مقدمة البحث
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه. أما بعد، فقد كرّم الله الإنسان وجعل حفظ نفسه من مقاصد الشريعة العليا، وحثّ على إنقاذ الأرواح وإغاثة المحتاجين. وتقدم الطب الحديث تقدمًا كبيرًا، فأصبح بالإمكان أن ينقذ عضو سليم من إنسان حياة مريض يعاني فشلًا في أحد أعضائه. وهذا هو موضوع التبرع بالأعضاء الذي نتناوله في هذا البحث من الناحية العلمية والشرعية والإنسانية.
تعريف الموضوع
التبرع بالأعضاء هو أن يهب إنسان عضوًا أو جزءًا من جسمه أو نسيجًا منه، وهو حي أو بعد وفاته، لمريض يحتاج إليه، دون مقابل مادي، بقصد إنقاذ حياته أو تحسين صحته. ويسمى الشخص المتبرع المانح، ويسمى المريض المستفيد المتلقي. وتتم العملية الجراحية على يد فرق طبية متخصصة في المستشفيات المعتمدة.
أهمية الموضوع
تظهر أهمية الموضوع في أن كثيرًا من المرضى ينتظرون عضوًا مناسبًا لإنقاذ حياتهم، كمرضى الفشل الكلوي والكبدي والقلب. ويمثل التبرع صورة من صور التكافل الاجتماعي والإيثار. وفي الوقت نفسه فإنه موضوع تتداخل فيه الجوانب الطبية والشرعية والأخلاقية، فمن الواجب أن يعرف الطلاب الحقائق الصحيحة بعيدًا عن الشائعات.
أهداف البحث
- التعرف على معنى التبرع بالأعضاء وأنواعه.
- معرفة الضوابط الشرعية التي ذكرها العلماء في هذا الباب.
- بيان دور الجهات الصحية في تنظيم التبرع بالمملكة.
- إدراك فضل إنقاذ النفس والإيثار.
- التعرف على تحديات التبرع ووسائل التوعية به.
المحور الأول: أنواع التبرع بالأعضاء
| النوع | التوضيح | أمثلة |
|---|---|---|
| تبرع من حي | يتبرع إنسان سليم بما لا يضر حياته ولا يعطل وظائفه الأساسية | إحدى الكليتين وجزء من الكبد |
| تبرع بعد الوفاة | تؤخذ الأعضاء بعد ثبوت الوفاة طبيًّا وبإذن الشخص أو أهله وفق الأنظمة | القلب والكبد والكلى والقرنية |
| تبرع بالأنسجة والدم | التبرع بدم أو نخاع عظم أو جلد أو قرنية | التبرع بالدم وبنخاع العظم |
ولا بد في كل أنواع التبرع من إجراء فحوص طبية دقيقة لتحقيق التوافق بين المتبرع والمتلقي، وهو يشمل فصيلة الدم ونسيج الجسم، لتقليل احتمال رفض الجسم للعضو المزروع.
المحور الثاني: الحكم الشرعي وضوابطه
بحث علماء العصر ومجامع الفقه هذه المسألة بحثًا مفصلًا، وصدرت فيها قرارات من هيئات علمية منها هيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية ومجمع الفقه الإسلامي الدولي. وتدور الأحكام العامة حول إباحة التبرع بالضوابط الآتية، وللتفصيل يرجع إلى قرارات هذه الجهات وإلى أهل العلم:
- ألا يضر المتبرع الحي ضررًا بالغًا: فلا يجوز التبرع بما تتوقف عليه حياته كالقلب من حي، وللمتبرع أن يتبرع بما يمكنه العيش بدونه ولا يعرضه لضرر جسيم.
- أن تكون هناك حاجة حقيقية: بتقرير أطباء ثقات مختصين يؤكدون ضرورة الزراعة وفعاليتها.
- الرضا والإذن: أن يكون التبرع عن رضا واختيار تام من المتبرع دون إكراه أو ضغط.
- منع البيع والتجارة: لا يجوز بيع الأعضاء ولا المتاجرة بها، فهي من أعظم صور استغلال الفقراء.
- ثبوت الوفاة بشهادة أطباء ثقات في حالة التبرع بعد الوفاة: مع مراعاة إذن الشخص في حياته أو إذن أوليائه وفق النظام.
- إجراؤه في جهات مرخصة: وفق نظام زراعة الأعضاء، ومن خلال مراكز معتمدة.
وقد استدل العلماء على جواز التبرع بقواعد الشريعة العامة في تحصيل المصالح العظمى، ومنها حفظ النفس وإحياؤها. والله تعالى يقول:
﴿مِنْ أَجْلِ ذَٰلِكَ كَتَبْنَا عَلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا ۚ وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَٰلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ﴾ [المائدة: 32]
وقد دلّت السنة على مشروعية التداوي وأن لكل داء دواء، فقال النبي ﷺ:
«مَا أَنْزَلَ اللَّهُ دَاءً إِلاَّ أَنْزَلَ لَهُ شِفَاءً» (رواه البخاري)
وهذا يشجع المسلم على الأخذ بأسباب العلاج المباحة ومنها ما أتاحه الطب الحديث من زراعة الأعضاء.
المحور الثالث: جهود المملكة في زراعة الأعضاء
أولت المملكة العربية السعودية اهتمامًا بمجال زراعة الأعضاء، فصدر نظام ينظم زراعة الأعضاء ويمنع الاتجار بها، وأنشئ المركز السعودي لزراعة الأعضاء ليشرف على التنسيق بين المستشفيات وقوائم الانتظار وحفظ حقوق المتبرعين والمرضى. ويقدم المركز برامج للتسجيل الطوعي للراغبين في التبرع بعد الوفاة، وتوجد مستشفيات متخصصة تجري عمليات زراعة الكلى والكبد والقلب وغيرها. وتشرف على هذا المجال الجهات الصحية المختصة، ويرجع في أي تفصيل إلى المنصات الرسمية الصحية.
المحور الرابع: التحديات والتوعية
أولًا: التحديات
- قلة عدد المتبرعين مقارنة بعدد المرضى المنتظرين.
- غياب الوعي أو وجود مفاهيم خاطئة لدى بعض الناس عن حكم التبرع.
- الحاجة إلى حماية الفقراء من الاستغلال وإلى مراقبة صارمة على الاتجار.
- صعوبة التوافق الطبي بين المتبرع والمتلقي في بعض الحالات.
ثانيًا: وسائل التوعية
- نشر المعلومة الصحيحة عن طريق الجهات الصحية والمدارس والجامعات.
- إشراك العلماء والأطباء في تبسيط الأحكام والحقائق.
- تشجيع الأسر على النقاش وإبداء الرغبة في التبرع مسبقًا.
- تكريم المتبرعين وتقدير مبادراتهم الإنسانية.
وينبغي التنبيه إلى أن قرار التبرع قرار شخصي مهم، وعلى من يفكر فيه أن يستشير الطبيب المختص ويطلع على المخاطر والفوائد، وأن يستند في حكمه الشرعي إلى قرارات أهل العلم الثقات. وليس في هذا البحث ما يغني عن الاستشارة الطبية أو الشرعية الخاصة.
النتائج
- التبرع بالأعضاء هبة عضو أو نسيج لمريض محتاج بلا مقابل.
- أجازه العلماء بضوابط تحفظ حياة المتبرع وتمنع البيع والاستغلال.
- أنشأت المملكة مركزًا لتنظيم زراعة الأعضاء ووضعت نظامًا يمنع الاتجار.
- التوعية الصحيحة تزيد الإقبال وتقلل المفاهيم الخاطئة.
التوصيات
- الاعتماد على الجهات الرسمية والعلماء الثقات في معرفة أحكام التبرع.
- مراجعة الطبيب المختص قبل اتخاذ قرار التبرع.
- نشر ثقافة التبرع بالدم الذي يعد أيسر صور التبرع وأكثرها انتشارًا.
- الإبلاغ عن أي محاولة للاتجار بالأعضاء.
الخاتمة
عرفنا في هذا البحث أن التبرع بالأعضاء باب من أبواب الإحسان وإنقاذ النفوس، وأنه ينظمه الشرع والنظام بضوابط تصون كرامة الإنسان. وعلى المجتمع أن يتعاون في نشر الوعي بهذا الأمر، وأن يسأل الله لإخواننا المرضى الشفاء والعافية.
المراجع
- القرآن الكريم، سورة المائدة.
- صحيح البخاري، كتاب الطب.
- قرارات مجمع الفقه الإسلامي الدولي في زراعة الأعضاء.
- قرارات هيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية.
- المركز السعودي لزراعة الأعضاء، وزارة الصحة.