مقدمة البحث
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فإن التاريخ الإسلامي حافل برجال صنعوا مجدًا وعدلًا لا ينسى، ومن أعظمهم الصحابي الجليل عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ثاني الخلفاء الراشدين، الذي اشتهر بقوته في الحق وعدله وزهده. وقد أثنى الله تعالى على السابقين من المهاجرين والأنصار فقال:
﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ۚ ذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: 100]
وفي هذا البحث نتعرف على حياة عمر بن الخطاب منذ نشأته إلى استشهاده، وعلى أبرز إنجازاته.
تعريف الموضوع
عمر بن الخطاب بن نفيل العدوي القرشي، يلتقي نسبه بنسب النبي ﷺ في كعب بن لؤي، وأمه حنتمة بنت هاشم على أشهر الأقوال. وُلد في مكة المكرمة قبل البعثة بسنوات، وكنيته أبو حفص، ولقبه الفاروق لأن الله فرّق به بين الحق والباطل، وهو ثاني الخلفاء الراشدين بعد أبي بكر الصديق رضي الله عنهما.
أهمية الموضوع
تأتي أهمية دراسة سيرة عمر في أنها نموذج حي للقيادة العادلة والمسؤولية، وفي أن أعماله أسست لكثير من النظم الإدارية في الدولة الإسلامية. وبمعرفة سيرته نتعلم الشجاعة في قول الحق، والتواضع مع القوة، والاهتمام بشؤون الرعية.
أهداف البحث
- التعرف على نسب عمر ونشأته وصفاته.
- معرفة قصة إسلامه وسبب تسميته بالفاروق.
- التعرف على هجرته ومواقفه مع النبي ﷺ.
- بيان أهم أعماله في خلافته وفتوحاته وإنجازاته الإدارية.
- التعرف على عدله وسبب استشهاده.
عناصر البحث
أولًا: نشأته وصفاته
نشأ عمر في قريش، وكان من أشرافها، وتولى السفارة بينها وبين القبائل الأخرى، وكان يعرف القراءة والكتابة وهو من القلائل الذين كانوا يعرفونها في قريش. وكان قوي البنية، شديد الحزم، يهابه الناس.
ثانيًا: إسلامه
أسلم عمر رضي الله عنه في مكة بعد البعثة بسنوات، بعد إسلام حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه. وكان قبل إسلامه شديدًا على المسلمين، ثم شرح الله صدره للإسلام، وقد كان النبي ﷺ يدعو الله أن يعز الإسلام به أو بأبي جهل. وكان إسلامه قوة للمسلمين، فبعد إسلامه صلى المسلمون عند الكعبة جهرة. ولقّب بالفاروق لهذا الموقف. وقد قال عنه النبي ﷺ:
«لَقَدْ كَانَ فِيمَا قَبْلَكُمْ مِنَ الأُمَمِ مُحَدَّثُونَ، فَإِنْ يَكُ فِي أُمَّتِي أَحَدٌ فَإِنَّهُ عُمَرُ» (رواه البخاري)
ثالثًا: هجرته ومواقفه مع النبي ﷺ
هاجر عمر إلى المدينة المنورة، وقد اشتهر بين أصحاب السيرة أنه هاجر علنًا، فتهيأ للسفر وطاف بالكعبة وصلى عند المقام، ثم تحدى قريشًا أن تلحق به. وشهد مع النبي ﷺ بدرًا وأحدًا والخندق وسائر المشاهد. وكان قريبًا من رسول الله ﷺ ومن أبي بكر، وزوّجه رسول الله ﷺ ابنته حفصة بعد وفاة زوجها، فكان لعمر مصاهرة مع النبي ﷺ. وبعد وفاة النبي ﷺ كان عمر من أبرز من وقف مع أبي بكر في تثبيت المسلمين، وهو الذي اقترح جمع القرآن الكريم.
رابعًا: خلافته
تولى عمر الخلافة سنة ١٣ هـ بعد وفاة أبي بكر الصديق رضي الله عنه الذي عهد إليه بها، وانتهت خلافته باستشهاده سنة ٢٣ هـ، فكانت مدتها نحو عشر سنوات. وسُمّي في عهده بأمير المؤمنين، وهو أول من لُقّب بهذا اللقب.
خامسًا: الفتوحات في عهده
اتسعت الدولة الإسلامية في عهد عمر اتساعًا كبيرًا بفضل الله ثم بجهود القادة والجنود، ومن أبرز الفتوحات:
- بلاد الشام: ومنها معركة اليرموك سنة ١٥ هـ، وفتح دمشق، ثم فتح بيت المقدس سنة ١٦ هـ حيث تسلم عمر مفاتيحها بنفسه وأعطى أهلها الأمان في ما عرف بالعهدة العمرية.
- العراق وفارس: ومنها معركة القادسية سنة ١٥ هـ بقيادة سعد بن أبي وقاص، ثم معركة نهاوند في آخر عهده.
- مصر: فتحها عمرو بن العاص رضي الله عنه في عهد عمر.
وكان عمر يتابع القادة بالرسائل، ويوصيهم بتقوى الله وبالرفق بالناس وعدم الظلم.
سادسًا: إنجازاته الإدارية
- الدواوين: أنشأ ديوان العطاء، وهو سجل يُكتب فيه أسماء الجند والمستحقين من بيت المال مع ما يعطى لكل واحد منهم، وكان من أوائل من دوّنوا الدواوين في الإسلام.
- التقويم الهجري: أرّخ عمر للمسلمين بالهجرة النبوية بعد مشورة الصحابة، فجعلوا بداية التقويم هجرة النبي ﷺ من مكة إلى المدينة، ثم اعتمدوا شهر محرم بداية السنة.
- المدن والولايات: قسّم الدولة إلى ولايات وولّى عليها ولاة ثقاة، وأسس مدنًا جديدة مثل البصرة والكوفة، وكان يحاسب الولاة ويراقبهم.
- القضاء: عيّن القضاة في الأمصار، وكتب إليهم وصايا في القضاء بالعدل.
- رعاية الناس: كان يتفقد أحوالهم ليلًا، وفرض لهم العطاء، وأشرف على الإغاثة في عام الرمادة عندما أصاب الناس جدب وقحط شديد.
سابعًا: عدله وزهده
اشتهر عمر بعدله، فلم يكن يفرق في الحق بين قريب وبعيد ولا بين أمير وعامة، وكان يحاسب نفسه قبل غيره. وعاش حياة بسيطة رغم سعة الدولة، فكان لباسه متواضعًا، ويمشي في الأسواق، ويتفقد الرعية بنفسه. وكان رضي الله عنه من أهل العلم والفقه بين الصحابة، يجتهد في المسائل الجديدة، ويرجع إلى القرآن الكريم والسنة النبوية، ويستشير كبار الصحابة قبل أن يقضي. وكان يستشير الصحابة ويقبل النصيحة والحق من أي أحد.
ثامنًا: استشهاده
في أواخر ذي الحجة سنة ٢٣ هـ، طعنه أبو لؤلؤة المجوسي، وهو غلام للمغيرة بن شعبة، بخنجر وهو يصلي الفجر بالناس في المسجد النبوي. وبقي عمر أيامًا، ثم توفي رضي الله عنه شهيدًا، وهو ابن ثلاث وستين سنة على أشهر الأقوال، ودُفن بجوار النبي ﷺ وأبي بكر رضي الله عنهما في حجرة عائشة رضي الله عنها بإذنها. وقبل وفاته جعل الأمر شورى بين ستة من الصحابة، فاختاروا بعده عثمان بن عفان رضي الله عنه.
الخاتمة
كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه نموذجًا للحاكم العادل والمسلم القوي الأمين. جمع بين الشجاعة والتواضع، وبين الحزم والرحمة، وأقام دولة قوية بنظمها وعدلها. وعلينا أن نتعلم من سيرته أن العدل أساس الحكم، وأن القوة لا تنفع إلا مع التقوى، وأن المسؤول خادم للناس. رضي الله عنه وأرضاه.
المراجع
- ابن هشام، السيرة النبوية.
- ابن سعد، الطبقات الكبرى.
- الطبري، تاريخ الرسل والملوك.
- ابن كثير، البداية والنهاية.
- ابن الأثير، أسد الغابة في معرفة الصحابة.
- علي محمد الصلابي، فصل الخطاب في سيرة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب.