مقدمة البحث
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فإن الإيمان باليوم الآخر ركن عظيم من أركان الإيمان الستة، وهو من أعظم ما يدفع المسلم إلى الاستقامة والعمل الصالح، لأنه يعلم أن وراء هذه الحياة حياة أخرى يُجازى فيها الناس بأعمالهم. وفي هذا البحث نتحدث عن يوم البعث، وهو اليوم الذي يُحيي الله فيه الخلائق بعد موتهم ليقوموا لحسابه سبحانه.
قال الله تعالى مبينًا حقيقة هذا اليوم:
﴿وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [الحج: 7]
تعريف الموضوع
البعث في اللغة هو الإرسال والإثارة، يقال: بعثتُ الناقة إذا أثرتها وأقمتها. وأما في الاصطلاح الشرعي فهو إحياء الله الموتى وإخراجهم من قبورهم أحياءً يوم القيامة بعد النفخة الثانية في الصور. ويُسمى هذا اليوم أيضًا يوم القيامة ويوم الحساب ويوم الدين ويوم الخروج ويوم الجمع، وتعددُ أسمائه يدل على عظمته وكثرة ما يقع فيه من أحداث.
أهمية الموضوع
تكمن أهمية الحديث عن يوم البعث في أمور عدة، منها:
- أنه من أصول الإيمان التي لا يصح إيمان العبد إلا بها، وقد تكرر ذكره في القرآن الكريم كثيرًا.
- أنه يغرس في النفس مراقبة الله، فمن علم أنه محاسَب على عمله حرص على الإحسان وابتعد عن الظلم.
- أنه يطمئن المظلومين بأن حقوقهم لن تضيع، وأن العدل الكامل سيتحقق يوم القيامة.
- أنه يهوّن مصائب الدنيا، فالمؤمن يعلم أن الجزاء الأوفى عند الله.
أهداف البحث
- التعرف على معنى البعث وأسمائه.
- معرفة أدلة البعث من القرآن الكريم والسنة النبوية.
- بيان أبرز مشاهد يوم القيامة من الحشر والحساب والميزان.
- التعرف على الرد على المنكرين للبعث.
- استخلاص الثمرات التي يجنيها المؤمن من الإيمان بيوم البعث.
أولًا: الإيمان بالبعث ركن من أركان الإيمان
أجمع المسلمون على أن الإيمان باليوم الآخر ركن من أركان الإيمان، ويدخل فيه الإيمان بكل ما أخبر به النبي ﷺ مما يكون بعد الموت، من فتنة القبر ونعيمه وعذابه، ثم البعث والنشور، ثم الحساب والجزاء، ثم الجنة والنار. وقد جاء ذكر هذا الركن مقرونًا بالإيمان بالله في مواضع كثيرة من كتاب الله تعالى، لأن من آمن بالله حق الإيمان لزمه أن يؤمن بأنه سبحانه سيجمع خلقه ليحاسبهم.
ثانيًا: أدلة البعث
الدليل من القرآن الكريم
ذكر القرآن الكريم البعث وأقام عليه أدلة عقلية وحسية، فمن ذلك أن الله الذي خلق الإنسان أول مرة قادر على إعادته، وهو أهون عليه كما قال سبحانه:
﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ ۚ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَىٰ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [الروم: 27]
وفي سورة يس رد على من استبعد إحياء العظام بعد أن بليت وصارت رميمًا:
﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ ۖ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ ۖ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (٧٩)﴾ [يس: 78–79]
ومن الأدلة أيضًا أن الله قادر على خلق ما هو أعظم من الإنسان وهو السماوات والأرض، فإعادة خلق الإنسان أيسر في منطق العقل، وأن الله أحيا الأرض الميتة بالمطر فتخضر بعد يبسها، وهذا مثال يشاهده الناس كل عام على إحياء الموتى.
الدليل من السنة النبوية
أخبر النبي ﷺ عن البعث وعن حال الناس فيه، فقال في خطبته:
«إِنَّكُمْ مَحْشُورُونَ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلاً» (رواه البخاري)
وفيه أن الناس يُبعثون كما خُلقوا أول مرة، فتتساوى أحوالهم، ويكون كل واحد مشغولًا بنفسه لشدة الموقف وهوله.
الدليل من الفطرة والعقل
الفطرة السليمة تقتضي أن يكون هناك يوم يُنصف فيه المظلوم من الظالم، فكم من ظالم مات دون أن يُعاقب، وكم من مظلوم مات دون أن يأخذ حقه، فلو لم يكن بعد الموت حساب لكان ذلك مناقضًا لعدل الله وحكمته. وقد نفى القرآن هذا الظن في قوله تعالى:
﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾ [القيامة: 36]
ثالثًا: أحداث يوم القيامة
| المرحلة | بيانها |
|---|---|
| النفخ في الصور | ينفخ إسرافيل عليه السلام نفخة الصعق فيموت من في السماوات والأرض إلا من شاء الله، ثم نفخة البعث فيقوم الناس |
| البعث والنشور | يخرج الناس من قبورهم أحياءً إلى أرض المحشر |
| الحشر | يجمع الله الأولين والآخرين في صعيد واحد للحساب |
| الحساب والميزان | تُعرض الأعمال وتوزن بميزان العدل، ويُعطى كل إنسان كتابه |
| الجزاء | يصير الناس إلى الجنة أو إلى النار بحسب أعمالهم ورحمة الله |
وقد وصف القرآن النفخ في الصور وما يعقبه في قوله تعالى:
﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ۖ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَىٰ فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ [الزمر: 68]
الحساب والميزان
يحاسب الله عباده حسابًا دقيقًا لا يظلم فيه أحدًا، وتُوضع الموازين العادلة، فمن رجحت حسناته نجا وفاز، ومن خفّت موازينه خسر. قال تعالى:
﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا ۖ وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا ۗ وَكَفَىٰ بِنَا حَاسِبِينَ﴾ [الأنبياء: 47]
وتبلغ دقة الحساب أن يرى الإنسان عمله كله صغيره وكبيره، كما جاء في سورة الزلزلة:
﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)﴾ [الزلزلة: 7–8]
رابعًا: الرد على منكري البعث
أنكر بعض المشركين البعث قديمًا، وقالوا مستبعدين أن يعودوا بعد أن يصيروا عظامًا وترابًا، وقد حكى القرآن قولهم:
﴿وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا﴾ [الإسراء: 49]
ثم رد الله عليهم بقوله:
﴿أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ ۚ فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا ۖ قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ ۚ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هُوَ ۖ قُلْ عَسَىٰ أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا﴾ [الإسراء: 51]
وخلاصة الرد أن القدرة التي أوجدت الخلق من العدم لا يعجزها أن تعيده، وأن الإنكار لا ينشأ عن دليل عقلي بل عن استبعاد وهوى، وأن الله لم يخلق الناس عبثًا بل لحكمة سيظهر أثرها يوم الجزاء، وقد تضمنت سورة القيامة هذا المعنى في ختامها:
﴿أَلَيْسَ ذَٰلِكَ بِقَادِرٍ عَلَىٰ أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَىٰ﴾ [القيامة: 40]
خامسًا: ثمرات الإيمان بيوم البعث
- الحرص على الطاعة: يجتهد المؤمن في العمل الصالح رجاء ثواب ذلك اليوم.
- الخوف من المعصية: يبتعد المؤمن عن الذنوب والظلم خوفًا من عقاب ذلك اليوم.
- الطمأنينة: يتسلى المؤمن عما فاته من الدنيا لعلمه بما أعده الله للصابرين.
- الاستعداد: يعلم المسلم أن العمر قصير وأن الدنيا مزرعة الآخرة، فيغتنم وقته في ما ينفعه.
- أداء الحقوق: يحرص على رد الأمانات وإعطاء كل ذي حق حقه قبل أن يأتي يوم لا درهم فيه ولا دينار.
النتائج
- الإيمان بيوم البعث ركن من أركان الإيمان لا يصح الإيمان إلا به.
- البعث ثابت بالقرآن والسنة والعقل والفطرة.
- الله القادر على الخلق الأول قادر على الإعادة، وهي أهون عليه.
- يوم القيامة يوم العدل التام والحساب الدقيق الذي لا يظلم فيه أحد.
- للإيمان بالبعث أثر عظيم في سلوك المسلم وأخلاقه.
التوصيات
- الإكثار من قراءة الآيات التي تتحدث عن اليوم الآخر وتدبرها.
- تعليم الأبناء منذ الصغر أن لهم ربًّا يحاسب على الأعمال، بأسلوب يجمع بين الرجاء والخوف.
- محاسبة النفس كل يوم قبل أن يحاسبها الله.
- الإقبال على العمل الصالح والتوبة من الذنوب قبل فوات الأوان.
الخاتمة
عرفنا في هذا البحث معنى البعث وأدلته من الكتاب والسنة والعقل، وبعض مشاهد يوم القيامة من النفخ في الصور إلى الحشر والحساب والميزان، ورددنا على من استبعد هذا اليوم، وبينا ثمرات الإيمان به. نسأل الله أن يرزقنا الاستعداد ليوم لقائه، وأن يجعلنا ممن يؤتون كتبهم بأيمانهم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
المراجع
- القرآن الكريم.
- صحيح البخاري.
- تفسير ابن كثير.
- أعلام السنة المنشورة لاعتقاد الطائفة الناجية المنصورة، حافظ بن أحمد الحكمي.
- كتب العقيدة في المرحلة الثانوية، وزارة التعليم في المملكة العربية السعودية.