مقدمة البحث
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد. أما بعد، فإن المطر نعمة من الله تحيا بها الأرض، وقد امتنّ الله بذلك على عباده فقال:
﴿وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ ۚ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا (٤٨) لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا (٤٩)﴾ [الفرقان: 48–49]
غير أن الإنسان بأنشطته الصناعية والمرورية لوّث الهواء، فصار المطر في بعض المناطق يحمل مواد حمضية تضر بالبيئة، وهو ما يسمى المطر الحمضي. وعنوان هذا البحث «فوائد المطر الحمضي للبيئة»، وسنبيّن فيه الحقيقة العلمية: أن المطر الحمضي ضار في أساسه، وليست له فوائد بيئية حقيقية، مع بيان الفرق بينه وبين المطر الطبيعي الذي يكون حمضيًا حموضة خفيفة جدًا.
تعريف الموضوع
المطر الحمضي هو كل هطول من الغلاف الجوي، مطرًا كان أو ثلجًا أو ضبابًا أو برَدًا، تكون فيه حموضة أعلى من المعتاد بسبب ذوبان غازات ناتجة عن الأنشطة البشرية، وأهمها أكاسيد الكبريت وأكاسيد النيتروجين.
ولقياس الحموضة نستخدم مقياس الرقم الهيدروجيني المعروف بـ pH، ويتدرج من صفر إلى أربعة عشر. فالماء النقي متعادل عند الرقم سبعة، وما دونه حمضي، وما فوقه قاعدي. وكلما قلّ الرقم زادت الحموضة، وكل نزول بمقدار واحد يعني زيادة الحموضة عشرة أضعاف.
أهمية الموضوع
- أنه يصحح فكرة خاطئة قد تتبادر من العنوان، وهي أن للمطر الحمضي فوائد بيئية.
- أنه يبيّن أثر التلوث الصناعي في الغلاف الجوي والتربة والماء والكائنات الحية.
- أنه يدعو إلى حماية البيئة التي هي أمانة في أعناقنا.
أهداف البحث
- التعرف على المطر الحمضي وكيفية تكوّنه.
- التفريق بين المطر الطبيعي والمطر الحمضي.
- بيان أضرار المطر الحمضي على البيئة والإنسان.
- بيان طرق الحد من المطر الحمضي.
هل للمطر الحمضي فوائد بيئية؟
الجواب العلمي أن المطر الحمضي ضار أساسًا، ولا تُعرف له فوائد بيئية تعوّض أضراره. وقد يقول قائل إن المطر يحمل أحيانًا بعض المركبات التي تحتوي على النيتروجين أو الكبريت، وهما عنصران تحتاج إليهما النباتات. لكن هذا لا يجعل المطر الحمضي نافعًا، فالنباتات تحصل على حاجتها من هذه العناصر بطرق طبيعية أسلم، وزيادة الحموضة تذيب من التربة عناصر مفيدة وتجرفها، وتحرّر عناصر ضارة كالألومنيوم، فيكون الضرر أكبر بكثير من أي نفع.
وهناك أمر قد يُلتبس على الطلاب، وهو أن كل مطر طبيعي حمضي قليلًا. فثاني أكسيد الكربون الموجود في الهواء يذوب في قطرات الماء ويكوّن حمض الكربونيك الضعيف، فيصير الرقم الهيدروجيني للمطر النظيف نحو خمسة فاصلة ستة، أي أنه أقل قليلًا من سبعة. وهذه الحموضة الخفيفة طبيعية وغير ضارة، وهي جزء من عملية التجوية الطبيعية للصخور، إذ تساعد الأمطار الخفيفة الحموضة على إذابة المعادن ببطء وتفتيت الصخور، فتتكوّن بذلك التربة ويُعاد تدوير المعادن في الطبيعة. أما المطر الذي يقل رقمه الهيدروجيني عن هذا الحد الطبيعي بدرجة واضحة فهو الذي يسمى مطرًا حمضيًا ويكون ضارًا.
| النوع | الرقم الهيدروجيني التقريبي | الحكم |
|---|---|---|
| الماء النقي | سبعة | متعادل |
| المطر الطبيعي النظيف | نحو خمسة فاصلة ستة | حمضي حموضة خفيفة طبيعية وغير ضارة |
| المطر الحمضي | أقل من خمسة فاصلة ستة، وقد ينزل إلى أربعة أو أقل في مناطق شديدة التلوث | ضار بالبيئة |
أسباب المطر الحمضي
ينتج المطر الحمضي بصورة رئيسة عن غازين: ثاني أكسيد الكبريت وأكاسيد النيتروجين. ومصادر ذلك:
- حرق الوقود الأحفوري كالفحم والنفط في محطات الكهرباء والمصانع.
- عوادم السيارات والشاحنات والطائرات.
- صهر المعادن وبعض الصناعات الكيميائية.
- مصادر طبيعية محدودة كالبراكين وحرائق الغابات، لكن أثرها أقل بكثير من الأنشطة البشرية في أغلب المناطق.
كيف يتكون المطر الحمضي كيميائيًا؟
تتأكسد الغازات في الجو وتذوب في بخار الماء والقطرات، فتتحول إلى أحماض. ومن التفاعلات المبسطة:
SO2 + O2 → SO3
SO3 + H2O → H2SO4
فيتكون حمض الكبريتيك. وبالمثل:
NO2 + H2O → HNO3
فيتكون حمض النيتريك مع نواتج أخرى. وتنزل هذه الأحماض مع المطر أو الثلج أو الضباب، أو تترسب جافة على شكل غازات وجسيمات تغسلها الأمطار لاحقًا. وقد تنتقل الملوثات مئات الكيلومترات مع الرياح، فيسقط المطر الحمضي بعيدًا عن مصدر التلوث، ويصبح مشكلة تعبر الحدود بين الدول.
أضرار المطر الحمضي
أولًا: على الغابات والتربة
يضعف المطر الحمضي الأشجار بإتلاف أوراقها وإضعاف قدرتها على التمثيل الضوئي، ويذيب من التربة عناصر مفيدة كالكالسيوم والمغنيسيوم فتُجرف مع الماء، ويحرّر الألومنيوم الضار بالجذور. فتضعف الأشجار وتصير أكثر عرضة للأمراض والجفاف والبرد.
ثانيًا: على المياه والكائنات المائية
حين تنزل الأحماض في البحيرات والأنهار تنخفض درجة pH فيها، فتتأثر الأسماك وبيوضها والضفادع والحشرات المائية، وقد تختفي بعض الأنواع من البحيرات الشديدة التأثر. ويزداد الأمر خطورة في البحيرات التي لا تحتوي على صخور كلسية تعادل الحموضة.
ثالثًا: على المباني والآثار
تتفاعل الأحماض مع الحجر الجيري والرخام، فتتآكل واجهات المباني والتماثيل والآثار التاريخية، وتتأكل الجسور والمعادن وطلاء السيارات.
CaCO3 + H2SO4 → CaSO4 + H2O + CO2
رابعًا: على صحة الإنسان
لا يضر المطر الحمضي الإنسان مباشرة عند ملامسته الجلد عادة، لكن الغازات والجسيمات التي تكونه، وهي ثاني أكسيد الكبريت وأكاسيد النيتروجين، تهيج الجهاز التنفسي وتزيد مشكلات الربو وأمراض الرئة. كما يتلوث الماء والغذاء بسبب ذوبان بعض المعادن الثقيلة.
طرق الحد من المطر الحمضي
- تقليل حرق الوقود الأحفوري، والتحول إلى مصادر الطاقة النظيفة كالطاقة الشمسية وطاقة الرياح.
- تركيب أجهزة تنقية في مداخن المصانع ومحطات الطاقة لإزالة غاز ثاني أكسيد الكبريت.
- تركيب المحولات الحفازة في السيارات لتقليل أكاسيد النيتروجين.
- تحسين كفاءة استهلاك الطاقة في البيوت والمصانع، واستخدام وسائل النقل العام.
- إصدار القوانين التي تحد من الانبعاثات، والتعاون الدولي لأن التلوث يعبر الحدود.
- إضافة مواد كلسية إلى البحيرات المتضررة لمعادلة حموضتها، وهو علاج مؤقت لا يغني عن معالجة السبب.
النتائج
- المطر الحمضي ضار في أساسه، ولا تُعرف له فوائد بيئية تعوّض أضراره.
- المطر الطبيعي النظيف حمضي حموضة خفيفة، ورقمه الهيدروجيني نحو خمسة فاصلة ستة، وهذا طبيعي ويساهم في التجوية الطبيعية للصخور.
- يتكون المطر الحمضي من ذوبان ثاني أكسيد الكبريت وأكاسيد النيتروجين الناتجة غالبًا من حرق الوقود.
- يضر الغابات والتربة والمياه والمباني، ويزيد الأمراض التنفسية بسبب الغازات المسببة له.
- يمكن الحد منه بتقليل الانبعاثات واستخدام الطاقة النظيفة وتنقية العوادم.
التوصيات
- ترشيد استهلاك الطاقة والمحافظة على نظافة الهواء.
- تشجيع استعمال الطاقة المتجددة ووسائل النقل العام.
- غرس الأشجار والمحافظة على الغابات.
- نشر الوعي بين الطلاب بخطر تلوث الهواء وبالقيم الإسلامية في الحفاظ على البيئة.
الخاتمة
تبيّن من هذا البحث أن المطر الحمضي ليس نعمة بل مشكلة بيئية سببها الإنسان، وأن المطر الطبيعي النظيف هو الذي ينفع الأرض ويحييها. وأن الحموضة الخفيفة التي في المطر الطبيعي لا تضر، أما الحموضة العالية الناتجة عن التلوث فتهلك الغابات والمياه والمباني. وإن الحفاظ على نقاء الهواء مسؤولية الجميع، ومن شكر النعمة ألا نفسد ما أنعم الله به علينا.
المراجع
- كتب العلوم والكيمياء والبيئة للمرحلتين المتوسطة والثانوية، وزارة التعليم في المملكة العربية السعودية.
- موسوعات علوم البيئة والغلاف الجوي المعتمدة.
- الصفحات التوعوية عن المطر الحمضي في وكالة حماية البيئة الأمريكية.
- المركز الوطني للأرصاد والمركز الوطني للرقابة على الالتزام البيئي في المملكة العربية السعودية.