مقدمة البحث

الحمد لله الذي أنزل القرآن هدى للناس وبيّنات من الهدى والفرقان، والصلاة والسلام على نبينا محمد الذي بيّن للناس ما نُزّل إليهم. أما بعد، فقد أمر الله تعالى بتدبر كتابه فقال:

﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [ص: 29]

وتدبر القرآن يحتاج إلى فهمٍ صحيح لمعانيه، ولا يكون ذلك إلا بالتفسير المنضبط بقواعد وضوابط تحفظ كلام الله من التحريف والتأويل الباطل. وفي هذا البحث نتناول ضوابط التفسير وشروط المفسر وأشهر كتب التفسير.

تعريف الموضوع

التفسير في اللغة هو الإيضاح والكشف والبيان. وفي الاصطلاح هو علم يُعرف به فهم كتاب الله المنزل على نبيه محمد ﷺ، وبيان معانيه، واستخراج أحكامه وحِكَمه. أما ضوابط التفسير فهي القواعد والأصول التي ينبغي أن يلتزم بها المفسر حتى يكون تفسيره صحيحًا مقبولًا، ويبتعد بها عن الخطأ والهوى.

أهمية الموضوع

القرآن الكريم هو كلام الله الذي به صلاح الدنيا والآخرة، والخطأ في تفسيره خطر عظيم لأنه قول على الله بغير علم. وقد ظهرت عبر التاريخ تفسيرات منحرفة بسبب الجهل بالضوابط أو اتباع الهوى، فكان لا بد من معرفة هذه القواعد ليتميز الصحيح من الباطل. وقال الله تعالى محذّرًا من القول عليه بلا علم:

﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: 33]

أهداف البحث

  • التعرف على معنى التفسير والمقصود بضوابطه.
  • بيان مصادر التفسير الصحيح وترتيبها.
  • معرفة شروط المفسر وآدابه.
  • التمييز بين التفسير بالمأثور والتفسير بالرأي المحمود والمذموم.
  • التعرف على أشهر كتب التفسير ومناهجها.

عناصر البحث

أولًا: مصادر التفسير وترتيبها

يسير المفسر في تفسيره وفق ترتيب معتبر عند العلماء، يبدأ فيه بالأقوى ثم الذي يليه:

١ - تفسير القرآن بالقرآن

وهو أصح طرق التفسير وأعلاها، لأن الله أعلم بمراد كلامه، وقد يأتي المجمل في موضع ويُبيَّن في موضع آخر، ويأتي المطلق ثم يُقيَّد، والعام ثم يُخصَّص. ومثال ذلك قوله تعالى في الحث على الاستقامة:

﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾ [ٱلفاتحة: 6–7]

فقد فُسّر الذين أنعم الله عليهم في موضع آخر من القرآن، وهم النبيون والصديقون والشهداء والصالحون.

٢ - تفسير القرآن بالسنة النبوية

السنة شارحة للقرآن ومبيّنة له، وقد قال الله تعالى لنبيه ﷺ:

﴿بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ ۗ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: 44]

وقال النبي ﷺ مبيّنًا مكانة سنته مع القرآن:

«إِنِّي أُوتِيتُ الْكِتَابَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ» (رواه أبو داود)

ومن أمثلة تفسير السنة للقرآن أن النبي ﷺ بيّن أعداد الركعات وهيئات الصلاة وتفاصيل الزكاة والحج التي جاءت مجملة في القرآن.

٣ - تفسير القرآن بأقوال الصحابة

إذا لم يجد المفسر التفسير في القرآن ولا في السنة رجع إلى أقوال الصحابة رضي الله عنهم، فهم شهدوا نزول الوحي، وعرفوا أسباب النزول، وفهموا لغة القرآن، وتلقّوا العلم عن النبي ﷺ. ومن أشهرهم في التفسير عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، الملقب بترجمان القرآن، وعبد الله بن مسعود وعلي بن أبي طالب وأُبيّ بن كعب رضي الله عنهم.

٤ - تفسير القرآن باللغة العربية

نزل القرآن بلسان عربي مبين، فلا بد للمفسر من الاستعانة بمعاني الكلمات في لغة العرب وأساليبها، وبالنحو والصرف والبلاغة. قال الله تعالى:

﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [يوسف: 2]

على أن يُراعى معنى اللفظ كما استعمله القرآن وكما فهمه العرب وقت نزوله، وليس معنى حادثًا بعد ذلك، وأن يكون ذلك موافقًا لما ثبت من التفسير بالمأثور.

وعند العلماء يأتي بعد هذه المصادر الاجتهاد المنضبط الذي يستند إلى فهم السياق وأقوال التابعين، وأسباب النزول، والناسخ والمنسوخ.

ثانيًا: شروط المفسر وآدابه

  • سلامة العقيدة: فالمفسر الذي يتبع الهوى أو البدعة قد يجعل القرآن تبعًا لمذهبه.
  • الإخلاص وحسن القصد: أن يطلب بتفسيره وجه الله ونفع الناس، وليس الجدل والشهرة.
  • العلم باللغة العربية: ومعرفة النحو والصرف والاشتقاق والبلاغة.
  • العلم بعلوم القرآن: كأسباب النزول والمكي والمدني والناسخ والمنسوخ والمحكم والمتشابه.
  • العلم بالسنة وأصول الفقه: لمعرفة بيان النبي ﷺ وطرق استنباط الأحكام.
  • معرفة أقوال السلف: وعدم الخروج عن إجماعهم في معنى الآية.
  • الأدب والتواضع: فلا يجزم بما لا يعلم، ويقول عند عدم العلم: الله أعلم.

ثالثًا: التفسير بالرأي المذموم

التفسير بالرأي نوعان: محمود وهو الاجتهاد الذي يستند إلى علم باللغة والمأثور وأصول التفسير، ومذموم وهو القول في القرآن بمجرد الرأي والهوى بلا علم ولا دليل. وقد حذّر النبي ﷺ منه فقال:

«مَنْ قَالَ فِي الْقُرْآنِ بِرَأْيِهِ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ» (رواه الترمذي)

وقال الله تعالى في النهي عن اتباع ما لا علم للإنسان به:

﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ۚ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: 36]

ومن صور التفسير المذموم: تفسير الآيات لتوافق مذهبًا فاسدًا، أو تحميل الألفاظ معاني لا تحتملها اللغة، أو الجرأة على الغيبيات بلا دليل، أو ترك المأثور الصحيح لقول لا أصل له، أو الاعتماد على الإسرائيليات المخالفة لما في القرآن والسنة.

رابعًا: أشهر كتب التفسير

الكتابمؤلفهأبرز ما يميزه
جامع البيان عن تأويل آي القرآن (تفسير الطبري)الإمام محمد بن جرير الطبريمن أقدم التفاسير الجامعة، يذكر الأقوال بأسانيدها ويرجّح بينها، ويعتني باللغة والمعاني
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)الإمام إسماعيل بن عمر بن كثيرمن أشهر تفاسير المأثور، يفسر القرآن بالقرآن ثم بالسنة ثم بأقوال السلف
الجامع لأحكام القرآن (تفسير القرطبي)الإمام محمد بن أحمد القرطبييعنى باستنباط الأحكام الفقهية من الآيات مع بيان اللغة والقراءات
تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان (تفسير السعدي)الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعديتفسير موجز سهل العبارة يعتني ببيان الفوائد والهدايات، ويناسب عامة الناس وطلاب العلم

خامسًا: أمثلة على الالتزام بالضوابط

عند تفسير آية، يجمع المفسر الآيات المتعلقة بالموضوع نفسه ليفهم المراد، ثم يبحث عن بيان النبي ﷺ لها، ثم عن أقوال الصحابة والتابعين، ثم يتأمل لغة الآية وسياقها وسبب نزولها إن وُجد. فإذا عرضت له عبارة تحتمل أكثر من معنى، رجّح ما يؤيده السياق والمأثور، ولا يتعسف في التأويل. وإذا لم يتضح له المعنى توقف عن الجزم وردّ علم ذلك إلى الله.

النتائج

  • للتفسير الصحيح ضوابط وأصول لا يجوز تجاوزها.
  • أعلى طرق التفسير القرآن بالقرآن، ثم السنة، ثم أقوال الصحابة، ثم اللغة العربية والاجتهاد المنضبط.
  • يشترط في المفسر سلامة العقيدة والعلم باللغة والعلوم الشرعية وحسن القصد.
  • التفسير بمجرد الرأي والهوى بلا علم محرّم ومذموم.
  • كتب التفسير المأثورة كالطبري وابن كثير والقرطبي والسعدي من أوثق ما يرجع إليه الطالب.

التوصيات

  • الرجوع إلى كتب التفسير المعتمدة عند فهم الآيات وعدم الاكتفاء بالفهم الشخصي.
  • سؤال أهل العلم عما يُشكل من معاني القرآن.
  • الحذر مما ينشر على مواقع التواصل من تفسيرات مجهولة المصدر.
  • البدء بتفسير ميسّر كتفسير السعدي لمن أراد قراءة التفسير لأول مرة.

الخاتمة

تعرّفنا في هذا البحث على ضوابط التفسير ومصادره المرتبة، وشروط المفسر، وخطر التفسير بالهوى، وأشهر كتب التفسير. ويتضح أن فهم كتاب الله أمانة عظيمة لا يتصدى لها إلا من أعدّ لها عدّتها من علم وإخلاص وتقوى. نسأل الله أن يرزقنا فهم كتابه والعمل به.

المراجع

  • القرآن الكريم.
  • جامع البيان عن تأويل آي القرآن، لابن جرير الطبري.
  • تفسير القرآن العظيم، لابن كثير.
  • الجامع لأحكام القرآن، للقرطبي.
  • تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، للسعدي.
  • مقدمة في أصول التفسير، لشيخ الإسلام ابن تيمية.
  • مباحث في علوم القرآن، لمناع القطان.