مقدمة البحث
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد. أما بعد، فإن دراسة التاريخ تعين الإنسان على فهم الحاضر واستخلاص العبرة من أحوال الأمم، وقد أرشد القرآن الكريم إلى السير في الأرض والنظر في عاقبة الأمم السابقة. ومن أبرز القوى التي عاصرت ظهور الإسلام الإمبراطورية البيزنطية، وقد جاء ذكرها في كتاب الله تعالى حين قال:
﴿غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (٣) فِي بِضْعِ سِنِينَ ۗ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ ۚ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (٤)﴾ [الروم: 2–4]
وفي هذا البحث نتعرف على نشأة هذه الإمبراطورية ونظامها وحضارتها وعلاقتها بالمسلمين وسبب سقوطها.
تعريف الموضوع
الإمبراطورية البيزنطية هي الامتداد الشرقي للإمبراطورية الرومانية، وقد عُرفت عند العرب باسم الروم. وتسميتها بالبيزنطية تسمية أطلقها المؤرخون المحدثون نسبة إلى مدينة بيزنطة، التي أُعيد بناؤها وسُميت القسطنطينية نسبة إلى الإمبراطور قسطنطين الأول. وقد استمرت هذه الدولة نحو ألف عام بعد سقوط القسم الغربي من الإمبراطورية الرومانية.
أهمية الموضوع
تكمن أهمية الموضوع في أن البيزنطيين كانوا إحدى القوتين العظميين في العالم القديم مع الفرس، وأن الصراع معهم شكّل جزءًا مهمًا من تاريخ الفتوحات الإسلامية. كما حفظت هذه الدولة جانبًا من تراث الرومان واليونان، وأثرت في الفن والعمارة والقانون في أوروبا وما حولها. ودراستها تساعد الطالب على فهم تاريخ المنطقة وطبيعة العلاقات بين الحضارات.
أهداف البحث
- التعرف على نشأة الإمبراطورية البيزنطية وتسميتها.
- معرفة عاصمتها وموقعها المتميز.
- بيان نظام الحكم والمجتمع والديانة فيها.
- التعرف على علاقتها بالفرس والمسلمين.
- معرفة أسباب ضعفها ثم سقوطها.
محاور البحث
أولًا: النشأة
اتسعت الإمبراطورية الرومانية اتساعًا كبيرًا حتى صعب حكمها من مركز واحد، فانقسمت في أواخر القرن الرابع الميلادي إلى قسمين: غربي عاصمته روما، وشرقي عاصمته القسطنطينية. وسقط القسم الغربي في القرن الخامس الميلادي أمام هجمات القبائل الجرمانية، أما القسم الشرقي فبقي قائمًا وهو الذي عُرف بالإمبراطورية البيزنطية. وكان يضم أجزاء من آسيا الصغرى والشام ومصر وشمال أفريقيا وجنوب أوروبا في أوج اتساعه.
ثانيًا: العاصمة القسطنطينية
اختار الإمبراطور قسطنطين موقعًا عبقريًا لعاصمته، فهي تقع على مضيق البوسفور الذي يفصل بين قارتي أوروبا وآسيا ويصل بين البحر الأسود وبحر مرمرة، وتحيط بها المياه من ثلاث جهات وتحميها أسوار ضخمة. وكانت المدينة مركزًا تجاريًا وثقافيًا ودينيًا مهمًا، ومن أشهر معالمها كنيسة آيا صوفيا التي بُنيت في عهد الإمبراطور جستنيان. وقد حاولت جيوش كثيرة فتحها فعجزت عنها قرونًا.
ثالثًا: النظام السياسي والاجتماعي
- الحكم: الإمبراطور صاحب السلطة العليا في الدولة، ويجمع بين السلطتين السياسية والدينية في مظهرها.
- الديانة: النصرانية على المذهب الأرثوذكسي الشرقي، وكان للكنيسة نفوذ كبير في الحياة العامة.
- اللغة: اللاتينية في البداية ثم صارت اليونانية هي لغة الدولة والثقافة.
- القانون: اشتهر عهد جستنيان بجمع القوانين الرومانية وتنظيمها في مدونة عُرفت باسمه.
- الاقتصاد: قام على التجارة عبر موقعها الوسط بين الشرق والغرب، وعلى الزراعة والصناعات كالنسيج.
رابعًا: الحضارة والفنون
تميزت الحضارة البيزنطية بفن العمارة ذي القباب الكبيرة، وبفن الفسيفساء الملونة والأيقونات التي تزين الكنائس. وحفظت المكتبات البيزنطية جانبًا كبيرًا من المخطوطات اليونانية القديمة، ثم انتقل بعضها إلى العالم الإسلامي عبر الترجمة، وإلى أوروبا في عصر النهضة. وللتجارة والصناعات البيزنطية سمعة واسعة، خاصة صناعة الحرير والمنسوجات.
خامسًا: الصراع مع الفرس
عاشت الدولة البيزنطية قرونًا في صراع مع الإمبراطورية الفارسية الساسانية على النفوذ في الشام والعراق وأرمينيا، وتبادل الطرفان الانتصارات والهزائم. وفي زمن النبي ﷺ انتصر الفرس على الروم في بعض المواجهات فحزن المسلمون لذلك، لأن الروم أهل كتاب أقرب إليهم من الفرس المجوس، فنزلت الآيات الكريمة المذكورة في مقدمة هذا البحث تبشر بأن الروم سينتصرون، وقد حدث ذلك بعد سنوات قليلة.
سادسًا: العلاقة بالمسلمين
بدأت المواجهة مع الروم في عهد النبي ﷺ، فكانت غزوة مؤتة وغزوة تبوك. ثم واصل الخلفاء الراشدون الفتوحات، فانتصر المسلمون في معركة اليرموك التي كانت من المعارك الفاصلة، وانتقلت بعدها بلاد الشام ومصر إلى حكم المسلمين. ثم استمرت الحملات بين الطرفين عبر العصور الأموية والعباسية والمملوكية، ووُجدت أيضًا فترات من الهدنة والتبادل التجاري والدبلوماسي.
سابعًا: أسباب الضعف والسقوط
- الحروب الطويلة المرهقة مع الفرس والمسلمين وغيرهم.
- الصراعات الداخلية على العرش والخلافات الدينية والمذهبية.
- ضعف الاقتصاد وارتفاع الضرائب واتساع الفجوة بين الطبقات.
- نهب القسطنطينية على يد الحملة الصليبية الرابعة في مطلع القرن الثالث عشر الميلادي، وهي ضربة لم تتعاف منها الدولة تمامًا.
- صعود قوة الدولة العثمانية المجاورة.
وفي سنة ثمانمئة وسبعة وخمسين للهجرة الموافقة لسنة ألف وأربعمئة وثلاث وخمسين للميلاد، فتح السلطان العثماني محمد الفاتح القسطنطينية، وبذلك انتهت الإمبراطورية البيزنطية، وصارت المدينة عاصمة للدولة العثمانية وعُرفت باسم إسطنبول.
ثامنًا: الإرث الذي تركته الدولة
بقيت آثار الحضارة البيزنطية بعد زوال دولتها، فقد انتقل كثير من علمائها وكتبهم إلى إيطاليا قبيل سقوط القسطنطينية وأسهموا في نهضة أوروبا العلمية. وبقيت آيا صوفيا شاهدة على فن العمارة البيزنطي، وأثّرت أنظمة القانون الروماني الذي دُوّن في عهدها في كثير من القوانين اللاحقة. كما أخذ العثمانيون عن البيزنطيين بعض التقاليد الإدارية والمعمارية. وهكذا نرى أن الحضارات تتوارث العلوم والفنون فيما بينها، وأن الأمم تستفيد من خبرات من سبقها.
النتائج
- البيزنطيون هم الروم الشرقيون، وعاصمتهم القسطنطينية.
- تميزت الدولة بموقعها الاستراتيجي وبفنها المعماري وقانونها المنظم.
- كانت من أكبر القوى المعاصرة لظهور الإسلام ولها ذكر في القرآن الكريم.
- أضعفتها الحروب والصراعات الداخلية حتى سقطت على يد العثمانيين.
التوصيات
- الاهتمام بدراسة تاريخ الحضارات من مصادره الموثوقة.
- أخذ العبرة من أسباب قيام الدول وسقوطها.
- تشجيع الطلاب على القراءة التاريخية والزيارات المتحفية.
الخاتمة
تناول هذا البحث الإمبراطورية البيزنطية من حيث النشأة والعاصمة والنظام والحضارة وصلتها بالمسلمين وأسباب سقوطها. ويتضح أن الدول مهما عظمت قوتها فإن سنن الله في الأمم لا تتخلف، وأن العدل والقوة والوحدة أسباب البقاء، وأن الترف والصراع الداخلي من أسباب الزوال. والله أعلم.
المراجع
- كتب التاريخ للمرحلتين المتوسطة والثانوية، وزارة التعليم في المملكة العربية السعودية.
- تاريخ الأمم والملوك، لابن جرير الطبري.
- الكامل في التاريخ، لابن الأثير.
- تاريخ الدولة البيزنطية، تأليف جورج أوستروغورسكي.