مقدمة البحث
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فقد كرّم الإسلام المرأة تكريمًا عظيمًا، فجعلها شقيقة الرجل في التكاليف والجزاء، وصان حقوقها وحفظ كرامتها. وتتردد في عصرنا أسئلة كثيرة عن عمل المرأة: هل هو جائز؟ وما حدوده وضوابطه؟ وكيف توازن بين عملها ورسالتها في بيتها؟ وفي هذا البحث نجيب عن هذه الأسئلة بالرجوع إلى نصوص الكتاب والسنة وسيرة السلف الصالح، وبمنهج أهل السنة والجماعة.
تعريف الموضوع
يُقصد بعمل المرأة كل جهد مشروع تبذله المرأة لكسب الرزق أو لخدمة المجتمع، سواء أكان داخل البيت كالتعليم والخياطة والتجارة المنزلية، أم خارجه كالتدريس والتطبيب والتمريض والإدارة وغيرها من الأعمال المباحة. وفي الإسلام أن الأصل في الأعمال النافعة الإباحة، ما لم يرد دليل بالمنع، وأن يكون العمل موافقًا لضوابط الشريعة التي سنبينها.
أهمية الموضوع
تأتي أهمية هذا الموضوع من كونه يمسّ نصف المجتمع، ومن اختلاف الناس فيه بين من يضيّق على المرأة حتى يحرمها من عمل نافع تحتاج إليه، ومن يفتح لها الأبواب بلا ضوابط حتى يضيع دينها وأسرتها. والإسلام جاء بالوسطية والاعتدال، وفي بيان موقفه الصحيح حفظ لحقوق المرأة وللأسرة والمجتمع معًا.
أهداف البحث
- بيان الأصل الشرعي لعمل المرأة وأدلته من القرآن والسنة.
- عرض نماذج لعمل المرأة في عهد النبوة وعصر الصحابة.
- توضيح الضوابط الشرعية التي تحكم عمل المرأة.
- بيان كيفية الموازنة بين العمل والمسؤوليات الأسرية.
- التعرف على أبرز المجالات المناسبة لعمل المرأة.
عناصر البحث
أولًا: المرأة والرجل في أصل التكليف والجزاء
سوّى الإسلام بين الرجال والنساء في أصل التكليف وفي الجزاء على الأعمال، فقال الله تعالى:
﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ۖ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: 97]
وقال سبحانه في بيان تعاون المؤمنين والمؤمنات في خدمة المجتمع:
﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ۚ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ۚ أُولَٰئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: 71]
وفي هذا دليل على أن للمرأة دورًا في الإصلاح وخدمة المجتمع، لا ينحصر في بيتها وحده.
ثانيًا: إثبات حق المرأة في الكسب والملكية
أثبت القرآن للمرأة نصيبًا مما تكسبه بعملها، كما أثبت للرجل، فقال تعالى:
﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ۚ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا ۖ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ ۚ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ [النساء: 32]
فللمرأة ذمة مالية مستقلة، تتملك وتبيع وتشتري وتتصدق وتستثمر مالها، ولا يملك أحد أن يأخذ منه شيئًا بغير رضاها.
ثالثًا: من القرآن، قصة ابنتي الرجل الصالح في مدين
حكى القرآن الكريم قصة امرأتين خرجتا لسقي الغنم عندما كبر أبوهما، وفي ذلك دليل على جواز خروج المرأة للعمل عند الحاجة، مع الالتزام بالحياء والأدب في القول والمشي:
﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ ۖ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا ۖ قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّىٰ يُصْدِرَ الرِّعَاءُ ۖ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ (٢٣) فَسَقَىٰ لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّىٰ إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ (٢٤) فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا ۚ فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لَا تَخَفْ ۖ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٢٥) قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ ۖ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ (٢٦)﴾ [القصص: 23–26]
ونلاحظ أن الحاجة دفعتهما إلى العمل، وأنهما انتظرتا حتى ينصرف الرعاة تجنبًا للاختلاط، وأن المرأة التي جاءت إلى موسى عليه السلام جاءت تمشي على استحياء، وأن الحوار كان بقدر الحاجة. فهذه الآيات تقدم لنا ميزانًا للعمل المشروع: حاجة، وحياء، وبعد عن مواطن الفتنة.
رابعًا: من السنة النبوية
حثّت السنة على الكسب الحلال والعمل، وهو عام للرجال والنساء:
«مَا أَكَلَ أَحَدٌ طَعَامًا قَطُّ خَيْرًا مِنْ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ» (رواه البخاري)
ومن الأدلة الصريحة على خروج المرأة للعمل ما رواه جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، فقد طُلّقت خالته وهي في عدتها، فأرادت أن تقطف ثمر نخلها، فنهاها رجل عن الخروج، فجاءت النبي صلى الله عليه وسلم تسأله، فأذن لها وبيّن أن في عملها خيرًا:
«بَلَى فَجُدِّي نَخْلَكِ فَإِنَّكِ عَسَى أَنْ تَصَدَّقِي أَوْ تَفْعَلِي مَعْرُوفًا» (رواه مسلم)
وفي الحديث الصحيح تقرير مسؤولية المرأة عن بيتها وأسرتها:
«كُلُّكُمْ رَاعٍ فَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، فَالأَمِيرُ الَّذِي عَلَى النَّاسِ رَاعٍ وَهْوَ مَسْئُولٌ عَنْهُمْ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ عَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ وَهْوَ مَسْئُولٌ عَنْهُمْ، وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ عَلَى بَيْتِ بَعْلِهَا وَوَلَدِهِ وَهْىَ مَسْئُولَةٌ عَنْهُمْ، وَالْعَبْدُ رَاعٍ عَلَى مَالِ سَيِّدِهِ وَهْوَ مَسْئُولٌ عَنْهُ، أَلاَ فَكُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ» (رواه البخاري)
فكل إنسان مسؤول في موقعه، والمرأة مسؤولة عن بيتها وأولادها، وهذا لا يمنع أن تكون مسؤولة كذلك في عمل نافع إذا أمكنها الجمع بين الأمرين.
خامسًا: نماذج من سيرة النساء في الصدر الأول
- خديجة بنت خويلد رضي الله عنها: كانت تاجرة ذات مال وشرف، تستأجر الرجال في تجارتها، وقد عملت قبل الإسلام وبعده، وكانت سندًا عظيمًا للنبي صلى الله عليه وسلم في بداية الدعوة.
- الربيّع بنت معوّذ رضي الله عنها: روت أن النساء كنّ يخرجن مع النبي صلى الله عليه وسلم في غزواته فيسقين القوم ويخدمنهم ويردّدن الجرحى والقتلى إلى المدينة، وهذا في البخاري.
- رُفيدة الأسلمية رضي الله عنها: اشتهرت بمداواة الجرحى في خيمة خاصة بها في المسجد، وتُعد من أوائل الممرضات في الإسلام.
- أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما: عملت في رعاية الفرس وجلب العلف وغيره وساعدت زوجها في شؤونه، مع قيامها بشؤون بيتها.
- عائشة رضي الله عنها: كانت معلمة ومفتية، يأتيها كبار الصحابة يسألونها فتجيبهم، فكانت من أعظم من نقل العلم للأمة.
سادسًا: الضوابط الشرعية لعمل المرأة
ينبغي أن يتوافر في عمل المرأة عدد من الضوابط، من أهمها:
- مشروعية العمل نفسه: أن يكون العمل مباحًا في ذاته، فلا يتضمن محرمًا كالتعامل بالربا أو ما فيه إثم.
- التزام الحجاب الشرعي: فتخرج بلباس ساتر يحقق الحشمة، وبلا تبرج أو تعطر يلفت الأنظار.
- البعد عن الخلوة بالأجنبي: فلا يجوز أن تخلو المرأة برجل ليس محرمًا لها، وتُراعى بيئة عمل آمنة ومحترمة.
- الحشمة في الحديث والتعامل: بلا خضوع في القول ولا ابتذال، وبقدر الحاجة.
- مراعاة إذن وليّها أو زوجها: بما يحقق التفاهم ويحفظ حقوق الأسرة.
- ألا يطغى العمل على واجباتها الأسرية: فلا تضيع حقوق الزوج والأولاد.
- تفضيل الأعمال المناسبة لطبيعتها: كالتعليم والطب والتمريض ونحوها مما تحتاجه النساء خاصة في المجتمع.
سابعًا: الموازنة بين العمل والأسرة
الأسرة هي الأساس الأول لاستقرار المجتمع، ودور الأم في تربية الأولاد لا يعوّضه غيرها. ولذلك فإن على المرأة العاملة أن تنظم وقتها، وأن يتعاون معها زوجها وأهلها، وأن تختار الأعمال المرنة أو ذات الدوام المناسب إن أمكن. وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم في خدمة أهله، فعلى الرجل أن يعين زوجته ولا يحمّلها فوق طاقتها. وإذا تعارض العمل مع مصلحة الأسرة الراجحة قُدّمت المصلحة الأعظم، ولكل أسرة ظروفها التي تُقدَّر بالحكمة والتشاور.
ثامنًا: مجالات عمل المرأة المناسبة
| المجال | أمثلة |
|---|---|
| التعليم | معلمة، أستاذة جامعية، مشرفة تربوية |
| الصحة | طبيبة، ممرضة، صيدلانية، أخصائية تغذية |
| التجارة والأعمال | سيدة أعمال، مشاريع منزلية، تجارة إلكترونية |
| الإدارة والخدمات | إدارة مدارس، مراكز نسائية، أعمال إدارية |
| العمل الخيري | الجمعيات الخيرية، الدعوة والتوعية، رعاية الأيتام |
| التقنية والإبداع | البرمجة، التصميم، الكتابة، العمل عن بُعد |
النتائج
- الأصل في عمل المرأة الإباحة بشرط الالتزام بالضوابط الشرعية.
- للمرأة في الإسلام ذمة مالية مستقلة وحق في الكسب والملك.
- وردت في الكتاب والسنة والسيرة أدلة ونماذج على عمل المرأة.
- الموازنة بين العمل وواجبات الأسرة مسؤولية مشتركة بين الزوجين.
التوصيات
- توفير بيئات عمل آمنة ومحتشمة تراعي خصوصية المرأة.
- تشجيع الأعمال المرنة والعمل عن بُعد لتسهيل الجمع بين العمل والأسرة.
- نشر الوعي بالحقوق والواجبات الشرعية للمرأة العاملة.
- الرجوع إلى أهل العلم عند الاستفتاء في المسائل التفصيلية.
الخاتمة
خلصنا في هذا البحث إلى أن الإسلام لم يمنع المرأة من العمل المشروع، بل أقرّه عند الحاجة وعند النفع، وأحاطه بضوابط تحفظ دينها وكرامتها وأسرتها. وفي سيرة الصحابيات نماذج مشرقة لنساء جمعن بين العلم والعمل والعفاف. فعلى المجتمع أن يوفر للمرأة بيئة تعين على أداء رسالتها، وعلى المرأة أن تجعل العمل وسيلة لخدمة دينها ومجتمعها، مع القيام بما أوجبه الله عليها في بيتها.
المراجع
- القرآن الكريم.
- صحيح البخاري وصحيح مسلم.
- «الطبقات الكبرى» لابن سعد، في تراجم الصحابيات.
- «السيرة النبوية» لابن هشام.
- كتب الفقه الإسلامي في أحكام المرأة والأسرة.
- الأنظمة المنظمة للعمل في المملكة العربية السعودية.