مقدمة البحث
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه. أما بعد، فإن الله تعالى كرّم الإنسان بالعقل، وجعله مناط التكليف وأداة العلم والفهم، ودعاه في مواضع كثيرة من القرآن الكريم إلى التفكر والتدبر والنظر. والتفكير هو الذي يميّز الإنسان ويصنع حضارته، فبالتفكير اخترع الإنسان الأدوات وبنى المدن وكشف قوانين الطبيعة. وفي هذا البحث نتعرف على معنى التفكير وأنواعه ومهاراته ومعوقاته وطرق تنميته.
تعريف الموضوع
التفكير في اللغة إعمال العقل في الشيء وتأمله للوصول إلى معرفته. وفي الاصطلاح عملية عقلية يستخدم فيها الإنسان ما لديه من معلومات وخبرات لفهم موقف أو حل مشكلة أو اتخاذ قرار أو إنتاج فكرة جديدة. وهو يختلف عن مجرد التذكر أو الحفظ، لأن المفكر يربط المعلومات ويحللها ويصل منها إلى نتائج لم تكن واضحة له من قبل.
أهمية الموضوع
للتفكير أهمية بالغة في حياة الفرد والمجتمع، فالطالب الذي يفكر يفهم دروسه ولا يكتفي بحفظها، والموظف الذي يفكر يطوّر عمله ويبتكر الحلول، والمجتمع الذي يشجع التفكير ينهض علميًا واقتصاديًا. وفي عصر المعلومات الكثيرة ووسائل التواصل أصبحت الحاجة إلى التفكير السليم أشد، لتمييز الصحيح من الزائف واتخاذ القرارات الرشيدة.
أهداف البحث
- التعرف على معنى التفكير وأهميته.
- التمييز بين أنواع التفكير ومهارات كل نوع.
- بيان عناية الإسلام بالتفكير والتدبر.
- معرفة معوقات التفكير السليم.
- التعرف على وسائل عملية لتنمية التفكير عند الطلاب.
محاور البحث
أولًا: التفكير في القرآن الكريم
حثّ القرآن الكريم على التفكر في آيات الله في الكون وفي النفس، ووصف أصحاب العقول الراجحة بأنهم يتفكرون، قال الله تعالى:
﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٠) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَٰذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (١٩١)﴾ [ال عمران: 190–191]
وأمر بالنظر في الكون فقال سبحانه:
﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس: 101]
وعاب على الذين يقلدون غيرهم بلا تفكير، ودعا إلى طلب البرهان وعدم اتباع الظن، وبيّن أن السمع والبصر والعقل مسؤولة عن صاحبها، قال تعالى:
﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ۚ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: 36]
وبيّن النبي ﷺ فضل طلب العلم الذي هو ثمرة التفكير، فقال:
«مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ» (رواه مسلم)
ثانيًا: أنواع التفكير
| النوع | معناه | مثال |
|---|---|---|
| التفكير الناقد | فحص المعلومات وتقييمها والحكم عليها بالأدلة قبل قبولها | التحقق من صحة خبر قبل نشره |
| التفكير الإبداعي | إنتاج أفكار جديدة ومفيدة وغير مألوفة | ابتكار طريقة جديدة لتنظيم الدراسة |
| التفكير العلمي | اتباع خطوات منظمة: ملاحظة وفرضية وتجربة ونتيجة | تجربة معملية لمعرفة أثر الحرارة في الذوبان |
| التفكير التأملي | التأمل الهادئ في الأمور والاعتبار بها | التأمل في خلق الله وعظمته |
| التفكير المنطقي | الانتقال من مقدمات صحيحة إلى نتيجة سليمة | حل مسألة رياضية خطوة بخطوة |
ثالثًا: مهارات التفكير
- الملاحظة: جمع المعلومات بالحواس بدقة.
- المقارنة والتصنيف: إيجاد أوجه الشبه والاختلاف وترتيب الأشياء في مجموعات.
- التحليل: تفكيك الموضوع إلى عناصره لفهمه.
- الاستنتاج: الوصول إلى نتيجة من المعطيات المتاحة.
- التقويم: إصدار حكم على قيمة فكرة أو عمل بناءً على معايير واضحة.
- حل المشكلات: تحديد المشكلة وجمع المعلومات واقتراح الحلول واختيار الأفضل.
- اتخاذ القرار: الموازنة بين البدائل واختيار أنسبها.
رابعًا: خطوات حل المشكلة
- تحديد المشكلة بوضوح.
- جمع المعلومات المتعلقة بها.
- اقتراح عدة حلول ممكنة.
- تقويم كل حل ومزاياه وعيوبه.
- اختيار الحل الأنسب وتنفيذه.
- مراجعة النتيجة وتعديل الخطة إن لزم.
خامسًا: معوقات التفكير
- التقليد الأعمى: قبول الأفكار لمجرد أنها شائعة أو قالها فلان.
- الخوف من الخطأ: فمن يخاف أن يخطئ لا يجرّب ولا يبتكر.
- التعصب للرأي: رفض سماع الرأي الآخر.
- التسرع: إصدار الأحكام قبل جمع المعلومات الكافية.
- الانفعال الشديد: فالغضب والخوف يشوشان التفكير، ولذلك أوصى النبي ﷺ بضبط النفس عند الغضب.
- الاعتماد على الحفظ فقط دون فهم.
- الإفراط في الجلوس أمام الشاشات وقلة القراءة والحوار.
سادسًا: طرق تنمية التفكير
- القراءة المتنوعة والاطلاع على الثقافات والعلوم المختلفة.
- طرح الأسئلة: لماذا؟ وكيف؟ وماذا لو؟
- المشاركة في الحوار والنقاش المحترم وتقبل الرأي المخالف.
- ممارسة الألعاب العقلية والألغاز والأنشطة العلمية.
- تدوين الأفكار ومراجعتها بين وقت وآخر.
- تعلم من الأخطاء بدل الخوف منها.
- المشاركة في المسابقات والمشاريع والأنشطة الطلابية التي تتيح الابتكار.
- دور المعلم والأسرة في تشجيع الأسئلة وعدم السخرية من أفكار الطفل.
سابعًا: أثر التفكير في حياة المسلم
يزداد إيمان المسلم حين يتفكر في خلق السماوات والأرض وبديع صنع الله، ويستقيم سلوكه حين يتدبر عواقب الأمور قبل الإقدام عليها، وتنجح دراسته وعمله حين يخطط ويحلل، ويحمي نفسه من الشائعات والأفكار الضالة حين يميز ويتثبت. ولهذا جعل الإسلام العقل من الضرورات الخمس التي جاءت الشريعة بحفظها، وحرّم ما يذهبه أو يضعفه.
ثامنًا: مثال تطبيقي
لنفترض أن طالبًا يتأخر دائمًا في تسليم واجباته. فالتفكير السليم يبدأ بتحديد المشكلة: هل السبب كثرة الألعاب الإلكترونية أم سوء تنظيم الوقت أم صعوبة المادة؟ ثم يجمع الطالب المعلومات عن يومه، ويقترح حلولًا كوضع جدول ثابت وتخصيص وقت محدد للترفيه وطلب مساعدة المعلم، ثم يجرب الحل الأنسب أسبوعًا ويقوّم النتيجة. وبهذه الخطوات البسيطة ينتقل من الشكوى إلى الحل.
الخاتمة
خلصنا في هذا البحث إلى أن التفكير نعمة عظيمة وأمانة ومسؤولية، وأن له أنواعًا ومهارات تُكتسب بالتدريب والممارسة، وأن القرآن الكريم دعا إليه ورفع من شأن أهل العلم والتفكر. وأن معوقاته كالتقليد والتسرع والتعصب يمكن التغلب عليها بالقراءة والحوار والأسئلة. فلنجعل التفكير عادة يومية في دراستنا وحياتنا، ولنشكر الله على نعمة العقل باستعماله فيما ينفع.
المراجع
- القرآن الكريم وصحيح مسلم.
- كتب مهارات التفكير والتفكير الناقد للمرحلتين المتوسطة والثانوية، وزارة التعليم في المملكة العربية السعودية.
- مؤلفات إدوارد دي بونو في تعليم التفكير.
- كتب علم النفس التربوي الجامعية في موضوع التفكير وحل المشكلات.