مقدمة البحث
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فإن جنوب الجزيرة العربية، وهو أرض اليمن، من أقدم البقاع التي قامت فيها حضارات منظمة، فقد نشأت فيه ممالك كبرى كسبأ ومعين وقتبان وحضرموت وحمير. وقد أمر الله تعالى بالنظر في أحوال الأمم السابقة والاعتبار بها، فقال:
﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَىٰ ۗ أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ۗ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا ۗ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [يوسف: 109]
وفي هذا البحث نتعرف على واحدة من أبرز هذه الدول، وهي مملكة حمير، فنقف على نشأتها وحدودها وعاصمتها وحضارتها وعلاقتها بالتجارة، ثم نهايتها.
تعريف الموضوع
مملكة حمير مملكة عربية قديمة قامت في جنوب غرب الجزيرة العربية في اليمن، ونُسبت إلى قبيلة حمير وهي من القبائل اليمنية القحطانية. ويرى المؤرخون أن بداية صعود الحميريين كانت في القرن الثاني قبل الميلاد تقريبًا، ثم استطاعوا في القرن الثالث الميلادي بسط سلطانهم على معظم اليمن بعد ضمّ سبأ وحضرموت، وظلت مملكتهم قائمة إلى أوائل القرن السادس الميلادي. ويلقب ملوكهم في نقوشهم بملوك «سبأ وذي ريدان»، وفي كتب الأخبار العربية يعرف عدد من ملوكهم بلقب «التبابعة» جمع «تبّع».
أهمية الموضوع
- تعد حمير آخر الدول اليمنية القديمة قبل ظهور الإسلام، فدراستها تفسر خلفية الأوضاع السياسية في جنوب الجزيرة قبل البعثة.
- تبيّن مكانة اليمن التجارية والحضارية في التاريخ القديم.
- تحفظ لنا اللغة الحميرية والخط المسند جانبًا من تاريخ العربية.
- تقدم دروسًا في أسباب قيام الدول وسقوطها.
أهداف البحث
- التعريف بمملكة حمير وموقعها ونشأتها.
- التعرف على عواصمها ونظام الحكم فيها.
- بيان أسس الاقتصاد والتجارة عندها.
- إبراز مظاهر الحضارة والكتابة واللغة الحميرية.
- معرفة أسباب ضعف المملكة ونهايتها.
الموقع الجغرافي
تقع حمير في الجنوب الغربي من الجزيرة العربية، وكانت مناطقها الأولى في المرتفعات الجنوبية من اليمن المطلة على البحر العربي وباب المندب. وكانت لها سواحل على البحر الأحمر وبحر العرب، مما أعطاها موقعًا تجاريًا مهمًا على طرق التجارة بين الهند وشرق أفريقيا وبلاد الشام ومصر. وتنوعت تضاريسها بين الجبال والسهول الساحلية والأودية الخصبة، وعُرفت اليمن بالمدرجات الزراعية التي أقيمت على سفوح الجبال.
العواصم
اتخذ الحميريون ظفار عاصمة لهم، وهي مدينة قرب مدينة يريم الحالية في محافظة إب جنوب صنعاء، وقد بقيت مركزًا سياسيًا ودينيًا للمملكة قرونًا. وكانت مدن أخرى ذات أهمية كصنعاء ومأرب وناعط. وقد قيل في الأمثال العربية: «من دخل ظفار حمّر» أي تكلم بالحميرية، وهو يدل على مكانة ظفار ولغتها عند العرب.
نظام الحكم والمجتمع
كان نظام الحكم ملكيًا، يرأسه ملك يعاونه كبار رجال الدولة وزعماء القبائل. وكانت الدولة تقسم إلى مناطق تحكمها قبائل وأقيال، والأقيال جمع قَيْل، وهم زعماء كبار يشاركون الملك في إدارة شؤون الدولة والدفاع. وقد ارتبط المجتمع الحميري بالأرض والتجارة، وانقسم الناس بين الزراع والتجار والحرفيين والمحاربين وكبار القبائل.
الاقتصاد والتجارة
| القطاع | أبرز ملامحه |
|---|---|
| الزراعة | اعتمدت على الأمطار الموسمية والسدود وقنوات الري والمدرجات الجبلية، ومن أهم سدودها سد مأرب في الجنوب |
| التجارة | تجارة اللبان والمر والطيب والتوابل والأقمشة والعطور مع الشام ومصر والهند وشرق أفريقيا |
| الصناعة والحرف | صناعة الأدوات المعدنية والفخار والحلي والنسيج والبناء بالحجر |
| الموانئ | موانئ على البحر الأحمر وبحر العرب لتصدير السلع واستقبال التجارة |
وقد اشتهرت اليمن القديمة بـ«اللبان»، وهو راتنج عطري يستخرج من أشجار تنمو في جنوب الجزيرة، وكان يحرق في المعابد في العالم القديم، فازدهرت بسببه القوافل التي تنقله شمالًا في طريق عرف بـ«طريق البخور». ونتذكر في هذا السياق ما ذكره القرآن من نعمة الله على سبأ في أرضهم:
﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ ۖ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ ۖ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ ۚ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ﴾ [سبإ: 15]
الحضارة واللغة والكتابة
تميز الحميريون بحضارة عمرانية، فبنوا القصور والحصون والمعابد والسدود. وكتبوا بالخط المسند، وهو خط عربي جنوبي قديم يتكون من حروف منفصلة، وتركوا آلاف النقوش على الحجر والمعادن، وهي من أهم مصادر معرفة تاريخهم. وتختلف لغتهم الحميرية عن العربية الشمالية في بعض ألفاظها وقواعدها، ثم قلّ استعمالها شيئًا فشيئًا مع انتشار العربية الفصحى بعد الإسلام.
أما الدين فقد عبد الحميريون في بداياتهم آلهة متعددة تتصل بالشمس والقمر والكواكب، ثم ظهر في القرون الأخيرة من عمر المملكة اتجاه إلى التوحيد، فاعتنق بعض ملوكهم الديانة اليهودية، وانتشرت المسيحية في بعض المناطق ولا سيما نجران. وبعد ذلك جاء الإسلام فاستجاب أهل اليمن له، وكان لهم دور مشرق في نصرة الدين ونشره.
الحميريون والتبابعة في القرآن
ورد في القرآن الكريم ذكر «قوم تبّع»، وفسّر المفسرون ذلك بأنه ملك من ملوك اليمن القدامى الذين كانوا يسمون التبابعة، وأن الله أهلك قومه لما كذبوا الرسل. قال تعالى:
﴿أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ۚ أَهْلَكْنَاهُمْ ۖ إِنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ﴾ [الدخان: 37]
وقال سبحانه:
﴿وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ وَقَوْمُ تُبَّعٍ ۚ كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ﴾ [ق: 14]
وفي ذلك عبرة لنا بأن القوة والمال والعمران لا تنفع أصحابها إذا كفروا بنعم الله وظلموا عباده.
أبرز ملامح الضعف والسقوط
بدأت المملكة تضعف في القرن السادس الميلادي لعدة أسباب منها:
- الصراعات الداخلية بين القبائل والأقيال على السلطة.
- اضطراب الأحوال الاقتصادية وتراجع طرق التجارة التقليدية بسبب تطور الملاحة البحرية وتغير الظروف السياسية في المنطقة.
- التدخل الأجنبي من الدول الكبرى في ذلك العصر، كالحبشة المتحالفة مع الروم، والفرس.
- الخلافات الدينية بين اليهودية والمسيحية والوثنية.
وتذكر المصادر التاريخية أن آخر ملوك حمير يوسف أسأر ذو نواس اعتنق اليهودية، وأنه هاجم نصارى نجران، ويربط كثير من المفسرين والمؤرخين بين هذه الحادثة وقصة أصحاب الأخدود المذكورة في سورة البروج. وبعد ذلك تدخلت الحبشة بدعم من الدولة البيزنطية، فغزا الأحباش اليمن في نحو عام ٥٢٥ ميلادية، وانتهى بذلك حكم حمير المستقل. ثم حكم اليمنَ الأحباش فترة، وبعدها استعان اليمنيون بالفرس بقيادة سيف بن ذي يزن، فدخلت اليمن في النفوذ الفارسي إلى أن دخلها الإسلام.
النتائج
- مملكة حمير مملكة عربية قديمة في جنوب غرب الجزيرة، وعاصمتها ظفار.
- قامت على الزراعة المدرجة والسدود والتجارة وخاصة اللبان والبخور.
- كتب أهلها بالخط المسند وتركوا نقوشًا كثيرة.
- ورد ذكر قوم تبع في القرآن للعبرة.
- سقطت بسبب الصراعات الداخلية والتدخل الأجنبي في القرن السادس الميلادي.
الخاتمة
درسنا في هذا البحث مملكة حمير، تلك الدولة العربية القديمة التي ازدهرت في جنوب الجزيرة العربية، وعرفنا موقعها وعاصمتها ونظامها واقتصادها وحضارتها وكتابتها، ثم أسباب ضعفها وسقوطها. ونستخلص أن الأمم تقوم بالعلم والعمل والوحدة، وتضعف بالفرقة والظلم. ويبقى تاريخ اليمن القديم جزءًا مهمًا من تاريخنا العربي، يستحق الدراسة والاعتزاز.
المراجع
- القرآن الكريم، وتفسير القرآن العظيم لابن كثير.
- كتب تاريخ العرب قبل الإسلام، ومنها كتاب «المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام» لجواد علي.
- كتب تاريخ اليمن القديم الجامعية.
- سيرة ابن هشام.
كلمات دليلية
بحث، بحث عن، بحث علمي، بحوث، مملكة حمير