مقدمة البحث
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد خاتم الأنبياء والمرسلين. أما بعد، فإن الإيمان بجميع الأنبياء والرسل ركن من أركان الإيمان عند المسلمين، ولا نفرّق بين أحد منهم. ومن الرسل الكرام الذين خصّهم القرآن بالذكر الجميل نبي الله عيسى ابن مريم عليه السلام، أحد أولي العزم من الرسل، وقد جاء في القرآن الكريم ذكر ولادته المعجزة ودعوته ومعجزاته ورفعه. وفي هذا البحث نتعرف على سيرته كما وردت في القرآن الكريم والسنة الصحيحة، ونبيّن عقيدة المسلمين فيه بأدب واحترام.
تعريف الموضوع
عيسى عليه السلام هو رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، ولقبه المسيح، وهو آخر أنبياء بني إسرائيل، وبعثه الله إليهم مصدقًا لما بين يديه من التوراة ومبشرًا برسول يأتي من بعده اسمه أحمد. وأنزل الله عليه الإنجيل. وقد ذُكر في القرآن الكريم باسمه «عيسى» ولقبه «المسيح» وبنسبته إلى أمه «ابن مريم»، وذلك لبيان أنه وُلد بلا أب. وهو أقرب الأنبياء زمنًا إلى نبينا محمد ﷺ.
أهمية الموضوع
- الإيمان بعيسى عليه السلام جزء من عقيدة المسلم في الإيمان بالرسل.
- يصحح هذا الموضوع المفاهيم الخاطئة حول مكانته وحقيقته.
- يعرّف بمنهج الإسلام العادل في احترام الأنبياء كلهم.
- يتضمن عبرًا كثيرة في التوكل والصبر والعفاف ومحبة الخير.
- يوضح ما صح من العلامات المتعلقة بنزوله في آخر الزمان.
أهداف البحث
- التعرف على مولد عيسى عليه السلام وأمه مريم كما في القرآن.
- معرفة معجزاته ودعوته.
- بيان عقيدة المسلمين في رفعه ونزوله.
- التعرف على الفرق بين العقيدة الإسلامية الصحيحة والتصورات الأخرى عنه، بأدب واحترام.
- استخلاص الدروس والعبر.
محاور البحث
أولًا: أمه مريم عليها السلام
اصطفى الله مريم عليها السلام وطهّرها على نساء العالمين، كما قال الله تعالى:
﴿وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَىٰ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ﴾ [ال عمران: 42]
وقد أحصنت فرجها وصدّقت بكلمات ربها وكانت من القانتين، كما بيّن الله في سورة التحريم:
﴿وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ﴾ [التحريم: 12]
وكانت مريم مثالًا في العفة والعبادة والانقطاع لله، وكفلها زكريا عليه السلام.
ثانيًا: ولادة عيسى عليه السلام
بشّرت الملائكة مريم بغلام اسمه المسيح عيسى ابن مريم، وجعل الله ولادته آية معجزة بلا أب، قال تعالى:
﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ [ال عمران: 45]
وانتبذت مريم من قومها مكانًا بعيدًا حين حملت به بأمر الله، وأتاها المخاض:
﴿فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا﴾ [مريم: 22]
وهذه الولادة ليست دليلًا على ألوهيته، فالله تعالى بيّن أن مثله كمثل آدم عليه السلام الذي خلقه من غير أب ولا أم:
﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ ۖ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [ال عمران: 59]
فالله قادر على كل شيء، يخلق ما يشاء بكلمة «كن».
ثالثًا: كلامه في المهد
لما جاءت مريم قومها تحمله اتهموها، فأشارت إلى المولود، فنطق بإذن الله ببراءتها، وكان أول ما قاله إقرارًا بالعبودية لله:
﴿قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (٣٠) وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا (٣١) وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا (٣٢) وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا (٣٣)﴾ [مريم: 30–33]
وهذه معجزة أخرى ظهرت في طفولته، وقد جاء في سورة آل عمران أنه يكلّم الناس في المهد وكهلًا.
رابعًا: معجزاته
أيّد الله عيسى عليه السلام بمعجزات عظيمة كلها بإذن الله وليس بقدرته الذاتية، وقد ذكرها القرآن الكريم في سورة آل عمران:
﴿وَرَسُولًا إِلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ ۖ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ ۖ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَىٰ بِإِذْنِ اللَّهِ ۖ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [ال عمران: 49]
| المعجزة | المعنى |
|---|---|
| الكلام في المهد | تبرئة أمه وهو رضيع |
| إبراء الأكمه والأبرص | شفاء من لا يُرجى شفاؤه بإذن الله |
| إحياء الموتى | بإذن الله |
| الخلق من الطين كهيئة الطير | ينفخ فيه فيكون طيرًا بإذن الله |
| الإخبار بالغيب | ما يخفيه الناس في بيوتهم |
وفي كل ذلك كان يؤكد لقومه أن ذلك بإذن الله، وأنه عبد الله ورسوله.
خامسًا: دعوته وكتابه
جاء عيسى عليه السلام إلى بني إسرائيل يدعوهم إلى عبادة الله وحده وتصحيح ما انحرفوا فيه، وأيّده الله بالإنجيل، وعلّمه الكتاب والحكمة. وقد بشّر بنبينا محمد ﷺ كما أخبر القرآن:
﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ ۖ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَٰذَا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [الصف: 6]
وكان له أصحاب أوفياء يُسمَّون الحواريين نصروا دينه وآمنوا برسالته، وقد شهد الله لهم بالنصرة لدينه. لكن كثيرًا من بني إسرائيل كذّبوه وعادَوه وسعوا في إيذائه.
سادسًا: رفعه إلى السماء
أراد أعداء عيسى عليه السلام قتله وصلبه، لكن الله نجّاه ورفعه إليه، وهذا ما بيّنه القرآن بوضوح:
﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَٰكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ ۚ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ ۚ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ ۚ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا (١٥٧) بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ ۚ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (١٥٨)﴾ [النساء: 157–158]
وفي سورة آل عمران وعدٌ من الله له بالتوفّي والرفع والتطهير من الذين كفروا:
﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَىٰ إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ ۖ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ [ال عمران: 55]
وعليه فإن عقيدة المسلمين أن عيسى عليه السلام حيّ في السماء رفعه الله، وأنه لم يُقتل ولم يُصلب.
سابعًا: عقيدة المسلمين في عيسى عليه السلام
يؤمن المسلمون بأن عيسى عليه السلام عبد الله ورسوله، وبأنه بشر خلقه الله بمعجزة، وأنه ليس إلهًا ولا ابن إله. وقد بيّن القرآن ذلك فقال:
﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ ۖ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ ۗ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ﴾ [المائدة: 75]
ونهى القرآن عن الغلو في الدين:
﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ ۖ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ ۖ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ ۖ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ [المائدة: 72]
وقد حذّر النبي ﷺ أمته من الغلو في الأنبياء، وقال:
«لاَ تُطْرُونِي كَمَا أَطْرَتِ النَّصَارَى ابْنَ مَرْيَمَ، فَإِنَّمَا أَنَا عَبْدُهُ، فَقُولُوا عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ» (رواه البخاري)
ونحن نقول هذا في سياق بيان عقيدتنا، ونعامل أتباع الأديان الأخرى بالعدل والاحترام، ونحن مأمورون بالدعوة بالحسنى وعدم الإساءة إلى معتقدات الآخرين.
ثامنًا: نزول عيسى عليه السلام آخر الزمان
ثبت في الأحاديث الصحيحة أن عيسى عليه السلام ينزل في آخر الزمان حَكَمًا عدلًا يحكم بشريعة الإسلام، وأن ذلك من علامات الساعة الكبرى. وقد أشار القرآن الكريم إلى ذلك فقال:
﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ فَلَا تَمْتَرُنَّ بِهَا وَاتَّبِعُونِ ۚ هَٰذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ [الزخرف: 61]
وفي الحديث الصحيح قال النبي ﷺ:
«وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَيُوشِكَنَّ أَنْ يَنْزِلَ فِيكُمُ ابْنُ مَرْيَمَ حَكَمًا مُقْسِطًا فَيَكْسِرَ الصَّلِيبَ، وَيَقْتُلَ الْخِنْزِيرَ، وَيَضَعَ الْجِزْيَةَ» (رواه البخاري)
ومعنى «يكسر الصليب» أنه يبطل ما يُعتقد فيه، و«يقتل الخنزير» أي يحرّم أكله ويقضي عليه، و«يضع الجزية» أي لا يقبل إلا الإسلام. وأما تفاصيل زمان نزوله وأحداثه فلا نخوض فيها إلا بما ثبت في الأحاديث الصحيحة.
تاسعًا: دروس وعبر من حياته
- العبودية لله: أول كلمة قالها في المهد أنه عبد الله.
- عفة الأمهات: قدوة مريم في الطهر والإيمان.
- الصبر على الأذى: فقد أوذي كثيرًا ولم يتراجع عن دعوته.
- التواضع والبر: فقد أخبر في المهد ببره بوالدته وتواضعه.
- وحدة الرسالة: جميع الأنبياء جاؤوا بالتوحيد، وهذا يجمعهم مع نبينا ﷺ.
النتائج
- عيسى عليه السلام عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم.
- وُلد بمعجزة من غير أب، وتكلّم في المهد.
- أيّده الله بمعجزات كلها بإذن الله.
- لم يُقتل ولم يُصلب بل رفعه الله إليه.
- ينزل آخر الزمان حَكَمًا عدلًا بشريعة الإسلام.
التوصيات
- قراءة الآيات التي تناولت قصة مريم وعيسى في آل عمران ومريم والمائدة.
- التمسك بعقيدة الإسلام في الأنبياء من غير غلو ولا تقصير.
- التعامل بالعدل والاحترام مع أصحاب الأديان الأخرى.
- الرجوع إلى العلماء الثقات في مسائل العقيدة وأشراط الساعة.
الخاتمة
عرفنا في هذا البحث أن عيسى عليه السلام من أكرم الرسل على الله، وأن المسلمين يحبونه ويؤمنون به ويوقّرونه، وينزّهونه عن كل ما لا يليق به. وأن الله رفعه إليه وسينزل آخر الزمان. نسأل الله أن يحشرنا مع الأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين.
المراجع
- القرآن الكريم.
- صحيح البخاري وصحيح مسلم.
- تفسير القرآن العظيم لابن كثير، وتفسير الطبري، وتفسير السعدي.
- كتاب «قصص الأنبياء» لابن كثير.
- كتاب «النهاية في الفتن والملاحم» لابن كثير.