مقدمة البحث
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فقد اختار الله لنبيه ﷺ أصحابًا حملوا الدين وبلّغوه، وبذلوا في سبيله الأموال والأنفس، وكان من أعظمهم قدرًا الخليفة الراشد الثالث عثمان بن عفان رضي الله عنه، صاحب الحياء الجمّ والإنفاق السخي، ومن جمع الأمة على مصحف واحد. وفي هذا البحث نتعرف على سيرته الثابتة وفضائله وأبرز أعماله في خلافته.
تعريف الموضوع
هو عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس، من قريش، يلتقي نسبه بنسب النبي ﷺ في جدّه عبد مناف. ويُكنّى بأبي عبد الله، ويلقّب بـذي النورين لأنه تزوج بنتين من بنات النبي ﷺ: رقية ثم أم كلثوم رضي الله عنهن. وهو ثالث الخلفاء الراشدين، وأحد العشرة المبشرين بالجنة، وأحد الستة الذين جعل عمر رضي الله عنه الأمر شورى بينهم.
أهمية الموضوع
تكمن أهمية دراسة سيرة عثمان رضي الله عنه في أنها تقدّم لنا نموذجًا للغني الشاكر الذي سخّر ماله لخدمة الدين، ونموذجًا للحياء الذي هو خلق الإسلام، ونموذجًا للحاكم الحليم الذي حرص على حفظ دماء المسلمين. كما أن معرفة سيرته تُعيننا على فهم مسألة جمع القرآن في المصاحف، وعلى معرفة الموقف الصحيح من الفتن التي وقعت بين الصحابة رضي الله عنهم.
أهداف البحث
- التعريف بنسب عثمان رضي الله عنه وإسلامه وهجرته.
- بيان ما ثبت من فضائله في القرآن والسنة.
- التعرف على إنفاقه في سبيل الله وأمثلة من كرمه.
- معرفة أبرز أعماله وإنجازاته في خلافته.
- بيان سبب الفتنة التي انتهت باستشهاده، ومنهج أهل السنة والجماعة في الصحابة.
عناصر البحث
أولًا: نشأته وإسلامه
وُلد عثمان رضي الله عنه في مكة بعد عام الفيل بنحو ست سنين، ونشأ في أسرة شريفة غنية، واشتغل بالتجارة فكان من كبار تجار قريش وأحسنهم خلقًا وأمانة. وكان معروفًا في الجاهلية بالحياء والوقار وصدق الحديث. وأسلم في أول الدعوة، وهو من السابقين الأولين إلى الإسلام، وكان إسلامه على يد أبي بكر الصديق رضي الله عنه. ولما أسلم أخذه عمّه الحكم بن أبي العاص وشدّه بالحبال يريد أن يردّه عن دينه، فثبت وقال إنه لا يدع دينه أبدًا، فتركه عمه.
ثانيًا: هجرته وجهاده
هاجر عثمان رضي الله عنه الهجرة الأولى إلى الحبشة ومعه زوجته رقية بنت رسول الله ﷺ، فرارًا بدينه من أذى قريش، ثم عاد، وهاجر بعد ذلك إلى المدينة المنورة. وفي غزوة بدر لم يشهد القتال لأن زوجته رقية كانت مريضة مرضًا شديدًا، فأمره النبي ﷺ أن يبقى بجانبها، وضرب له بسهمه وأجره، فعُدّ من أهل بدر. وشهد بقية المشاهد مع النبي ﷺ إلا ما كان من أمر خاص.
ثالثًا: فضائله في القرآن والسنة
من أعظم فضائله ما كان في صلح الحديبية. فحين أرسله النبي ﷺ إلى قريش ليخبرهم أن المسلمين جاؤوا معتمرين لا محاربين، تأخر في مكة، وشاع أنه قُتل، فدعا النبي ﷺ أصحابه إلى البيعة تحت الشجرة. وقد قال الله تعالى عن هؤلاء المبايعين:
﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ [الفتح: 18]
وبايع النبي ﷺ عن عثمان بنفسه، فجعل إحدى يديه عن عثمان وضرب بها على الأخرى، وكان ذلك من أعظم شرفه رضي الله عنه.
ومن فضائله الحياء. ففي الحديث الصحيح أن عائشة رضي الله عنها كانت تحدّث أن النبي ﷺ كان في بيتها مضطجعًا، فاستأذن أبو بكر ثم عمر فأذن لهما وهو على حاله، فلما استأذن عثمان جلس النبي ﷺ وسوّى ثيابه، فسألته عائشة عن ذلك فقال:
«أَلاَ أَسْتَحِي مِنْ رَجُلٍ تَسْتَحِي مِنْهُ الْمَلاَئِكَةُ» (رواه مسلم)
وهذا يدل على عظيم حياء عثمان وعلو منزلته عند الله.
رابعًا: إنفاقه وكرمه
اشتهر عثمان رضي الله عنه بالإنفاق في سبيل الله، ومن أشهر مواقفه:
- تجهيز جيش العسرة: وهو الجيش الذي خرج إلى تبوك في وقت شدة وقلة في المال والمؤن، فجهّز عثمان جانبًا كبيرًا منه بماله. وروى عبد الرحمن بن سمرة رضي الله عنه أن عثمان جاء إلى النبي ﷺ بألف دينار حين جهّز جيش العسرة فنثرها في حجره، فرأى النبي ﷺ يقلّبها ويقول:
«مَا ضَرَّ عُثْمَانَ مَا عَمِلَ بَعْدَ الْيَوْمِ» (رواه الترمذي)
- شراء بئر رومة: كانت في المدينة بئر يملكها رجل ويبيع ماءها، فاشتراها عثمان رضي الله عنه وجعلها وقفًا لعامة المسلمين يشربون منها.
- توسعة المسجد النبوي: اشترى أرضًا بجوار المسجد وزادها فيه حين ضاق بالمصلين، وهي من الأعمال التي شارك بها في خدمة المسجد.
خامسًا: خلافته
بعد استشهاد عمر رضي الله عنه اجتمع أهل الشورى الستة، واختاروا عثمان خليفة للمسلمين، وبايعه الناس في مطلع سنة أربع وعشرين للهجرة. وامتدت خلافته نحو اثنتي عشرة سنة، وكان في نصفها الأول عهد هدوء واتساع في الفتوح. ومن أبرز أعماله:
- اتساع الفتوحات: فُتحت في عهده أجزاء واسعة من بلاد فارس وأرمينية وشمال أفريقيا، وغزا المسلمون قبرص.
- إنشاء أول أسطول بحري إسلامي: أذن لمعاوية رضي الله عنه حاكم الشام بركوب البحر لمواجهة الروم في السواحل.
- توسعة المسجد الحرام والمسجد النبوي: فقد زاد في المسجدين وبناه بالحجارة المنقوشة.
- رعاية العمال والولاة: وكان يوصيهم بالعدل ويتابع أحوال الرعية.
سادسًا: جمع القرآن في مصاحف
يُعدّ جمع القرآن على مصحف واحد من أعظم أعمال عثمان رضي الله عنه. فقد كان القرآن مكتوبًا في عهد أبي بكر في صحف جمعها زيد بن ثابت رضي الله عنه، ثم اتسعت الفتوح وانتشر المسلمون في الأمصار، وبدأ الناس يختلفون في وجوه القراءة، وخاف الصحابي حذيفة بن اليمان رضي الله عنه من اختلافهم كاختلاف أهل الكتاب، فأشار على عثمان بجمع الناس على مصحف واحد. فأمر عثمان زيد بن ثابت وجماعة من الصحابة بنسخ الصحف في مصاحف، وأرسل نسخًا منها إلى الأمصار، وأمر بأن يُترك ما سواها. وبذلك حفظ الله كتابه، وسُمّي هذا المصحف المصحف العثماني أو مصحف الإمام. وقد اتفق الصحابة على هذا العمل، ولم يخالفه أحد منهم.
سابعًا: الفتنة واستشهاده
في السنوات الأخيرة من خلافته ظهرت جماعات من مثيري الفتنة في بعض الأمصار، ونشروا الاتهامات ضد الخليفة وولاته، وأدّى ذلك إلى قدوم وفود من العراق ومصر إلى المدينة. وحاصروا بيت عثمان رضي الله عنه أيامًا. وكان بإمكانه أن يأمر بقتالهم وعنده من يدافع عنه، لكنه أبى أن يكون أول من يريق دم المسلمين، وقال إنه لا يحب أن يُراق بسببه دم. وفي النهاية اقتحم المحاصرون الدار، واستُشهد رضي الله عنه وهو يقرأ القرآن في ذي الحجة سنة خمس وثلاثين للهجرة، ودُفن في البقيع بالمدينة المنورة. وهذه الفتنة كانت من أعظم المحن التي وقعت للأمة، وفتحت باب الاختلاف بعدها.
ثامنًا: منهج أهل السنة والجماعة في الصحابة والفتنة
يعتقد أهل السنة والجماعة أن الصحابة رضي الله عنهم أفضل أجيال الأمة، وأنه يجب حبّهم جميعًا والكفّ عما شجر بينهم، وعدم الخوض في الفتن بالطعن والتجريح، مع اعتقاد أن عثمان رضي الله عنه قُتل مظلومًا وهو على الحق وأنه الخليفة الشرعي حتى استشهاده. ومن أدب المسلم تجاههم قول الله تعالى:
﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر: 10]
النتائج
- عثمان بن عفان رضي الله عنه ثالث الخلفاء الراشدين وأحد العشرة المبشرين بالجنة، ولُقّب بذي النورين.
- اشتهر بالحياء والإنفاق، ومن أبرز مواقفه تجهيز جيش العسرة وشراء بئر رومة.
- جمع الناس في خلافته على مصحف واحد حفظًا للقرآن من الاختلاف.
- استُشهد مظلومًا في فتنة قام بها مثيرو الشغب، ومنهج أهل السنة محبة الصحابة والكفّ عما شجر بينهم.
التوصيات
- التأسي بحياء عثمان وكرمه وتقديم المال في الخير ونفع الناس.
- قراءة سيرة الصحابة من المصادر الموثوقة وكتب أهل العلم.
- الحذر من الروايات الواهية والمكذوبة في تاريخ الفتنة.
- الدعاء للصحابة جميعًا ومحبتهم والترضي عنهم.
الخاتمة
عرضنا في هذا البحث سيرة عثمان بن عفان رضي الله عنه: نسبه وإسلامه وهجرته، وفضائله وإنفاقه، وأعماله في خلافته وجمعه للمصحف، ثم مقتله مظلومًا ومنهج أهل السنة في الصحابة. وكان رضي الله عنه نموذجًا للإيمان والحياء والعطاء، فرحمه الله وأكرم نزله، وجزاه عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء.
المراجع
- القرآن الكريم، وصحيح البخاري، وصحيح مسلم، وجامع الترمذي.
- الطبقات الكبرى، لابن سعد.
- الاستيعاب في معرفة الأصحاب، لابن عبد البر.
- أسد الغابة في معرفة الصحابة، لابن الأثير.
- البداية والنهاية، لابن كثير.
- العواصم من القواصم، لأبي بكر ابن العربي.