مقدمة البحث

الحمد لله الذي علّم بالقلم، والصلاة والسلام على نبينا محمد. أما بعد، فإن المكتبات كانت على مرّ العصور خزائن للعلم وحافظة لتراث الأمم. ومن أشهر مكتبات العالم القديم مكتبة الإسكندرية في مصر، التي صارت رمزًا للمعرفة وللجهود الإنسانية في جمع الكتب ونقلها، ثم أُعيد إحياء اسمها في العصر الحديث بمكتبة عصرية كبيرة تحمل الاسم نفسه. وفي هذا البحث نتعرف على تاريخها وأهميتها ومصيرها.

تعريف الموضوع

مكتبة الإسكندرية القديمة هي مكتبة أُنشئت في مدينة الإسكندرية على ساحل البحر المتوسط شمال مصر في عهد الملوك البطالمة، وكانت جزءًا من مؤسسة علمية كبرى تُسمّى الموسيون أي «بيت ربات الفنون»، يجتمع فيها العلماء للدراسة والبحث. وأما مكتبة الإسكندرية الحديثة فهي صرح ثقافي افتُتح في مطلع القرن الحادي والعشرين قرب موقع المكتبة القديمة.

أهمية الموضوع

تكمن أهمية دراسة مكتبة الإسكندرية في أنها تعطينا صورة عن اهتمام الحضارات القديمة بالعلم والكتاب، وتبين كيف يمكن أن تجتمع جهود العلماء من بلدان متعددة في مكان واحد. كما تُظهر لنا كيف تضيع كنوز العلم حين تُهمل المؤسسات العلمية أو تتعرض للحروب والاضطرابات، وكيف يمكن للأمم أن تعيد بناء مراكز المعرفة.

أهداف البحث

  • التعريف بنشأة مكتبة الإسكندرية القديمة.
  • التعرف على أشهر علمائها ودورها العلمي.
  • معرفة أسباب تراجعها وزوالها كما يذكرها المؤرخون.
  • التعريف بمكتبة الإسكندرية الحديثة ومرافقها.
  • استخلاص الدروس والعبر من تاريخها.

عناصر البحث

أولًا: مدينة الإسكندرية ونشأة المكتبة

أسس المدينة القائد المقدوني الإسكندر الأكبر في القرن الرابع قبل الميلاد، وسُمّيت باسمه، ثم تولى حكم مصر بعده أحد قادته وهو بطليموس الأول الذي أسس حكم الأسرة البطلمية. وفي عهد البطالمة، وبخاصة في القرن الثالث قبل الميلاد، أُسست المكتبة، ويُنسب تطويرها إلى بطليموس الأول وابنه بطليموس الثاني. وكان هدفهم جعل الإسكندرية عاصمة للعلم والثقافة في العالم القديم.

ثانيًا: كيف جُمعت الكتب؟

اهتم البطالمة بجمع أكبر عدد ممكن من الكتب. وتذكر المصادر القديمة أنهم نسخوا الكتب التي تصل إلى ميناء الإسكندرية على متن السفن، وأعادوا الأصل إلى صاحبه بعد نسخه، وأرسلوا الوفود إلى المدن لشراء المخطوطات. وكانت الكتب في ذلك الزمن لفائف من ورق البردي تُكتب باليد. ويختلف المؤرخون في عدد ما بلغته من لفائف، وتتفاوت التقديرات القديمة تفاوتًا كبيرًا، ولذلك لا يُجزم بعدد محدد، لكنها كانت من أكبر مجموعات الكتب في عصرها.

ثالثًا: أبرز علماء الإسكندرية

جذبت المكتبة والموسيون العلماء من أنحاء العالم المعروف آنذاك، ومن أشهرهم:

العالممجال إسهامه
إقليدسرياضي اشتهر بكتاب «الأصول» في الهندسة، وارتبط اسمه بالإسكندرية
إراتوستينسمن أمناء المكتبة، حاول قياس محيط الأرض بطريقة هندسية ذكية، وأتى بنتيجة قريبة جدًا من الحقيقة
كاليماخوسشاعر وعالم أعدّ فهرسًا للكتب يُعدّ من أقدم محاولات تصنيف المكتبات
هيرون السكندريمهندس وعالم رياضيات اشتهر بآلات تعمل بالبخار والهواء المضغوط ووصف كثيرًا من الأجهزة الميكانيكية
هيروفيلوس وإراسيستراتوسمن أوائل من درسوا التشريح ووظائف الأعضاء

وكان للمكتبة دور في تدقيق نصوص الأدب اليوناني القديم وتحريرها، ومنها أعمال هوميروس.

رابعًا: مصير المكتبة القديمة

لم تختفِ مكتبة الإسكندرية بحادثة واحدة كما يظن كثيرون، وإنما كانت نهايتها تدريجية عبر قرون، ويذكر المؤرخون عدة أسباب منها:

  • الاضطرابات السياسية والحروب في الإسكندرية، ومنها الحريق الذي وقع في المدينة في عهد القائد الروماني يوليوس قيصر وأصاب جزءًا من مخازن الكتب أو ما حولها، ولا يُعرف بدقة حجم الضرر.
  • تراجع الدعم المالي للمؤسسة العلمية في عهود حكّام متأخرين، وتفرّق العلماء عنها.
  • اضطرابات في العهود الرومانية المتأخرة، وتدمير معبد السرابيوم الذي كان يضم جزءًا من الكتب في أواخر القرن الرابع الميلادي.
  • تلف لفائف البردي بمرور الزمن إذا لم تُنسخ باستمرار.

وتنتشر رواية تنسب حرق المكتبة إلى الفتح الإسلامي لمصر بقيادة عمرو بن العاص رضي الله عنه، غير أن هذه الرواية متأخرة ولا يثبتها الباحثون المنصفون، فالراجح أن المكتبة كانت قد فقدت أهميتها وانتهت قبل ذلك بزمن طويل. ولذلك يجب التثبت من الأخبار التاريخية قبل نقلها.

خامسًا: مكتبة الإسكندرية الحديثة

بعد قرون من الغياب، ظهرت فكرة إحياء المكتبة، فقامت مصر بدعم من منظمة اليونسكو ومن عدة دول بإنشاء مكتبة الإسكندرية الجديدة بالقرب من موقع القديمة على شاطئ البحر المتوسط، وافتُتحت رسميًا في مطلع القرن الحادي والعشرين. وهي مبنى ضخم بتصميم دائري مائل يشبه قرص الشمس، وجدرانه الخارجية منقوشة بحروف ورموز من لغات العالم المختلفة. وتضم المكتبة اليوم:

  • قاعة قراءة رئيسة كبيرة تتسع لأعداد كبيرة من القراء.
  • مراكز متخصصة للمخطوطات والفنون والمكفوفين والأطفال والشباب.
  • متاحف للآثار والمخطوطات والعلوم.
  • قبة سماوية (بلانيتاريوم) وقاعات للمؤتمرات والمعارض.
  • أرشيفًا رقميًا للإنترنت يحفظ نسخًا من صفحات الشبكة.

سادسًا: دروس وعبر

  • قيمة العلم في بناء الحضارات، وأن الأمم التي تعتني بالكتاب تتقدم.
  • أهمية حفظ التراث العلمي ونسخه وحمايته من الضياع.
  • أن التعاون بين العلماء من ثقافات مختلفة يثمر معرفة أوسع.
  • ضرورة التحقق من الروايات التاريخية قبل نشرها.

وقد سبق الإسلام إلى تعظيم العلم والقراءة، فأول ما نزل من القرآن الكريم قول الله تعالى:

﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (٥)﴾ [العلق: 1–5]

النتائج

  • أُنشئت المكتبة في عهد البطالمة في القرن الثالث قبل الميلاد وكانت جزءًا من الموسيون.
  • جذبت علماء كبارًا في الرياضيات والفلك والطب والأدب.
  • تراجعت تدريجيًا بسبب اضطرابات وتناقص الدعم، ولم تنته بحادثة واحدة.
  • رواية حرقها في الفتح الإسلامي لا تثبت تاريخيًا.
  • أُحيا اسمها بمكتبة الإسكندرية الحديثة في العصر الحاضر.

التوصيات

  • زيارة المكتبات العامة والاستفادة من مصادرها.
  • الاهتمام بحفظ المخطوطات ورقمنتها.
  • التثبت من الروايات التاريخية الشائعة قبل تداولها.
  • تشجيع القراءة بين الطلاب وتأسيس مكتبات في المدارس والبيوت.

الخاتمة

عرفنا في هذا البحث نشأة مكتبة الإسكندرية وعلماءها وتراجعها وسبب زوالها، ثم إحياء اسمها في مكتبة عصرية كبيرة. وهي شاهد على أن المعرفة أعظم ثروات الإنسان، وأن حفظ العلم ونشره مسؤولية الأمم جميعًا.

المراجع

  • كتب تاريخ مصر القديمة وتاريخ الحضارات اليونانية والرومانية.
  • موسوعات التاريخ العامة، ومواد التعريف الصادرة عن مكتبة الإسكندرية.
  • منظمة اليونسكو، المواد التعريفية عن مكتبة الإسكندرية.
  • كتب تاريخ العلوم عند اليونان.

كلمات دليلية

بحث، بحث عن، بحث علمي، بحوث، مكتبة الإسكندرية