مقدمة البحث
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد الرحمة المهداة. أما بعد، فإن الإنسان يمر في حياته بمراحل: طفولة وشباب ثم كبر وشيخوخة. وكما أنه كان في طفولته محتاجًا إلى رعاية من حوله، فإنه في كِبره يحتاج إلى من يرعاه ويقدّره ويحفظ كرامته. وقد جاء الإسلام بتعظيم حق كبار السن، قال الله تعالى:
﴿وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ۚ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾ [الإسراء: 23]
وفي هذا البحث نتناول رعاية المسنين من منظور الخدمة الاجتماعية، وكيف يسهم الأخصائي الاجتماعي في تحسين جودة حياتهم.
تعريف الموضوع
المسن هو الشخص الذي بلغ مرحلة متقدمة من العمر تتراجع فيها قدراته الجسدية والاجتماعية عادة، ويُعتمد في كثير من الأنظمة على بلوغ سن الستين تقريبًا. أما رعاية المسنين فهي مجموعة الخدمات الصحية والاجتماعية والنفسية والاقتصادية التي تُقدَّم لهم لتلبية حاجاتهم وتمكينهم من حياة كريمة. والخدمة الاجتماعية مهنة إنسانية تساعد الأفراد والأسر والجماعات على مواجهة مشكلاتهم وتحقيق التوافق مع المجتمع.
أهمية الموضوع
تزداد أهمية رعاية المسنين مع ارتفاع متوسط الأعمار في العالم وتحسن الرعاية الصحية، فيتزايد عدد كبار السن في المجتمعات. وهم أصحاب خبرة وفضل، وذاكرة للمجتمع وقيمه، ومن حقهم علينا الوفاء. كما أن معرفة حاجاتهم تحمي المجتمع من مشكلات العزلة والإهمال وسوء المعاملة.
أهداف البحث
- التعريف بمفهوم المسن والشيخوخة ورعاية المسنين.
- التعرف على حاجات المسنين ومشكلاتهم.
- بيان أدوار الأخصائي الاجتماعي في رعايتهم.
- التعريف بأنواع الرعاية وأساليبها.
- إبراز توجيه الإسلام في إكرام كبار السن.
محاور البحث
أولًا: التغيرات التي تصاحب الشيخوخة
- تغيرات جسمية: ضعف في البصر والسمع والعضلات، وزيادة الأمراض المزمنة كارتفاع الضغط والسكري وأمراض المفاصل.
- تغيرات نفسية: الشعور بالوحدة أو القلق أو الحزن، وتراجع في الذاكرة عند بعضهم، وحاجة أكبر إلى التقدير والانتماء.
- تغيرات اجتماعية: التقاعد عن العمل وفقدان الدور الوظيفي، وغياب الأصدقاء أو رحيلهم، وقلة التواصل مع المجتمع.
- تغيرات اقتصادية: انخفاض الدخل بعد التقاعد مع زيادة النفقات الصحية.
ثانيًا: حاجات المسنين
| نوع الحاجة | أمثلة |
|---|---|
| صحية | فحوص دورية، علاج، تغذية سليمة، أدوات مساعدة كالنظارة والعكاز |
| نفسية | الشعور بالأمان والحب والاحترام |
| اجتماعية | الصداقة والتواصل مع الأقارب والمشاركة في الأنشطة |
| اقتصادية | دخل كاف ومعاش تقاعدي ومسكن مناسب |
| ترفيهية وروحية | نشاطات ممتعة وأداء العبادات وحضور المساجد |
ثالثًا: أبرز مشكلات المسنين
- الوحدة والعزلة الاجتماعية، خاصة بعد وفاة شريك الحياة.
- الأمراض المزمنة وصعوبة الحركة.
- الشعور بفقدان القيمة بعد التقاعد.
- العجز عن قضاء الحاجات اليومية دون مساعدة.
- التعرض للإهمال أو الإساءة في بعض الأحيان، وهو ما يجب منعه والتبليغ عنه.
رابعًا: أدوار الأخصائي الاجتماعي في رعاية المسنين
- الدور الوقائي: توعية الأسر بكيفية التعامل مع المسن، ونشر ثقافة احترام كبار السن.
- الدور العلاجي: دراسة حالة المسن وحل مشكلاته النفسية والاجتماعية، وإرشاده وأسرته.
- الدور التنموي: تنظيم أنشطة وبرامج تستثمر خبراتهم كالتطوع والقصص وتعليم الصغار.
- دور الوسيط: ربط المسن بالمؤسسات الصحية والاجتماعية والجهات التي توفر المعونات.
- دور المدافع: الدفاع عن حقوق المسنين والمطالبة بخدمات أفضل لهم.
خامسًا: أنواع الرعاية
- الرعاية الأسرية: وهي الأفضل، إذ يبقى المسن بين أبنائه وأحفاده في بيته.
- الرعاية المنزلية: وهي زيارة فرق صحية واجتماعية إلى بيت المسن لتقديم الخدمة.
- الرعاية النهارية: مراكز يقضي فيها المسن ساعات النهار في أنشطة ثم يعود إلى أسرته.
- الرعاية المؤسسية: دور رعاية للمسنين الذين لا أسرة لهم أو تعجز أسرهم عن رعايتهم.
وتهتم المملكة العربية السعودية برعاية كبار السن عبر الجهات الحكومية المعنية بالصحة والتنمية الاجتماعية والجمعيات الخيرية المتخصصة وغيرها.
سادسًا: توجيهات الإسلام في إكرام كبار السن
حثّ النبي ﷺ على توقير الكبير وجعل ذلك من الأخلاق الواجبة، فقال:
«لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَرْحَمْ صَغِيرَنَا وَيُوَقِّرْ كَبِيرَنَا» (رواه الترمذي)
وبيّن أن إكرام الكبير من إجلال الله تعالى، فقال:
«إِنَّ مِنْ إِجْلاَلِ اللَّهِ إِكْرَامَ ذِي الشَّيْبَةِ الْمُسْلِمِ» (رواه أبو داود)
وأوصى القرآن الكريم بالوالدين إذا بلغا الكبر، قال سبحانه:
﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ [الإسراء: 24]
سابعًا: مبادئ التعامل مع المسن
- مخاطبته باحترام وبصوت هادئ والإصغاء إليه دون مقاطعة.
- إشراكه في القرارات التي تخصه والأخذ برأيه ما أمكن.
- تشجيعه على الاستقلالية في أعماله اليومية بقدر طاقته.
- الصبر على تكرار كلامه وبطء حركته.
- الحفاظ على خصوصيته وكرامته وعدم التحدث عنه أمامه وكأنه غائب.
ويستعين الأخصائي بهذه المبادئ عند إجراء دراسة الحالة، وهي أن يجمع معلومات عن حالة المسن الصحية والأسرية والمالية والنفسية، ثم يضع مع المسن وأسرته خطة تدخل واضحة، ويتابع تنفيذها ويقيّم نتائجها بعد حين.
دور الأسرة والمجتمع
لا تقوم رعاية المسنين على المؤسسات وحدها، فالأسرة هي الأصل، وعلى الأبناء أن يخصصوا لآبائهم وقتًا للزيارة والحديث والخدمة، وأن يتشاوروا في تقاسم الرعاية بينهم حتى لا يرهقوا أحدًا. وللجيران والمساجد والمدارس والجمعيات الخيرية دور مكمّل بزيارة المسنين وتفقد أحوالهم وتوفير ما يحتاجونه.
ثامنًا: مقترحات لتحسين رعاية المسنين
- برامج توعية للأسر والمدارس بحقوق كبار السن وآداب التعامل معهم.
- تفعيل التطوع في زيارة المسنين وخدمتهم، وإشراك الطلاب في ذلك.
- مراكز نهارية وأندية اجتماعية تتيح لهم اللقاء والنشاط.
- تدريب الأخصائيين الاجتماعيين والعاملين على الرعاية الحديثة.
- تهيئة المباني والمرافق لتناسب ذوي الحركة المحدودة.
النتائج والتوصيات
- للمسن حاجات صحية ونفسية واجتماعية واقتصادية ينبغي تلبيتها بتكامل الجهود.
- للأخصائي الاجتماعي أدوار وقائية وعلاجية وتنموية في رعاية المسنين.
- الرعاية الأسرية أفضل صور الرعاية، وتُكمّلها خدمات المجتمع والمؤسسات.
- يوصى بنشر ثقافة بر كبار السن وتكريمهم والاستفادة من خبراتهم.
الخاتمة
تناولنا في هذا البحث رعاية المسنين في الخدمة الاجتماعية، فعرفنا حاجاتهم ومشكلاتهم وأدوار الأخصائي الاجتماعي وأنواع الرعاية، ورأينا توجيه الإسلام إلى إكرامهم وبرّهم. فمن أكرم كبيرًا في سنه هيّأ الله له من يكرمه عند كبره. نسأل الله أن يرحم كبارنا ويحسن إليهم وأن يعيننا على بر آبائنا وأمهاتنا.
المراجع
- كتب الخدمة الاجتماعية الجامعية، فصول رعاية المسنين ورعاية الفئات الخاصة.
- كتب علم الاجتماع وعلم نفس الشيخوخة.
- وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية في المملكة العربية السعودية، الموقع الرسمي.
- منظمة الصحة العالمية، المواد التعريفية عن الشيخوخة والصحة.