مقدمة البحث

الحمد لله الذي خلق كل شيء فقدّره تقديرًا، والصلاة والسلام على نبينا محمد. أما بعد، فقد قال الله تعالى:

﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا ۖ وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ ۖ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنبياء: 30]

والماء والهواء من حولنا موائع نعيش فيها ونستعملها كل يوم: نشرب الماء ونتنفس الهواء، وتسبح السفن على سطح البحر، وتحلّق الطائرات في الجو، ويجري الدم في عروقنا. وفي هذا البحث نتعرف على سلوك الموائع وقوانينها التي تفسر هذه الظواهر وتقوم عليها كثير من التقنيات الحديثة.

تعريف الموضوع

المائع هو أي مادة تستطيع أن تنساب وتتخذ شكل الوعاء الذي توضع فيه، ويشمل السوائل والغازات. فالسائل له حجم ثابت لكنه لا يحتفظ بشكله، أما الغاز فلا يحتفظ بشكل ولا بحجم ثابت، بل ينتشر ليملأ الحيز المتاح له. ويُسمى الفرع من الفيزياء الذي يدرس المواد المنسابة ميكانيكا الموائع، وينقسم إلى علم الموائع الساكنة الذي يدرس الموائع في حالة السكون، وعلم الموائع المتحركة الذي يدرس حركتها وانسيابها.

أهمية الموضوع

تظهر أهمية دراسة الموائع في أنها تفسر ظواهر طبيعية كثيرة مثل الطفو والرياح والتيارات البحرية، وتدخل في تصميم السفن والطائرات والسدود وشبكات المياه والأنابيب والأجهزة الهيدروليكية، وفي الطب عند دراسة الدورة الدموية وقياس ضغط الدم، وفي الأرصاد الجوية عند التنبؤ بالطقس.

أهداف البحث

  • التعرف على مفهوم المائع وخصائصه الأساسية.
  • فهم مفهوم الضغط في الموائع وحساب الضغط عند عمق معين.
  • بيان مبدأ باسكال ومبدأ أرخميدس وتطبيقاتهما.
  • شرح انسياب الموائع ومعادلة الاستمرارية ومعادلة برنولي.
  • التعرف على اللزوجة والتوتر السطحي وأثرهما في سلوك السوائل.

عناصر البحث

أولًا: خصائص الموائع

  • الكثافة: كتلة وحدة الحجم من المادة، وتُحسب من العلاقة التالية:

ρ = m / V

حيث ρ الكثافة، وm الكتلة، وV الحجم. وتُقاس الكثافة بوحدة كيلوجرام لكل متر مكعب. وكثافة الماء النقي قريبة من ألف كيلوجرام لكل متر مكعب، وهي أكبر بكثير من كثافة الهواء.

  • الضغط: القوة العمودية المؤثرة في وحدة المساحة، ويُحسب من العلاقة:

P = F / A

وتُقاس بوحدة الباسكال، وهي نيوتن لكل متر مربع.

  • اللزوجة: مقاومة المائع للانسياب، فالعسل أكثر لزوجة من الماء، والماء أكثر لزوجة من الهواء.
  • الانضغاطية: الغازات قابلة للانضغاط بسهولة، أما السوائل فيصعب ضغطها، ولذلك تُعدّ في أغلب الحسابات غير قابلة للانضغاط.

ثانيًا: الضغط في الموائع الساكنة

يزداد الضغط داخل السائل الساكن كلما زاد العمق، لأن الطبقات العليا من السائل تضغط على ما تحتها. ويُحسب الضغط الناتج عن عمود السائل من العلاقة:

P = ρ g h

حيث g تسارع الجاذبية الأرضية، وh عمق النقطة تحت سطح السائل. ويتضح من العلاقة أن الضغط يعتمد على العمق وكثافة السائل، ولا يعتمد على شكل الوعاء ولا على كمية السائل فيه. ولذلك يزداد الضغط على الغواص كلما نزل إلى عمق أكبر، وتُصمَّم جدران السدود أسمك عند القاعدة منها عند القمة.

وللغلاف الجوي ضغط أيضًا لأن الهواء له وزن، ويسمى الضغط الجوي، ويقل كلما ارتفعنا عن سطح البحر لأن كمية الهواء فوقنا تقل. ويُقاس بجهاز يسمى البارومتر، ويُستخدم في التنبؤ بالطقس.

ثالثًا: مبدأ باسكال

ينص مبدأ باسكال على أن الضغط المؤثر في مائع محصور ينتقل بالتساوي إلى جميع أجزاء المائع وإلى جدران الوعاء الحاوي له. ويقوم عليه عمل المكبس الهيدروليكي، وفيه مكبسان مساحة أحدهما صغيرة والآخر كبيرة. فإذا أثّرنا بقوة صغيرة على المكبس الصغير نشأ ضغط ينتقل إلى المكبس الكبير فتنتج عنده قوة أكبر، وفق العلاقة:

F1 / A1 = F2 / A2

مثال محلول: مكبس هيدروليكي مساحة مكبسه الصغير عشرة سنتمترات مربعة ومساحة مكبسه الكبير ألف سنتمتر مربع. إذا أثّرت قوة مقدارها مئة نيوتن على المكبس الصغير، فما القوة الناتجة على الكبير؟

النسبة بين المساحتين مئة، فتكون القوة الناتجة مئة ضعف القوة المؤثرة، أي عشرة آلاف نيوتن. وهذا يفسر قدرة رافعات السيارات في محطات الصيانة على رفع سيارة ثقيلة بجهد صغير، كما تعمل بهذا المبدأ فرامل السيارات والآلات الهيدروليكية في الورش والمصانع. ولا يعني ذلك زيادة في الطاقة، فالمكبس الصغير يقطع مسافة أكبر بكثير من مسافة المكبس الكبير.

رابعًا: قوة الطفو ومبدأ أرخميدس

إذا غُمس جسم في مائع شعر بقوة إلى أعلى تسمى قوة الطفو. وينص مبدأ أرخميدس على أن مقدار قوة الطفو المؤثرة في جسم مغمور كليًا أو جزئيًا في مائع يساوي وزن المائع الذي أزاحه الجسم:

Fb = ρfluid g Vdisplaced

وبمقارنة قوة الطفو بوزن الجسم نعرف حالته:

الحالةالشرطالنتيجة
الجسم يطفوكثافته أقل من كثافة المائعيرتفع حتى تتساوى قوة الطفو مع وزنه
الجسم معلقكثافته تساوي كثافة المائعيبقى في موضعه داخل المائع
الجسم يغوصكثافته أكبر من كثافة المائعيهبط إلى القاع

وتفسر هذه القاعدة طفو السفن الحديدية الضخمة رغم أن الحديد أكثف من الماء، فهي مجوفة وتحتوي على هواء كثير، فيكون متوسط كثافتها أقل من كثافة الماء. والغواصة تتحكم في غوصها وطفوها بملء خزانات خاصة بالماء أو إفراغها منه. أما المناطيد فتعلو في الهواء لأن كثافتها أقل من كثافة الهواء المحيط بها.

مثال محلول: مكعب حجمه واحد ديسيمتر مكعب مغمور كليًا في الماء. حجم الماء المزاح يساوي حجم المكعب، أي واحد ديسيمتر مكعب، وكتلته كيلوجرام واحد تقريبًا، فتكون قوة الطفو نحو عشرة نيوتن باعتبار تسارع الجاذبية عشرة أمتار لكل ثانية مربعة.

خامسًا: انسياب الموائع

عند دراسة حركة الموائع نفترض في الحالة المثالية أن المائع غير لزج وغير قابل للانضغاط وأن انسيابه منتظم. وللمائع المنساب نوعان من الانسياب:

  • الانسياب الطبقي: تتحرك فيه طبقات المائع بسلاسة وبمسارات منتظمة متوازية.
  • الانسياب المضطرب: تتكون فيه دوامات وحركة عشوائية، ويحدث عند السرعات الكبيرة أو الحواجز المفاجئة.

معادلة الاستمرارية

إذا انساب مائع غير قابل للانضغاط في أنبوب مقطعه متغير فإن كمية المائع المارة في الثانية الواحدة ثابتة عند أي مقطع، فتكون:

A1 v1 = A2 v2

أي أن سرعة المائع تزداد حيث يضيق الأنبوب وتقل حيث يتسع. وهذا ما نلاحظه عندما نغلق فتحة خرطوم الماء بإصبعنا جزئيًا فيندفع الماء بسرعة أكبر.

معادلة برنولي

تربط معادلة برنولي بين الضغط والسرعة والارتفاع عند نقطتين على خط انسياب واحد، وهي تعبير عن حفظ الطاقة في المائع المنساب:

P + ½ ρ v2 + ρ g h = constant

ومن نتائجها أن الضغط ينخفض في المواضع التي تزداد فيها سرعة المائع. ولهذه النتيجة تطبيقات عديدة، منها:

  • رفع الطائرة: شكل الجناح يجعل الهواء فوقه أسرع منه تحته، فينخفض الضغط في الأعلى ويزداد في الأسفل، فتنشأ قوة رفع إلى أعلى.
  • الرذاذ والبخاخات: يمر الهواء بسرعة فوق أنبوب صغير فينخفض الضغط ويصعد السائل ويتفرق قطرات.
  • الأسقف في الرياح الشديدة: قد تنخلع الأسقف الخفيفة لأن الهواء السريع فوقها ذو ضغط أقل من الضغط داخل المبنى.

سادسًا: اللزوجة والتوتر السطحي

اللزوجة قوة احتكاك داخلية بين طبقات المائع، فكلما زادت اللزوجة زادت مقاومة الانسياب. وتقل لزوجة معظم السوائل بارتفاع درجة الحرارة، ولذلك يسيل الزيت الساخن أسرع من البارد، وتزداد لزوجة الغازات عادة بارتفاع الحرارة. ويحتاج مهندسو السيارات إلى اختيار زيوت محركات بلزوجة مناسبة لتقليل الاحتكاك وحماية المحرك.

أما التوتر السطحي فهو خاصية تجعل سطح السائل يتصرف كأنه غشاء مشدود، نتيجة قوى التجاذب بين جزيئات السائل. وبسببه تتكوّن قطرات الماء كروية الشكل تقريبًا، ويستطيع بعض الحشرات المشي على سطح الماء دون أن تغوص، وتبقى إبرة خفيفة على سطحه إن وُضعت برفق. وتساعد الخاصية الشعرية على صعود الماء في الأنابيب الدقيقة وفي أنسجة النباتات.

سابعًا: تطبيقات حياتية

التطبيقالمبدأ المستخدم
رافعة السيارات والفراملمبدأ باسكال
السفن والغواصاتمبدأ أرخميدس
جناح الطائرةمعادلة برنولي
شبكات المياه والأنابيبمعادلة الاستمرارية والضغط
جهاز قياس ضغط الدمالضغط في الموائع
زيوت المحركاتاللزوجة

الخاتمة

تعرفنا في هذا البحث على الموائع وخصائصها، وعلى الضغط وقوانينه، ومبدأي باسكال وأرخميدس، وانسياب الموائع ومعادلتي الاستمرارية وبرنولي، ثم اللزوجة والتوتر السطحي. ويتضح أن قوانين الموائع تفسر كثيرًا مما حولنا من ظواهر وتقنيات، وأن دراستها تعين على فهم الطبيعة وتسخيرها لنفع الإنسان. ونسأل الله أن ينفعنا بما علمنا وأن يزيدنا علمًا.

المراجع

  • كتاب الفيزياء للمرحلة الثانوية، وزارة التعليم في المملكة العربية السعودية.
  • كتاب الفيزياء الجامعية، هيو يونغ وروجر فريدمان، المترجم إلى العربية.
  • أساسيات الفيزياء، هاليداي ورزنيك ووالكر، المترجم إلى العربية.
  • مقررات ميكانيكا الموائع في كليات الهندسة والعلوم بالجامعات السعودية.

كلمات دليلية

بحث، بحث عن، بحث علمي، بحوث، سلوك الموائع