مقدمة البحث
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فإن الإنسان منذ وُجد وهو يسأل: ماذا أعرف؟ وكيف أعرف؟ وهل ما أعرفه صحيح؟ وقد جعل الله له أدوات للمعرفة، وامتنّ بها عليه فقال:
﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ ۙ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [النحل: 78]
ومن هذه الأسئلة نشأ فرع مهم من فروع الفلسفة يسمى مبحث المعرفة، ويُعرف أيضًا بنظرية المعرفة أو الإبستمولوجيا. وفي هذا البحث نتعرف على معنى المعرفة وإمكانها ومصادرها وطبيعتها وأشهر المذاهب فيها.
تعريف الموضوع
مبحث المعرفة هو الفرع الفلسفي الذي يدرس المعرفة الإنسانية من حيث أصلها ومصادرها وحدودها وقيمتها. وهو لا يسأل عن معلومة بعينها، بل يسأل عن المعرفة نفسها: كيف تحصل؟ وما الذي يجعل المعرفة صحيحة؟ وما الفرق بين المعرفة اليقينية والظن والوهم؟ ويشمل المبحث ثلاثة أسئلة رئيسة هي: هل المعرفة ممكنة؟ وما مصادرها؟ وما طبيعتها؟
أما المعرفة في معناها العام فهي إدراك الشيء على حقيقته، وهي أخص من مجرد الاعتقاد، لأن الاعتقاد قد يكون صحيحًا أو خاطئًا، بينما المعرفة تتطلب أن يكون ما نعتقده صحيحًا ومبنيًا على دليل.
أهمية الموضوع
- يساعدنا على التمييز بين المعلومة الصحيحة والادعاء الذي لا دليل عليه.
- ينمّي التفكير الناقد والقدرة على طرح الأسئلة وتقييم الأدلة.
- يبيّن حدود ما يمكن أن يعرفه الإنسان، فيعلّمنا التواضع العلمي.
- يرتبط ببقية العلوم، فكل علم يقوم على طريقة في تحصيل المعرفة.
أهداف البحث
- التعريف بمبحث المعرفة ومكانه في الفلسفة.
- بيان إمكان المعرفة وموقف الشكّاك منها.
- توضيح مصادر المعرفة: الحواس والعقل والحدس والوحي.
- التعرف على المذاهب الكبرى: العقلي والتجريبي والنقدي.
- عرض النظرة الإسلامية إلى المعرفة.
هل المعرفة ممكنة؟
اختلف الفلاسفة في إمكان المعرفة على ثلاثة مواقف. الأول موقف المثبتين الذين يرون أن الإنسان يستطيع الوصول إلى الحقيقة بأدواته. والثاني موقف الشكّاك الذين يرون أن اليقين غير متاح، فيجب أن نتوقف عن الجزم. وقد أنكر بعضهم المعرفة كلها، وبعضهم شكّ في بعضها كالمعرفة بما وراء الحس. والثالث موقف الوسط الذي يقر بإمكان المعرفة مع الاعتراف بأن لها حدودًا، وأن الخطأ وارد في كثير من أحكامنا.
ويردّ المثبتون على الشك المطلق بأن من يقول «لا أعرف شيئًا» يدّعي معرفة هذه العبارة نفسها، وأن حياتنا اليومية كلها قائمة على معارف نثق بها. ومع ذلك فإن الشك المنهجي، أي الشك بقصد الوصول إلى اليقين، أداة نافعة في طلب الحقيقة.
مصادر المعرفة
أولًا: الحواس
الحواس هي النوافذ الأولى التي نتصل بها بالعالم الخارجي، فبالبصر والسمع واللمس والشم والتذوق نجمع المعلومات عن الأشياء. وهي أساس المعرفة الحسية والتجريبية. لكنها قد تخدعنا أحيانًا، كأن نرى العصا مكسورة في الماء وهي مستقيمة، ولذلك تحتاج إلى العقل ليصحح أحكامها.
ثانيًا: العقل
العقل هو أداة التفكير والاستدلال والتمييز، وبه ندرك الحقائق العامة كقوانين المنطق والرياضيات، ونربط الأسباب بنتائجها، ونصل إلى معارف لا تدركها الحواس وحدها. وهو الذي يرتب معلومات الحواس ويفسرها.
ثالثًا: الحدس
الحدس إدراك مباشر وسريع للفكرة دون خطوات استدلال ظاهرة، كأن يلمع حل مسألة في ذهن الطالب فجأة بعد طول تفكير. ويستخدمه العلماء في الاكتشاف، لكنه يحتاج إلى فحص وتحقق من صحته بالعقل والتجربة.
رابعًا: الوحي
في التصور الإسلامي الوحي مصدر يقيني للمعرفة، يخبرنا الله به عما لا تصل إليه الحواس ولا العقل، كالغيب وأمور الآخرة وأصول العبادات. والوحي في الإسلام لا يلغي العقل ولا الحواس، بل يخاطبهما ويدعوهما إلى النظر والتفكر، وقد حذّر الله من القول بلا علم:
﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ۚ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: 36]
طبيعة المعرفة
يبحث هذا الجزء في السؤال: ما الذي تقوم عليه المعرفة؟ وهل نعرف الأشياء كما هي في الواقع أم كما تظهر لنا؟ وللفلاسفة في ذلك أقوال، فالواقعيون يرون أن للأشياء وجودًا مستقلًا عن إدراكنا، وأننا نعرفها كما هي في الجملة. أما المثاليون فيرون أن ما نعرفه هو أفكارنا وتصوراتنا. ويبقى من الأسئلة المهمة: متى نقول إن معرفة ما صحيحة؟ وجواب كثير من الفلاسفة أن تكون المعرفة مطابقة للواقع ومتسقة مع بقية معارفنا وقائمة على دليل.
المذاهب الكبرى في المعرفة
المذهب العقلي
يرى أصحابه أن العقل هو المصدر الأول للمعرفة اليقينية، وأن في الذهن أفكارًا فطرية لا تأتي من الحواس. وأشهر ممثليه الفيلسوف الفرنسي رينيه ديكارت، الذي بدأ بالشك المنهجي في كل شيء حتى وصل إلى يقين وجود الذات المفكرة، وعبّر عنه بعبارته المشهورة «أنا أفكر، إذن أنا موجود».
المذهب التجريبي
يرى أصحابه أن الحواس والتجربة هي أصل المعرفة، وأن الذهن يولد صفحة بيضاء تكتب عليها التجربة. وأشهر ممثليه الفيلسوف الإنجليزي جون لوك، ثم الفيلسوف الاسكتلندي ديفيد هيوم الذي أوصل هذا الاتجاه إلى نتائج متشككة، حتى شكّك في أن نعرف الارتباط الضروري بين السبب والنتيجة، وقال إن عادتنا في رؤية الحوادث متتابعة هي التي تجعلنا نتوقع ذلك.
المذهب النقدي
حاول الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط أن يجمع بين المذهبين، فقال إن الحواس تعطينا مادة المعرفة، والعقل يصوغها في قوالب وأطر يحملها في ذاته، ولذلك لا تتم المعرفة بأحدهما دون الآخر. ومن عباراته المعروفة أن «الأفكار بلا مضمون فارغة، والمشاهدات بلا مفاهيم عمياء». وقد سمّى مذهبه نقديًا لأنه بدأ بنقد قدرات العقل وحدودها.
المعرفة في النظرة الإسلامية
جعل الإسلام العلم من أعظم المقاصد، وأول ما نزل من القرآن الكريم أمر بالقراءة. ويجمع التصور الإسلامي بين مصادر المعرفة جميعًا: فالحواس والعقل أدوات أعطاها الله للإنسان ويُسأل عن استعمالها، والوحي مصدر يقيني يكمّل ما لا يدركه العقل. ولا يرى علماء المسلمين تعارضًا صحيحًا بين العقل الصريح والنقل الصحيح. وقد اهتم العلماء المسلمون بالمنهج العلمي، فجمعوا بين الملاحظة والتجربة والاستدلال، ومنهم الحسن بن الهيثم في علم البصريات الذي عُرف بتجاربه وحرصه على التحقق.
كذلك رفض الإسلام اتباع الظن والتقليد الأعمى، ودعا إلى طلب الدليل والبرهان، فالمعرفة عنده مسؤولية، وصاحبها يُحاسب على ما يقول ويعتقد.
الخاتمة
خلصنا من هذا البحث إلى أن مبحث المعرفة يدرس إمكان المعرفة ومصادرها وطبيعتها، وأن للمعرفة أدوات متعددة هي الحواس والعقل والحدس والوحي، وأن المذاهب الفلسفية اختلفت في تقديم بعضها على بعض، فرأى العقليون أولوية العقل، ورأى التجريبيون أولوية التجربة، وحاول كانط الجمع بينهما. وفي التصور الإسلامي تتكامل هذه المصادر ولا تتعارض.
ونوصي الطلاب بأن يعتادوا السؤال عن دليل كل معلومة يسمعونها، وأن يتعلموا الاستماع للرأي المخالف، وأن يجمعوا بين التفكير والتجربة والتواضع في طلب العلم.
المراجع
- القرآن الكريم.
- كتاب التفكير الناقد والفلسفة، المقرر في المرحلة الثانوية بالمملكة العربية السعودية.
- ديكارت، «تأملات في الفلسفة الأولى».
- جون لوك، «مقالة في الفهم الإنساني».
- ديفيد هيوم، «تحقيق في الفهم الإنساني».
- إيمانويل كانط، «نقد العقل الخالص».
- كتب مدخلية في تاريخ الفلسفة الحديثة ونظرية المعرفة.