مقدمة البحث

الحمد لله الذي علّم القرآن، خلق الإنسان علّمه البيان، والصلاة والسلام على نبينا محمد أفصح العرب لسانًا. أما بعد، فقد نزل القرآن الكريم بلغة العرب في أعلى مراتب الفصاحة والبلاغة، فأعجز البلغاء، وتحدّى الله به أهل اللسان. وقد أشار الله تعالى إلى نعمة البيان فقال:

﴿الرَّحْمَٰنُ (١) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (٢) خَلَقَ الْإِنْسَانَ (٣) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ (٤)﴾ [الرحمن: 1–4]

ومن هنا نشأ علم البلاغة لخدمة فهم القرآن والتمييز بين جيد الكلام ورديئه. وفي هذا البحث نتعرف على علم البلاغة وفروعه الثلاثة: المعاني والبيان والبديع، مع أمثلة توضيحية.

تعريف الموضوع

البلاغة في اللغة الوصول والانتهاء، يقال بلغ فلان مراده إذا وصل إليه. وفي الاصطلاح هي مطابقة الكلام لمقتضى الحال مع فصاحته، أي أن يكون الكلام مناسبًا للموقف والمخاطَب، وأن تكون ألفاظه فصيحة سليمة. والفرق بين الفصاحة والبلاغة أن الفصاحة تتعلق بسلامة اللفظ والمعنى، والبلاغة تتعلق بمناسبة الكلام للمقام. فالمتكلم البليغ هو من يوصل المعنى إلى السامع بأحسن عبارة وأنسبها.

أهمية الموضوع

علم البلاغة من أشرف علوم العربية، تظهر أهميته في أنه يعين على تذوق جمال القرآن الكريم وفهم أسراره والوقوف على وجوه إعجازه، كما يساعد على فهم الشعر والنثر العربي، وينمّي ملكة الكتابة والخطابة والتعبير عند الطالب، ويجعله قادرًا على اختيار العبارة المناسبة لكل موقف. وهو من العلوم التي لا غنى عنها لمن يدرس التفسير والأدب.

أهداف البحث

  • التعرف على مفهوم علم البلاغة ونشأته.
  • التعرف على فروع البلاغة الثلاثة وموضوع كل منها.
  • توضيح أبرز الأساليب البلاغية بالأمثلة.
  • الاستشهاد على بعضها بأمثلة من القرآن الكريم.
  • بيان أثر البلاغة في تذوق النصوص وتحسين الأسلوب.

عناصر البحث

أولًا: نشأة علم البلاغة

بدأت البلاغة ملاحظات متفرقة عند العرب في الجاهلية والإسلام عند نقد الشعر والخطب. ثم ازدادت العناية بها بعد نزول القرآن ورغبة العلماء في إثبات إعجازه وبيان أسرار نظمه. وصنّف فيها الجاحظ كتابه المشهور «البيان والتبيين»، وألّف ابن المعتز في البديع. وبلغت أوج نضجها مع الإمام عبد القاهر الجرجاني في كتابيه «دلائل الإعجاز» و«أسرار البلاغة»، ثم رتّب السكاكي مباحثها في «مفتاح العلوم»، ولخّصها الخطيب القزويني في «تلخيص المفتاح» و«الإيضاح»، وعلى هذه الكتب اعتمد من جاء بعدهم في تقسيمها إلى معانٍ وبيان وبديع.

ثانيًا: فروع علم البلاغة

الفرعموضوعهأبرز مباحثه
علم المعانيمطابقة الكلام لمقتضى الحال، وترتيب أجزاء الجملةالخبر والإنشاء، والتقديم والتأخير، والحذف والذكر، والقصر، والإيجاز والإطناب
علم البيانإيراد المعنى الواحد بطرق مختلفة في وضوح الدلالةالتشبيه، والمجاز، والاستعارة، والكناية
علم البديعتحسين الكلام لفظًا ومعنىالمحسنات المعنوية كالطباق والمقابلة، واللفظية كالجناس والسجع

ثالثًا: علم المعاني

يبحث علم المعاني في أحوال الجملة العربية وما يناسب كل موقف من أساليب. ومن أهم موضوعاته:

  • الخبر والإنشاء: الخبر ما يحتمل الصدق والكذب، كقولك «الجو جميل»، وقد يخرج لأغراض أخرى كالمدح أو التحسر. والإنشاء ما لا يحتمل الصدق والكذب، وهو إما طلبي كالأمر والنهي والاستفهام والنداء والتمني، وإما غير طلبي كالتعجب والقسم.
  • التقديم والتأخير: فيقدّم المتكلم ما يهتم به لغرض بلاغي كالتخصيص أو التشويق.
  • الذكر والحذف: فقد يُحذف جزء من الجملة للإيجاز أو لدلالة السياق عليه.
  • القصر: تخصيص أمر بآخر بطرق كالنفي والاستثناء، وإنما.
  • الإيجاز والإطناب والمساواة: فالإيجاز قلة الألفاظ مع وفرة المعاني، والإطناب زيادة الألفاظ على المعنى لفائدة، والمساواة أن تكون الألفاظ بقدر المعاني.

رابعًا: علم البيان

يبحث علم البيان في طرق التعبير عن المعنى الواحد بصور مختلفة، بعضها أوضح من بعض، وله أربعة مباحث:

  1. التشبيه: إلحاق أمر بأمر في صفة بأداة، وله أركان أربعة: المشبّه والمشبّه به والأداة ووجه الشبه. مثاله: «العلم كالنور في الهداية». ومن أمثلته في القرآن:

﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ﴾ [الرحمن: 14]

  1. الاستعارة: تشبيه حُذف أحد طرفيه، فهي تشبيه بليغ يكتفى فيه بذكر المشبه به أو المشبه. مثاله: «رأيت أسدًا يخطب»، أي رجلًا شجاعًا. وقد جاء في القرآن استعارة جميلة في وصف الشيب:

﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا﴾ [مريم: 4]

  1. المجاز: استعمال اللفظ في غير معناه الأصلي لعلاقة مع قرينة تمنع المعنى الأصلي، وهو نوعان: المجاز المرسل والمجاز العقلي، فالأول علاقته غير المشابهة، كقولك «رعت الإبل الغيث» أي النبات، لأنه ناتج عنه.
  2. الكناية: لفظ أريد به لازم معناه مع جواز إرادة المعنى الأصلي. كقولنا «فلان كثير الرماد» كناية عن الكرم. ومن أمثلتها في القرآن الكناية عن البخل:

﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا﴾ [الإسراء: 29]

خامسًا: علم البديع

يهتم علم البديع بتحسين الكلام وتزيينه بعد رعاية مطابقته لمقتضى الحال ووضوح دلالته، وينقسم إلى:

  • المحسنات المعنوية: وهي التي يرجع التحسين فيها إلى المعنى، ومنها الطباق وهو الجمع بين لفظين متضادين، والمقابلة وهي الجمع بين معنيين متوافقين أو أكثر ثم ما يقابلهما على الترتيب، والتورية وغيرها. ومن الطباق في القرآن:

﴿وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ ۚ وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ ۖ وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ ۚ لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا﴾ [الكهف: 18]

  • المحسنات اللفظية: وهي التي يرجع التحسين فيها إلى اللفظ، ومنها الجناس وهو تشابه لفظين في النطق واختلافهما في المعنى، والسجع وهو توافق الفواصل في الحرف الأخير. ومن الجناس التام في القرآن:

﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ ۚ كَذَٰلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ﴾ [الروم: 55]

فالساعة الأولى يوم القيامة، والثانية وحدة من الزمن، وهما متفقتان في اللفظ مختلفتان في المعنى. ومن أمثلة السجع في كلام العرب: «من جدّ وجد، ومن زرع حصد».

سادسًا: أثر البلاغة في الأسلوب

  • تعين على فهم نصوص القرآن والسنة وإدراك أسرارها.
  • تنمّي الذوق الأدبي وتمكّن من التمييز بين الجيد والرديء من الكلام.
  • تثري التعبير الكتابي والشفهي بأساليب متنوعة.
  • تصون اللسان عن الركاكة والضعف.

النتائج

  • البلاغة مطابقة الكلام لمقتضى الحال مع فصاحته.
  • يتفرع علم البلاغة إلى المعاني والبيان والبديع.
  • يبحث المعاني في أحوال الجملة، والبيان في صور التعبير بالتشبيه والمجاز والاستعارة والكناية، والبديع في المحسنات المعنوية واللفظية.
  • القرآن الكريم هو أعلى نموذج بلاغي، وفيه شواهد لكل هذه الأساليب.
  • أسهم علماء كبار كالجاحظ وعبد القاهر الجرجاني والسكاكي والقزويني في تأسيس هذا العلم.

التوصيات

  • تدريب الطلاب على استخراج الصور البلاغية من النصوص الأدبية والقرآنية.
  • ربط دراسة البلاغة بالتطبيق في الكتابة والتعبير.
  • قراءة كتب أئمة البلاغة المبسطة والاستفادة من كتب التفسير في بيان لطائف القرآن.
  • حفظ نصوص جيدة من الشعر والنثر لتنمية الذوق.

الخاتمة

تعرفنا في هذا البحث على علم البلاغة ونشأته وفروعه الثلاثة المعاني والبيان والبديع، وما تشتمل عليه من أساليب. وتبين أن البلاغة وسيلة لفهم أسرار القرآن الكريم وتذوق جمال العربية. فلنحرص على دراسة هذا العلم وتطبيقه في كلامنا وكتابتنا.

المراجع

  • البيان والتبيين، الجاحظ.
  • دلائل الإعجاز وأسرار البلاغة، عبد القاهر الجرجاني.
  • مفتاح العلوم، السكاكي.
  • الإيضاح في علوم البلاغة، الخطيب القزويني.
  • البلاغة الواضحة، علي الجارم ومصطفى أمين.
  • كتب اللغة العربية والبلاغة للمرحلة الثانوية، وزارة التعليم في المملكة العربية السعودية.

كلمات دليلية

بحث، بحث عن، بحث علمي، بحوث، فروع علم البلاغة