مقدمة البحث
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فإن الله سبحانه اختار من خلقه من يحمل رسالته إلى الناس، وكان خاتمهم وأفضلهم نبينا محمد بن عبد الله ﷺ، الذي أخرج الله به الناس من الظلمات إلى النور. وقد قال تعالى:
﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: 107]
وفي هذا البحث نتعرف على نسبه الشريف ﷺ، ومولده ونشأته، وما صح من أحداث حياته قبل البعثة، وكيف نحقق محبته الحقيقية باتباع هديه وسنته.
تعريف الموضوع
المقصود بمولد الرسول ﷺ ولادته في مكة المكرمة، وهو الحدث الذي بدأت به سيرته العطرة. ولد ﷺ في عام الفيل، أي العام الذي أراد فيه أبرهة الحبشي هدم الكعبة فأهلكه الله وجنده، وكان مولده في يوم الاثنين. وقد ثبت ذلك في صحيح مسلم حين سُئل النبي ﷺ عن صيام يوم الاثنين فقال:
«ذَاكَ يَوْمٌ وُلِدْتُ فِيهِ» (رواه مسلم)
أما تحديد اليوم من الشهر فاختلف فيه أهل السير ولم يثبت فيه نص صريح، ولذلك لا يبنى عليه حكم شرعي، والمهم هو معرفة سيرته وتطبيق سنته.
أهمية الموضوع
دراسة سيرة النبي ﷺ من أعظم ما يقرّب المسلم من دينه، فهي تطبيق عملي للقرآن الكريم، ومنها نتعلم كيف نعبد الله ونعامل الناس ونتحمل الشدائد. وقد جعل الله نبيه قدوة لنا فقال:
﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: 21]
ومعرفة نشأته ﷺ تبين لنا أن الله تعالى رعاه وأعده لحمل الرسالة منذ صغره، وأنه عاش بين قومه معروفًا بالصدق والأمانة قبل أن يبعث نبيًا.
أهداف البحث
- التعرف على نسب النبي ﷺ وأسرته.
- معرفة ما صح من أحداث مولده ورضاعته ونشأته ويتمه.
- التعرف على مكانته قبل البعثة وعمله وزواجه.
- بيان بداية الوحي ومراحل الدعوة بإيجاز.
- إدراك أن محبة النبي ﷺ تكون باتباع سنته وتقديم هديه على الأهواء.
أولًا: نسبه الشريف ﷺ
هو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم، من قبيلة قريش، وقريش من نسل إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام. وقد أخبر النبي ﷺ عن شرف نسبه فقال:
«إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى كِنَانَةَ مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ وَاصْطَفَى قُرَيْشًا مِنْ كِنَانَةَ وَاصْطَفَى مِنْ قُرَيْشٍ بَنِي هَاشِمٍ» (رواه مسلم)
وكان جده عبد المطلب سيد قريش وصاحب سقاية الحجاج في مكة، وأمه آمنة بنت وهب من بني زهرة. وبهذا النسب الكريم كان ﷺ من أوسط العرب نسبًا وأعلاهم مكانة.
ثانيًا: المولد والرضاعة
ولد النبي ﷺ يتيمًا، إذ توفي أبوه عبد الله قبل ولادته، فتولاه جده عبد المطلب، وفرح بمولده وسماه محمدًا، وهو اسم قليل في العرب. وجرت عادة أهل مكة آنذاك أن يرسلوا أولادهم الرضع إلى البادية، لما فيها من الهواء الصافي واللغة الفصيحة، فأرضعته حليمة السعدية من بني سعد، وعاش في باديتهم سنوات من طفولته، ونشأ فصيح اللسان قوي البنية.
وفاة أمه وكفالة جده وعمه
عاد إلى أمه بعد انتهاء الرضاعة، وحين بلغ السادسة من عمره توفيت أمه آمنة بين مكة والمدينة في منطقة الأبواء وهي عائدة من زيارة أخواله بني النجار، فكفله جده عبد المطلب. ثم توفي جده وهو في الثامنة من عمره تقريبًا، فانتقلت كفالته إلى عمه أبي طالب، الذي أحاطه بحمايته ورعايته، وبقي يحميه حتى بعد البعثة.
وفي هذا اليتم المبكر حكمة إلهية، فقد تربى النبي ﷺ على عين الله، وعرف حال اليتامى والضعفاء، ولذلك أوصى بهم وبالإحسان إليهم.
ثالثًا: الشباب والأخلاق قبل البعثة
اشتغل النبي ﷺ في صغره برعي الغنم، وفي ذلك قال:
«مَا بَعَثَ اللَّهُ نَبِيًّا إِلاَّ رَعَى الْغَنَمَ» (رواه البخاري)
ثم عمل بالتجارة، فسافر إلى الشام في تجارة خديجة بنت خويلد رضي الله عنها، فأعجبت بأمانته وحسن خلقه. وكان قومه يلقبونه بـالصادق الأمين، ومن مواقفه المشهورة قبل البعثة أنه حكّم قريشًا في وضع الحجر الأسود حين اختلفوا فيمن يضعه، فبسط ثوبه ووضع الحجر فيه وأمر زعماء القبائل أن يرفعوه جميعًا، ثم وضعه بيده، فحقن الدماء ورضي الجميع. وشهد حلف الفضول وهو حلف لنصرة المظلوم.
وتزوج من خديجة رضي الله عنها وكان عمره خمسة وعشرين عامًا وهي أكبر منه، فكانت له نعم السند والزوجة، ورزق منها أولاده سوى إبراهيم.
رابعًا: البعثة ومراحل الدعوة
كان النبي ﷺ يعتزل في غار حراء ويتعبد، وحين بلغ الأربعين من عمره جاءه جبريل عليه السلام بأول الوحي، فنزل قوله تعالى:
﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (٥)﴾ [العلق: 1–5]
ثم بدأ بالدعوة سرًا إلى توحيد الله، فآمنت به خديجة وأبو بكر وعلي وزيد بن حارثة رضي الله عنهم، ثم أُمر بالجهر فصدع بالدعوة، فلقي من قريش أذى شديدًا هو وأصحابه. وبعد ثلاث عشرة سنة في مكة هاجر إلى المدينة المنورة، فأقام فيها دولة الإسلام وبنى المسجد النبوي وآخى بين المهاجرين والأنصار. وقبضه الله إليه في المدينة بعد أن بلّغ الرسالة وأدى الأمانة، وكان عمره ثلاثًا وستين سنة.
خامسًا: صفاته وأخلاقه
شهد الله تعالى لنبيه بحسن الخلق فقال:
﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: 4]
وكان ﷺ رحيمًا بالصغار، حليمًا مع الجاهلين، صادقًا لا يكذب، كريمًا لا يردّ سائلًا، متواضعًا يخدم أهله ويجلس مع الفقراء. ومع علو مكانته نهى أمته عن المبالغة في مدحه، فقال:
«لاَ تُطْرُونِي كَمَا أَطْرَتِ النَّصَارَى ابْنَ مَرْيَمَ، فَإِنَّمَا أَنَا عَبْدُهُ، فَقُولُوا عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ» (رواه البخاري)
أي لا تغلوا في مدحي كما غلت النصارى في المسيح عليه السلام، فأنا عبد الله ورسوله، وهذه أصدق عبارة تصف مقامه ﷺ.
سادسًا: كيف نحب النبي ﷺ؟
محبة النبي ﷺ ركن من أركان الإيمان الكامل، وقد بين ذلك بقوله:
«لاَ يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ» (رواه البخاري)
وعلامة هذه المحبة الصادقة اتباعه، قال الله تعالى:
﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [ال عمران: 31]
ومن مظاهر محبته ﷺ الحقيقية:
- الإكثار من الصلاة والسلام عليه.
- تعلم سيرته وتعليمها لأبنائنا وقراءة ما صح من أخباره.
- الالتزام بسنته في العبادة والمعاملة والأخلاق.
- تجنب البدع والزيادة في الدين لأن الدين تمّ واكتمل.
- الدفاع عن شخصه وسنته بالعلم والحكمة والأسلوب الحسن.
وبهذا يتبين أن أعظم وفاء لمولده ﷺ هو أن نحيا بسنته كل أيام العمر، لا أن نخصص لها يومًا واحدًا.
النتائج
- ولد النبي ﷺ في مكة المكرمة في عام الفيل يوم الاثنين، ولم يثبت نص صريح في تحديد يوم الشهر.
- نشأ يتيمًا وكفله جده ثم عمه، ورضع في بادية بني سعد.
- عرف قبل البعثة بالصدق والأمانة، وشارك في الأحداث النافعة لقومه.
- أُوحي إليه في الأربعين من عمره وهاجر إلى المدينة بعد ثلاث عشرة سنة في مكة.
- محبته تكون باتباع سنته لا بالغلو فيه.
التوصيات
- قراءة كتب السيرة الموثوقة المبنية على الصحيح.
- تخصيص وقت أسري لتعليم الأبناء سيرة النبي ﷺ.
- الاقتداء به في الأخلاق مع الأهل والجيران وزملاء العمل والدراسة.
- التحقق من صحة الأحاديث والأخبار قبل نشرها.
الخاتمة
تعرفنا في هذا البحث على نسب النبي ﷺ ومولده ونشأته وبعثته وأخلاقه، ورأينا كيف أعدّه الله لحمل أعظم رسالة. وإن واجبنا نحوه أن نحبه ونتبع هديه ونعلّم أبناءنا سيرته، فهو القدوة الحسنة والرحمة المهداة. نسأل الله أن يرزقنا اتباعه ظاهرًا وباطنًا وأن يجمعنا به في جنات النعيم.
المراجع
- القرآن الكريم.
- صحيح البخاري وصحيح مسلم.
- السيرة النبوية، لابن هشام.
- زاد المعاد في هدي خير العباد، لابن القيم.
- الرحيق المختوم، للمباركفوري.
- كتب السيرة النبوية في مناهج وزارة التعليم في المملكة العربية السعودية.