مقدمة البحث

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فإن في قلب أوروبا الجنوبية الشرقية بلدًا جميلًا تحيط به الجبال والغابات والأنهار، شهد حضارات متعاقبة وتعايشت على أرضه أديان وقوميات مختلفة، هو البوسنة والهرسك. وقد عرفه المسلمون في العالم عن قرب بسبب ما مرّ به من أحداث مؤلمة في تسعينيات القرن العشرين، وما يحمله من تراث إسلامي أوروبي عريق. وفي هذا البحث نتعرف على موقعه وتاريخه وسكانه وثقافته.

تعريف الموضوع

البوسنة والهرسك دولة تقع في منطقة البلقان جنوب شرق أوروبا، عاصمتها سراييفو. وكانت جزءًا من جمهورية يوغوسلافيا الاتحادية قبل أن تعلن استقلالها في بداية التسعينيات من القرن العشرين. واسمها مركب من إقليمين تاريخيين هما البوسنة في الشمال والوسط، والهرسك في الجنوب. وأغلب سكانها من البوشناق وهم مسلمون، إلى جانب الصرب والكروات، ولغاتهم متقاربة.

أهمية الموضوع

تأتي أهمية الموضوع من أن البوسنة والهرسك من البلدان الأوروبية ذات الحضور الإسلامي التاريخي، ومن أن دراستها تبين كيف تحافظ الشعوب على هويتها وتراثها رغم المحن، وكيف يحتاج السلام إلى جهد مشترك وحوار. كما أنها تقدم مثالًا لموقع جغرافي يجمع بين الشرق والغرب فينعكس على الثقافة والعمارة والمطبخ والعادات.

أهداف البحث

  • التعرف على موقع البوسنة والهرسك وتضاريسها ومناخها.
  • معرفة مراحل تاريخها الرئيسة منذ العصور القديمة.
  • التعرف على دخول الإسلام وأثره الحضاري.
  • فهم أحداث حرب التسعينيات واتفاق دايتون بإيجاز وحياد.
  • التعرف على اقتصاد البلد وسياحته وثقافته.

أولًا: الموقع والتضاريس

تقع البوسنة والهرسك في غرب شبه جزيرة البلقان، ولها حدود برية مع كرواتيا من الشمال والغرب، وصربيا من الشرق، والجبل الأسود من الجنوب الشرقي، ولها منفذ ضيق على البحر الأدرياتيكي في منطقة نيوم. وتغلب على أرضها الجبال والهضاب، وتكثر فيها الغابات والأنهار، ومن أشهرها نهر البوسنة الذي سُمّيت البلاد باسمه، ونهر نيريتفا الذي تقع عليه مدينة موستار، ونهر درينا ونهر سافا على الحدود الشمالية. ويتفاوت مناخها بين قاري في الداخل ومعتدل قريب من مناخ البحر المتوسط في الجنوب.

ثانيًا: لمحة تاريخية

المرحلةأبرز ما فيها
العصور القديمةسكنتها قبائل الإيليريين ثم خضعت لحكم الرومان
العصور الوسطىقامت فيها إمارة ومملكة بوسنوية مستقلة تتنازعها قوى مجاورة
العهد العثمانيدخلت ضمن الدولة العثمانية في القرن الخامس عشر الميلادي وانتشر فيها الإسلام
العهد النمساوي المجريأُلحقت بالإمبراطورية النمساوية المجرية في أواخر القرن التاسع عشر
يوغوسلافياصارت جمهورية ضمن الاتحاد اليوغوسلافي بعد الحرب العالمية الثانية
الاستقلالأعلنت استقلالها في مطلع التسعينيات من القرن العشرين

ثالثًا: الإسلام في البوسنة

انتشر الإسلام في البوسنة والهرسك في العهد العثماني، وأقبل كثير من أهلها عليه طواعية، وقامت في المدن مساجد ومدارس ومكتبات وحمّامات وأسواق، وصارت سراييفو من المدن التي تزخر بالطراز الإسلامي، ومن أشهر معالمها المسجد المعروف بمسجد الغازي خسرو بك. وقد حافظ البوشناق على دينهم رغم تقلب الحكومات وضغوط بعضها. ومن مظاهر اهتمامهم بالعلم إنشاء المكتبات وتعليم القرآن الكريم، وقد قال الله تعالى:

﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ۚ وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَىٰ شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا ۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [ال عمران: 103]

وللمسلمين في البوسنة اليوم هيئة تُعرف بالمشيخة الإسلامية تدير الشؤون الدينية والتعليم الديني والمساجد. ويعيش في البلد مسلمون ومسيحيون أرثوذكس وكاثوليك ويهود، وقد عُرفت سراييفو تاريخيًا بتعايش أديان متعددة في مدينة واحدة.

رابعًا: حرب التسعينيات واتفاق دايتون

بعد تفكك الاتحاد اليوغوسلافي أجرت البوسنة والهرسك استفتاءً على الاستقلال، ثم اندلعت حرب مؤلمة بدأت في سنة ١٩٩٢م واستمرت قرابة ثلاث سنوات ونصف، تعرضت فيها مدن عدة لحصار وقصف، ومنها سراييفو، وسقط ضحايا كثيرون من المدنيين، وشُرد أعداد كبيرة من السكان. وشهدت تلك الفترة جرائم دولية، منها ما جرى في سربرنيتسا، وقد نظرت فيها المحكمة الجنائية الدولية الخاصة بيوغوسلافيا السابقة. وأوقفت الحرب باتفاق دايتون للسلام الذي وُقّع في عام ١٩٩٥م برعاية دولية، وبمقتضاه صارت الدولة تتكون من كيانين هما اتحاد البوسنة والهرسك وجمهورية صربسكا، إلى جانب منطقة برتشكو، ضمن دولة واحدة بنظام حكم يقوم على تقاسم السلطة بين المكونات الرئيسة. وما زال أهل البلد يعملون على ترميم ما تهدم وبناء الثقة.

خامسًا: الاقتصاد والسياحة

يقوم اقتصاد البلد على الصناعة والتعدين والزراعة والخدمات، وتتوافر فيه الغابات والمياه والطاقة الكهرومائية. وقد تأثر اقتصاده بالحرب وما زال في مرحلة إعادة البناء والتنمية. أما السياحة فهي من الموارد الواعدة بما في البلاد من جبال وبحيرات وأنهار ومدن تاريخية. ومن أشهر المعالم الجسر القديم في موستار الذي يعود إلى العهد العثماني، وقد دُمر في الحرب ثم أُعيد بناؤه وأُدرج ضمن مواقع التراث العالمي.

سادسًا: الثقافة والمجتمع

يتميز المجتمع البوسني بحسن الضيافة والاعتناء بالأسرة، ويتأثر مطبخه ولباسه وعمارته بالطابع العثماني، فتجد القهوة التقليدية والمعجنات المحشوة واللحوم المشوية. ومن الأدباء المشهورين الأديب الحائز على جائزة نوبل للآداب إيفو أندريتش الذي كتب عن الجسر على نهر درينا في فيشغراد، وهي رواية معروفة. وتحتفظ البلاد بمهرجانات فنية وسينمائية أشهرها مهرجان سراييفو السينمائي.

سابعًا: العلاقة بالعالم الإسلامي والعربي

وقف المسلمون في العالم مع البوسنة في محنتها بالدعم الإغاثي والإنساني، وشاركت المملكة العربية السعودية في دعم الشعب البوسني بالمساعدات والمشاريع الخيرية والتعليمية والإنسانية، وهو من واجب الأخوة الإيمانية، فقد قال النبي ﷺ في الحديث الصحيح:

«إِنَّ الْمُؤْمِنَ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ، يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا» (رواه البخاري)

ويدرس عدد من الطلاب البوسنيين اللغة العربية والعلوم الشرعية في الجامعات العربية، ويعود كثير منهم لخدمة مجتمعه.

النتائج

  • البوسنة والهرسك دولة بلقانية عاصمتها سراييفو، تغلب عليها التضاريس الجبلية.
  • دخل الإسلام البلاد في العهد العثماني وترك أثرًا عمرانيًا وثقافيًا ظاهرًا.
  • مرت بحرب مؤلمة في التسعينيات أنهاها اتفاق دايتون سنة ١٩٩٥م.
  • تقوم الدولة على تقاسم السلطة بين مكوناتها الرئيسة.
  • يتجه البلد إلى إعادة البناء والتنمية والاهتمام بالسياحة.

التوصيات

  • الاهتمام بدراسة تاريخ المسلمين في أوروبا ضمن مقررات التاريخ.
  • دعم الجهود الإنسانية والتعليمية التي تحفظ هوية المسلمين في البلقان.
  • تشجيع السياحة الثقافية والتعريف بالمعالم الإسلامية في البلد.

الخاتمة

عرفنا في هذا البحث أن البوسنة والهرسك بلد جميل بتاريخه وطبيعته، له صلة وثيقة بالتاريخ الإسلامي، وقد صبر أهله على المحن وتمسكوا بهويتهم، وهو يسعى اليوم إلى السلام والتنمية. ونسأل الله أن يحفظ بلاد المسلمين ويجمع كلمتهم على الحق.

المراجع

  • كتب الجغرافيا والتاريخ للمرحلتين المتوسطة والثانوية، وزارة التعليم في المملكة العربية السعودية.
  • الموسوعة العربية العالمية، مادة البوسنة والهرسك.
  • إيفو أندريتش، رواية «جسر على نهر درينا».
  • مواقع منظمة اليونسكو المتعلقة بالتراث العالمي.

كلمات دليلية