك يكون الشهر تسعة وعشرين يومًا أو ثلاثين.

رابعًا: الفرق بين التقويمين الهجري والميلادي

  • الأساس: الهجري قمري يعتمد على الهلال، والميلادي شمسي يعتمد على دوران الأرض حول الشمس.
  • الطول: السنة الهجرية نحو ٣٥٤ يومًا، والميلادية نحو ٣٦٥ يومًا وربع.
  • الأثر: لأن الفرق نحو أحد عشر يومًا في السنة، تتنقل المناسبات الهجرية بين فصول السنة المختلفة، فيأتي رمضان في الشتاء مرة وفي الصيف مرة أخرى.
  • الاستخدام في المملكة: تعتمد المملكة العربية السعودية التقويم الهجري في معاملاتها الرسمية، ويستخدم تقويم أم القرى في الأغراض الإدارية والرسمية.

خامسًا: دروس من الهجرة النبوية

  • الإخلاص: الهجرة عمل عظيم، ولا يقبل الله عملًا إلا بنية صادقة له.
  • التضحية: ترك المهاجرون ديارهم وأموالهم طلبًا لرضا الله.
  • الأخذ بالأسباب مع التوكل: خطط النبي ﷺ لهجرته تخطيطًا دقيقًا، واختار الرفيق والدليل، مع كمال توكله على الله.
  • الأخوّة: آخى النبي ﷺ بين المهاجرين والأنصار، وأثنى الله على الأنصار بإيثارهم.
  • بناء المجتمع: بدأ النبي ﷺ ببناء المسجد في المدينة، وبه قام مجتمع الإيمان.

وقد جاء في الصحيح بيان أن العبرة في الهجرة وفي كل عمل بالنية، فقال النبي ﷺ:

«إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» (رواه البخاري)

وقال ﷺ يوم فتح مكة:

«لاَ هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ» (رواه البخاري)

أي أن الهجرة من مكة إلى المدينة انقطعت بعد فتح مكة لأنها صارت بلد إسلام، وبقي الجهاد وبقيت النية الصالحة. وأما ثناء الله على المهاجرين فقد ذكره في كتابه:

﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ [التوبة: 20]

سادسًا: محاسبة النفس مع نهاية العام

مرور الأعوام يعني أن عمر الإنسان يقصر، ولذلك ينبغي له أن يراجع نفسه: ماذا قدّم؟ وما الذي قصّر فيه؟ قال الله تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الحشر: 18]

وبيّن النبي ﷺ أن العبد سيُسأل عن عمره وعلمه وماله وجسمه، فقال:

«لاَ تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ عُمْرِهِ فِيمَا أَفْنَاهُ وَعَنْ عِلْمِهِ فِيمَا فَعَلَ وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفِيمَا أَنْفَقَهُ وَعَنْ جِسْمِهِ فِيمَا أَبْلاَهُ» (رواه الترمذي)

ومن وسائل المحاسبة أن يضع الطالب لنفسه جدولًا يسأل فيه: هل حافظت على صلاتي؟ وهل تعلمت علمًا نافعًا؟ وهل بررت والديّ؟ وهل أحسنت إلى زملائي؟ ثم يضع أهدافًا واضحة للعام الجديد.

سابعًا: الموقف الشرعي من هذه المناسبة

لم يثبت في القرآن الكريم ولا في السنة النبوية الصحيحة ولا عن الصحابة رضي الله عنهم تخصيص رأس السنة الهجرية بعيد أو احتفال أو عبادة معينة أو صيغة محددة للتهنئة. والأولى بالمسلم أن يلتزم بالمشروع، وأن يجعل هذه المناسبة دافعًا للتأمل في مرور الزمن وتجديد التوبة والعزم على العمل الصالح. ومما ثبت في شهر المحرم فضل الصيام فيه، فقال النبي ﷺ:

«أَفْضَلُ الصِّيَامِ بَعْدَ رَمَضَانَ شَهْرُ اللَّهِ الْمُحَرَّمُ وَأَفْضَلُ الصَّلاَةِ بَعْدَ الْفَرِيضَةِ صَلاَةُ اللَّيْلِ» (رواه مسلم)

وأما إحياء التاريخ الهجري فيكون باستعماله في المعاملات وتعريف الأبناء بأشهره وأحداثه وسير أعلامه.

النتائج

  • رأس السنة الهجرية هو أول يوم من المحرم، والتقويم الهجري قمري يقارب ٣٥٤ يومًا.
  • اعتُمد التاريخ الهجري في خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه بالتشاور مع الصحابة.
  • الأشهر الحرم أربعة، وهي ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب.
  • في الهجرة دروس في الإخلاص والتضحية والتخطيط والتوكل والأخوة.
  • الأولى استثمار المناسبة في المحاسبة والتخطيط دون إحداث شعائر لم تثبت.

التوصيات

  • استخدام التاريخ الهجري في المكاتبات والجداول إلى جانب الميلادي.
  • تعليم الأبناء ترتيب الأشهر الهجرية ومعانيها.
  • كتابة أهداف للعام الجديد ومراجعتها شهريًا.
  • قراءة سيرة الهجرة النبوية من كتب السيرة الموثوقة.

الخاتمة

عرفنا في هذا البحث أن رأس السنة الهجرية بداية عام قمري جديد ارتبط بحدث الهجرة، وأن الصحابة رضي الله عنهم اتخذوه تاريخًا يجمع كلمة المسلمين. وهو فرصة لتجديد النية ومحاسبة النفس والأخذ بالأسباب، والله نسأل أن يجعل أيامنا القادمة خيرًا من الماضية وأن يوفقنا لما يحب ويرضى.

المراجع

  • القرآن الكريم، وصحيح البخاري وصحيح مسلم وجامع الترمذي.
  • السيرة النبوية لابن هشام.
  • تاريخ الرسل والملوك لأبي جعفر الطبري.
  • البداية والنهاية لابن كثير.
  • كتب التربية الإسلامية والتاريخ للمرحلة المتوسطة والثانوية، وزارة التعليم في المملكة العربية السعودية.

كلمات دليلية

بحث، بحث عن، بحث علمي، بحوث، رأس السنة الهجرية