ليس الإنسان وحده هو الذي يصنع شخصيته، فللمكان الذي يعيش فيه والناس الذين يعيش بينهم أثر كبير في أخلاقه وطباعه وتفكيره. وهذا ما نسميه البيئة، وهي إما بيئة صالحة تأخذ بيد صاحبها إلى الخير والنجاح، وإما بيئة فاسدة تجرّه إلى الضياع والخسارة. وفي هذا الموضوع أتحدث عن الفرق بينهما وكيف نختار الأولى ونبتعد عن الثانية.

مقدمة

إذا نظرنا إلى الزرع وجدنا أن النبتة الواحدة تنمو قوية في التربة الطيبة والماء العذب، وتذبل في الأرض المالحة الجرداء، مع أن البذرة واحدة. وكذلك الإنسان، فهو يولد على الفطرة السليمة، ثم تأتي بيئته فتزيده نورًا أو تطفئ ما فيه من خير. وقد ضرب الله لنا هذا المثل في كتابه الكريم فقال:

﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ ۖ وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا ۚ كَذَٰلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ﴾ [الأعراف: 58]

ما المقصود بالبيئة؟

البيئة هي كل ما يحيط بالإنسان ويؤثر فيه ويتأثر به. وتشمل البيئة الطبيعية كالهواء والماء والأرض، والبيئة الاجتماعية كالأسرة والمدرسة والأصدقاء والجيران ووسائل الإعلام وما نشاهده في الشاشات. وحديثي هنا أكثر عن البيئة الاجتماعية والأخلاقية، لأنها التي تشكّل سلوك الإنسان وقيمه.

صفات البيئة الصالحة

  • يسودها الإيمان وحب الخير والالتزام بالأخلاق الحسنة.
  • يتعاون أفرادها على البر والتقوى، ويشجع بعضهم بعضًا على التفوق والعمل النافع.
  • يكثر فيها الاحترام والصدق والأمانة، وتقلّ فيها الغيبة والنميمة والكذب.
  • تحرص على النظافة والنظام وحماية الممتلكات العامة.
  • تنصح المخطئ بلطف وتأخذ بيده بدل أن تحتقره.

ومن نشأ في بيئة كهذه سهل عليه أن يحفظ القرآن، ويجتهد في دراسته، ويحترم والديه ومعلميه، ويكبر وهو نافع لنفسه ولوطنه.

صفات البيئة الفاسدة

  • يضعف فيها الوازع الديني، ويُستهان بالمحرمات.
  • يسخر أفرادها من المجتهد، ويمدحون المهمل والمستهتر.
  • تنتشر فيها الألفاظ البذيئة والكذب والتنمر والغش.
  • يضيع فيها الوقت في اللهو الذي لا فائدة منه.
  • تزيّن للشاب العادات الضارة كالتدخين وغيره، وتغريه بتقليد السيئين.

ومن وقع في بيئة كهذه ولم يتمسك بمبادئه فقد يتأثر بها شيئًا فشيئًا حتى يصير مثلها، وكثيرًا ما يندم حين لا ينفع الندم.

أثر الأصدقاء في صلاح البيئة

الصديق من أقوى مكونات البيئة تأثيرًا، لأننا نقضي معه وقتًا طويلًا ونقلّده من غير أن نشعر. وقد ضرب النبي ﷺ مثلًا بديعًا لذلك فقال:

«مَثَلُ الْجَلِيسِ الصَّالِحِ وَالْجَلِيسِ السَّوْءِ كَمَثَلِ صَاحِبِ الْمِسْكِ، وَكِيرِ الْحَدَّادِ، لاَ يَعْدَمُكَ مِنْ صَاحِبِ الْمِسْكِ إِمَّا تَشْتَرِيهِ، أَوْ تَجِدُ رِيحَهُ، وَكِيرُ الْحَدَّادِ يُحْرِقُ بَدَنَكَ أَوْ ثَوْبَكَ أَوْ تَجِدُ مِنْهُ رِيحًا خَبِيثَةً» (رواه البخاري)

فالجليس الصالح كبائع العطر، إن لم يهدك عطرًا فقد استفدت من رائحته الطيبة، والجليس السيئ كالذي ينفخ في النار، لا تسلم من دخانه وشرره. فلنحسن اختيار أصدقائنا.

كيف نصنع بيئة صالحة؟

  1. في البيت: يغرس الوالدان القدوة الحسنة، ويجلسان مع أبنائهما ويحاورانهم ويراقبان ما يشاهدونه.
  2. في المدرسة: نلتزم بالنظام، ونشارك في الأنشطة النافعة، ونحترم المعلمين والزملاء.
  3. مع الأصدقاء: نصاحب أهل الخلق والجد، وننصح من يخطئ منهم برفق.
  4. على الشاشات: نختار ما نشاهده ونتابعه، ونبتعد عن المحتوى الذي يهدم القيم.
  5. في الحي والمدينة: نحافظ على نظافة الشارع والحديقة، ونتعاون مع الجيران في الخير.

وماذا لو وجدت نفسي في بيئة فاسدة؟

قد لا يختار الإنسان دائمًا مكان عيشه، لكنه يستطيع أن يختار موقفه. فيمكنه أن يتمسك بدينه ومبادئه، ويقلل من مخالطة السيئين، ويبحث عن رفقة طيبة في المسجد والمدرسة والنادي، ويستعين بوالديه ومعلميه. فالبيئة تؤثر في الإنسان لكنها لا تلغي إرادته، وكم من شاب نشأ في ظروف صعبة فصار قدوة لغيره بعزيمته.

خاتمة

إن البيئة الصالحة نعمة كبيرة، تحفظ الإنسان من الزلل وتدفعه إلى معالي الأمور، والبيئة الفاسدة خطر يتسلل بهدوء حتى يغيّر صاحبه. وعلينا جميعًا أن نحرص على أن نكون عناصر خير في بيئاتنا، فنكون الصديق الصالح والابن البار والجار الطيب والطالب المجتهد، فإذا صلح كل فرد صلح المجتمع كله. أسأل الله أن يصلح بيئاتنا ويوفقنا إلى كل خير.

كلمات دليلية

تعبير، تعبير عن البيئة الصالحة والبيئة الفاسدة، ورقات، تعبير مدرسي، ورقات تعليمية