مقدمة البحث
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد. أما بعد، فإن الإنسان يحكم كل يوم على الأشياء والأفعال: هذا صواب وهذا خطأ، وهذا جميل وذاك قبيح، وهذا عدل وذاك ظلم. وهذه الأحكام ليست عشوائية، بل تقوم على قيم يؤمن بها الفرد والمجتمع. ومن هنا نشأ في الفلسفة مبحث خاص يدرس القيم، وهو ما يُعرف بمبحث القيم. وفي هذا البحث نتناول معناه وأقسامه وآراء الفلاسفة فيه ونظرة الإسلام إليه.
تعريف الموضوع
القيمة في اللغة تدل على ثمن الشيء وقدره. وفي الاصطلاح الفلسفي هي المعيار الذي نحكم به على الأشياء والأفعال بأنها حسنة أو سيئة، مرغوبة أو مكروهة. أما مبحث القيم أو علم القيم (ويسمى في الفلسفة «الأكسيولوجيا») فهو فرع من الفلسفة يدرس طبيعة القيم وأنواعها ومصدرها ومعيارها، ويسأل: ما الذي يجعل الشيء ذا قيمة؟ وهل القيم ثابتة أم متغيرة؟
أهمية الموضوع
تظهر أهمية مبحث القيم في أنه يوجّه سلوك الإنسان واختياراته، فمن يعرف القيم يستطيع أن يميز بين الصواب والخطأ، وأن يبني شخصيته على أسس واضحة. وهو يدرّب الطالب على التفكير الناقد في الأحكام التي يسمعها، ويساعد المجتمع على الحفاظ على هويته وأخلاقه، خاصة في عصر تتدفق فيه الأفكار من كل مكان.
أهداف البحث
- التعرف على معنى القيم ومبحث القيم في الفلسفة.
- بيان أقسام القيم الثلاثة: الحق والخير والجمال.
- التمييز بين الرأي الموضوعي والرأي الذاتي في القيم.
- التعرف على نظرة الإسلام إلى القيم ومصدرها.
- إدراك أثر القيم في حياة الفرد والمجتمع.
عناصر البحث
أولًا: القيم الثلاث
قسّم الفلاسفة القيم في الغالب إلى ثلاثة أنواع كبرى، لكل نوع علم يدرسه:
| القيمة | المجال الذي تحكم عليه | العلم الذي يدرسها | السؤال الذي تجيب عنه |
|---|---|---|---|
| الحق | الأفكار والمعارف | المنطق | ما الصحيح وما الخطأ؟ |
| الخير | الأفعال والسلوك | الأخلاق | ما الصواب وما الشر؟ |
| الجمال | الأشياء والفنون | علم الجمال | ما الجميل وما القبيح؟ |
قيمة الحق تتعلق بالمعرفة والصدق، فنقول عن الفكرة إنها حقيقية إذا طابقت الواقع. وقيمة الخير تتعلق بسلوك الإنسان، فنقول عن الصدق والعدل والأمانة إنها خير، وعن الكذب والظلم إنها شر. وقيمة الجمال تتعلق بما يبعث في النفس الإعجاب والارتياح، كجمال الطبيعة والخط والعمارة.
ثانيًا: هل القيم موضوعية أم ذاتية؟
اختلف الفلاسفة في مصدر القيم على اتجاهين رئيسيين:
- الاتجاه الموضوعي: يرى أن للقيم وجودًا حقيقيًا مستقلًا عن رغبات الناس، فالعدل عدل سواء أعجب الناس أم لم يعجبهم، والظلم قبيح في كل زمان ومكان.
- الاتجاه الذاتي: يرى أن القيمة تتحدد بحسب شعور الفرد أو ذوقه أو اتفاق الجماعة، فما يعجبني قد لا يعجب غيري، وما يحسن في مجتمع قد لا يحسن في آخر.
ويظهر الخلاف جليًا في الجمال أكثر منه في الصدق والعدل، فقد يتفاوت الناس في ذوقهم الفني، لكن يتفقون على قبح الخيانة وحسن الوفاء. ولهذا يميل كثير من الباحثين إلى أن بعض القيم ثابت عام، وبعضها يختلف بحسب البيئة والثقافة.
ثالثًا: خصائص القيم
- أنها تتعلق بالتفضيل والاختيار، فنحن نفضّل ما نراه ذا قيمة.
- أنها ثنائية الطرف في الغالب: الحق مقابل الباطل، والخير مقابل الشر، والجميل مقابل القبيح.
- أنها تُكتسب بالتربية والتنشئة في الأسرة والمدرسة والمجتمع.
- أنها توجّه السلوك وتجعل الإنسان يلتزم بمبادئ معينة.
رابعًا: القيم في المنظور الإسلامي
ينظر الإسلام إلى القيم نظرة تجمع بين الثبات والشمول. فمصدر القيم الكبرى فيه هو الوحي: القرآن الكريم والسنة النبوية، وليس مجرد ذوق الأفراد أو اتفاق الجماعات. فالصدق والأمانة والعدل والرحمة والوفاء وبر الوالدين قيم ثابتة لا تتغير بتغير الأزمان، وأما الأعراف المباحة في اللباس والعادات فتتنوع بحسب البلدان في حدود الشرع. وقد وصف الله نبيه ﷺ بأعظم صفة في الأخلاق فقال:
﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: 4]
وجاء الإسلام ليتمم مكارم الأخلاق، فالقيم فيه مرتبطة بالإيمان والعبادة والمعاملة، والإنسان مسؤول عن اختياراته ومحاسب عليها. وهو يجمع بين قيمة الحق في الاعتقاد والعلم، وقيمة الخير في السلوك، وقيمة الجمال في العناية بالنفس والبيئة والذوق السليم، فيدعو إلى النظافة وحسن الهيئة والنظر في جمال الكون دون إسراف ولا كبر.
خامسًا: القيم في حياتنا اليومية
نرى القيم في سلوك الطالب حين يصدق في اختباره، وحين يحترم معلمه، وحين يحافظ على نظافة فصله، وحين يساعد زميله. ونراها في الأسرة حين يتعاون أفرادها، وفي المجتمع حين يحرص أفراده على الأمانة والعدل. وفي رؤية المملكة العربية السعودية ٢٠٣٠ تأكيد على التمسك بالقيم الإسلامية والهوية الوطنية، مع الانفتاح على العالم.
سادسًا: أثر القيم في بناء الشخصية والمجتمع
القيم هي البوصلة التي تحدد اتجاه الإنسان في الحياة. فمن يؤمن بقيمة الأمانة يحافظ على ما استُؤمن عليه ولو لم يره أحد، ومن يؤمن بقيمة العلم يجتهد في طلبه. وإذا ضعفت القيم في المجتمع انتشر الغش والإهمال وقلّت الثقة بين الناس، وإذا قويت ساد التعاون والاحترام. ولذلك تعتني المدرسة بالتربية على القيم إلى جانب التعليم، وتجعل من الصف الدراسي ميدانًا للتطبيق العملي للصدق والانضباط والتعاون.
ويمكن للطالب أن يختبر قيمه بأسئلة بسيطة: هل أتصرف بالطريقة نفسها أمام الناس وحدي؟ وهل أقبل لغيري ما أقبله لنفسي؟ فهذه الأسئلة تقرب القيم من الواقع وتحوّلها إلى سلوك يومي.
النتائج
- مبحث القيم فرع من الفلسفة يدرس طبيعة القيم ومعاييرها.
- تنقسم القيم إلى الحق والخير والجمال، ولكل قيمة علم يدرسها.
- اختلف الفلاسفة بين من يرى القيم موضوعية ومن يراها ذاتية.
- يرى الإسلام أن القيم الكبرى ثابتة مصدرها الوحي، وأن الإنسان مسؤول عن التزامها.
التوصيات
- غرس القيم في الأبناء منذ الصغر بالقدوة الحسنة قبل الوعظ.
- تشجيع الطلاب على مناقشة المواقف الأخلاقية وتحليلها بتفكير ناقد.
- ربط ما نتعلمه في الفلسفة والتفكير الناقد بحياتنا العملية.
- التمسك بالقيم الإسلامية والوطنية مع احترام الآخرين.
الخاتمة
عرفنا في هذا البحث أن مبحث القيم يدرس ما ينبغي أن يكون، لا ما هو كائن فقط، وأن القيم الثلاث الحق والخير والجمال تنير للإنسان طريق الفكر والسلوك والذوق. وإذا كانت المذاهب الفلسفية قد اختلفت في مصدر القيم، فإن الإسلام قدّم لنا مصدرًا ثابتًا واضحًا تقوم عليه حياتنا. نسأل الله أن يرزقنا حسن الخلق وصدق الفكر وجمال السلوك.
المراجع
- كتاب الفلسفة والتفكير الناقد، وزارة التعليم في المملكة العربية السعودية.
- كتب مدخل إلى الفلسفة، ومنها ما يتناول نظرية القيمة.
- كتب الأخلاق الإسلامية والتربية الإسلامية للمراحل الدراسية المختلفة.