مقدمة البحث
الحمد لله الذي شرع الزواج وجعله سكنًا ومودة ورحمة، والصلاة والسلام على نبينا محمد. أما بعد، فقد قال الله تعالى:
﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الروم: 21]
والزواج من أعظم نعم الله على عباده، به تُبنى الأسرة ويستمر النسل وتُصان الأعراض ويستقر المجتمع. وقد شرع الإسلام المهر إكرامًا للمرأة وإظهارًا لرغبة الرجل الصادقة، ويسّر أمره. غير أن بعض المجتمعات ابتُليت بالمبالغة في المهور والتكاليف المصاحبة للزواج، فتأخر زواج كثير من الشباب والفتيات. وفي هذا البحث نتناول مشكلة غلاء المهور وأسبابها وآثارها وحلولها.
تعريف الموضوع
المهر، ويسمى الصداق، هو المال الذي يجب على الزوج دفعه للزوجة بسبب عقد الزواج إكرامًا لها وتعبيرًا عن رغبته في الزواج منها. وغلاء المهور هو المغالاة في مقداره بما يفوق طاقة الشباب عادة، ويدخل في ذلك ما يرتبط به من تكاليف حفلات الزواج وتجهيزات الأعراس والهدايا والمظاهر. وهو ظاهرة اجتماعية لا تنتج عن حكم شرعي، بل عن عادات وتقاليد متوارثة وتنافس بين الناس.
أهمية الموضوع
تظهر أهمية الموضوع في أن المغالاة في المهور تؤدي إلى عزوف كثير من الشباب عن الزواج أو تأخره، وإلى الوقوع في الديون، كما أنها تتعارض مع مقاصد الشريعة التي دعت إلى تيسير الزواج. ومعالجتها تحفظ الشباب وتبني الأسر وتقوّي المجتمع.
أهداف البحث
- بيان معنى المهر وحكمه وحكمته في الإسلام.
- توضيح موقف الشريعة من المغالاة في المهور.
- التعرف على أسباب غلاء المهور في المجتمع.
- بيان آثار الغلاء على الشباب والأسرة والمجتمع.
- اقتراح حلول وتوصيات للتيسير.
عناصر البحث
أولًا: المهر في الإسلام
المهر حق خالص للمرأة، وقد أوجبه الله تعالى بقوله:
﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً ۚ فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ [النساء: 4]
وهو ليس ثمنًا للمرأة ولا عوضًا عن شخصها، بل هو هدية وإكرام وعلامة على الجد في طلب الزواج. وللمهر حكم عظيمة منها إظهار قيمة عقد الزواج وشرفه، وتمليك المرأة مالًا يعينها على متطلباتها، وإثبات رغبة الرجل الصادقة في البناء الأسري. ولم يحدد الشرع للمهر حدًا أعلى لا يُتجاوز، لكنه رغّب في التيسير وكراهة المبالغة التي تُثقل الأزواج، وقد كانت مهور النبي ﷺ لزوجاته وبناته من الأمور المعروفة المدوّنة في كتب السيرة، وهي في الجملة مهور ميسّرة لم تُثقل أحدًا.
ثانيًا: ترغيب الشرع في الزواج وتيسيره
حثّ الله تعالى المسلمين على تزويج من يحتاج إلى الزواج، فقال:
﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَىٰ مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ ۚ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ ۗ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [النور: 32]
وحثّ النبي ﷺ الشباب على الزواج وبيّن فضله وأثره في العفاف، فقال:
«يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ مَنِ اسْتَطَاعَ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ، وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ، فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ» (رواه البخاري)
وأرشد إلى أن المعيار الأول في اختيار الزوج هو الدين والخلق لا المال والمظاهر، فقال:
«إِذَا خَطَبَ إِلَيْكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ فَزَوِّجُوهُ إِلاَّ تَفْعَلُوا تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ عَرِيضٌ» (رواه الترمذي)
فهذه النصوص تدل على أن العبرة بصلاح الزوج وأخلاقه، وأن تعسير الزواج بالمطالب المالية الباهظة يفتح أبوابًا للمشكلات والفساد. ولذلك دعا العلماء إلى التخفيف في المهور والنفقات المصاحبة لها، وقرّرت لجان وهيئات كثيرة في بلدان مختلفة ضوابط لتخفيف تكاليف الزواج.
ثالثًا: أسباب غلاء المهور
- التفاخر والتباهي: التنافس بين العائلات في مقدار المهر ومظاهر الزواج.
- العادات والتقاليد: اعتبار المهر الكبير دليلًا على مكانة المرأة وأسرتها، وهو اعتبار غير صحيح.
- قياس مهر الفتاة على مهور قريباتها: فيصير كل مهر مرتفع سابقة يُحتج بها.
- طمع بعض الأولياء: النظر إلى الزواج بوصفه فرصة لكسب المال.
- ارتفاع تكاليف المعيشة والحفلات: وتأثير الإعلام ومواقع التواصل في نشر مظاهر الترف.
- ضعف الوعي الديني: الغفلة عن هدي النبي ﷺ في التيسير.
رابعًا: آثار غلاء المهور
| الجانب | الأثر |
|---|---|
| الشباب | تأخر الزواج والعزوف عنه، والتحمل بالديون، وقد يلجأ بعضهم إلى طرق غير سليمة |
| الفتيات | تأخر الزواج وزيادة نسبة من لم تتزوج، والشعور بالقلق والحرج |
| الأسرة | إرهاق مالي منذ بداية الحياة الزوجية، وتوتر قد يؤثر في استقرار البيت |
| المجتمع | انتشار الانحراف الأخلاقي بسبب تعثر الزواج، وانخفاض معدلات الإنجاب، وتفاقم المشكلات الاجتماعية |
خامسًا: الحلول والتوصيات
- نشر الوعي بهدي النبي ﷺ في تيسير الزواج وتخفيف المهر.
- أن يتواصى الأولياء على مهور معتدلة، وتحديد مبالغ ميسرة بالاتفاق بين الأسر أو القبائل.
- دور الخطباء والعلماء ووسائل الإعلام في ترسيخ ثقافة التيسير والقناعة.
- دعم الجمعيات الخيرية لمشاريع الزواج الجماعي وتقديم المساعدة للشباب غير القادرين.
- تقليل مظاهر الإسراف في حفلات الزواج وتجنب التباهي بها.
- اختيار الأولياء للزوج على أساس الدين والخلق قبل المال.
- تثقيف المقبلين على الزواج في إدارة الميزانية الأسرية وتجنب الديون.
وقد أسهمت في المملكة جمعيات تيسير الزواج وصناديق خيرية في دعم الشباب الراغبين في الزواج، وهي نموذج حسن للتكافل المجتمعي. ويحسن بكل أسرة أن تتذكر أن المال يذهب والمودة تبقى، وأن أعظم بركات الزواج في الرحمة والتفاهم لا في المظاهر.
سادسًا: التوازن بين الإكرام والتيسير
لا يعني الدعوة إلى التيسير الانتقاص من حق المرأة في مهرها أو من قيمة الزواج، فالمهر حق لها تتصرف فيه كما تشاء، وإكرامها مطلوب. لكن المطلوب هو الاعتدال، فلا إفراط يرهق الشباب ويُعطّل الزواج، ولا تفريط يُضيّع حق المرأة. ومن الحسن أن يتفاهم الخاطب والولي بصدق وهدوء، وأن تتذكر الفتاة وأهلها أن الشاب الصالح الكفء هو الكنز الحقيقي، وأن يتذكر الشاب أن إكرام زوجته بالمعاملة الطيبة أبقى من أي مبلغ.
الخاتمة
عرضنا في هذا البحث مفهوم المهر وحكمه، وموقف الشريعة من تيسير الزواج، وأسباب غلاء المهور وآثارها وحلولها. ويتضح أن الإسلام يريد تيسير الزواج وإعفاف الشباب وبناء الأسر على الدين والخلق، وأن المغالاة في المهور عادة مرهقة لا أصل لها في الشرع. ونسأل الله أن ييسر أمر الزواج لشبابنا وبناتنا وأن يبارك في بيوت المسلمين.
المراجع
- القرآن الكريم، وصحيح البخاري وجامع الترمذي.
- فتح الباري شرح صحيح البخاري، ابن حجر العسقلاني.
- زاد المعاد في هدي خير العباد، ابن قيم الجوزية.
- الفقه الميسر، وكتب الفقه في أحكام الزواج المقررة في المناهج الشرعية.
- المؤتمرات وبيانات الجهات الرسمية والخيرية في المملكة العربية السعودية حول تيسير الزواج.
كلمات دليلية
بحث، بحث عن، بحث علمي، بحوث، غلاء المهور