مقدمة البحث
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فإن الإسلام دين العدل والرحمة، وقد عظّم الله حرمة المسلم، وحرّم أن يُرمى بالكفر أو الفسوق بغير حق. ومسألة التكفير من المسائل الدقيقة التي ضلّ فيها قوم فتوسعوا فيها حتى كفّروا المسلمين وأحلّوا دماءهم، وفرّط فيها آخرون فأنكروا ما هو معلوم من الدين بالضرورة. وفي هذا البحث نتعرف على معنى التكفير وخطورة التسرع فيه وضوابطه عند أهل السنة والجماعة، بأسلوب تعليمي متوازن.
تعريف الموضوع
التكفير في اللغة نسبة الشخص إلى الكفر، وأصل الكفر الستر والتغطية. وفي الاصطلاح: الحكم على شخص أو قول أو فعل بأنه كفر مخرج من ملة الإسلام. والفرق مهم بين أمرين:
- إطلاق الكفر على القول أو الفعل: كأن يقال إن هذا القول كفر، وهو بيان علمي عام يقوم به العلماء لتوضيح الأحكام.
- الحكم على الشخص المعيّن بالكفر: وهو أمر خطير لا يجوز إلا بعد استيفاء الشروط وانتفاء الموانع، ويتولاه العلماء الراسخون والقضاء.
أهمية الموضوع
تظهر أهمية الموضوع في أن التسرع في التكفير من أسباب الفتنة والتفرق والاعتداء على الأنفس والأموال، وهو من أبرز مداخل الفكر المتطرف. ومعرفة ضوابطه تحمي الشاب من الانجراف وراء دعوات التشدد، وتحفظ للمجتمع وحدته وأمنه، وتجعله يرجع في هذه المسائل إلى أهل العلم لا إلى الأهواء أو مواقع التواصل.
أهداف البحث
- بيان معنى التكفير والفرق بين تكفير القول وتكفير المعيّن.
- التحذير من التسرع في إطلاق الأحكام على الناس.
- معرفة ضوابط التكفير وموانعه عند أهل السنة.
- التعرف على آثار التكفير على الفرد والمجتمع.
- تحديد المرجعية الصحيحة للحكم في هذه المسائل.
محاور البحث
أولًا: التحذير من التسرع في التكفير
حذّر النبي ﷺ تحذيرًا شديدًا من رمي المسلم بالكفر بلا حق، فقال:
«أَيُّمَا رَجُلٍ قَالَ لأَخِيهِ يَا كَافِرُ. فَقَدْ بَاءَ بِهَا أَحَدُهُمَا» (رواه البخاري)
ومعنى «باء بها» أي رجعت عليه التهمة إن لم يكن المقول له كذلك. وقال ﷺ في حديث آخر:
«لاَ يَرْمِي رَجُلٌ رَجُلاً بِالْفُسُوقِ، وَلاَ يَرْمِيهِ بِالْكُفْرِ، إِلاَّ ارْتَدَّتْ عَلَيْهِ، إِنْ لَمْ يَكُنْ صَاحِبُهُ كَذَلِكَ» (رواه البخاري)
فهذه النصوص تدل على خطورة هذا الأمر، وأن اللسان قد يوقع صاحبه في الإثم العظيم إذا تساهل في إطلاق الأحكام.
ثانيًا: عصمة المسلم
جعل الإسلام للمسلم ذمة وحرمة، فبيّن النبي ﷺ أن من أظهر شعائر الإسلام كان مسلمًا له ما للمسلمين وعليه ما عليهم:
«مَنْ صَلَّى صَلاَتَنَا، وَاسْتَقْبَلَ قِبْلَتَنَا، وَأَكَلَ ذَبِيحَتَنَا، فَذَلِكَ الْمُسْلِمُ الَّذِي لَهُ ذِمَّةُ اللَّهِ وَذِمَّةُ رَسُولِهِ، فَلاَ تُخْفِرُوا اللَّهَ فِي ذِمَّتِهِ» (رواه البخاري)
وقد أمر الله بالتثبت في الحكم على الناس بالظاهر وعدم المسارعة إلى الاتهام:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَىٰ إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ ۚ كَذَٰلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ [النساء: 94]
فالأصل في المسلم السلامة وحسن الظن، ولا يُخرج من الإسلام إلا ببرهان واضح لا شبهة فيه.
ثالثًا: منهج أهل السنة والجماعة
- لا يكفّرون أحدًا من أهل القبلة بذنب دون الشرك، كشرب الخمر أو ترك بعض الواجبات، مع اعتقادهم أنه عاصٍ يستحق التوبة.
- يقررون أن الكفر حكم شرعي مرجعه الكتاب والسنة، لا العقل ولا الهوى ولا الاجتهاد الشخصي.
- يفرقون بين إطلاق الحكم على القول أو الفعل وبين تنزيله على شخص معين.
- يعتبرون الحكم على المعيّن مسؤولية العلماء والقضاة، لما يتطلبه من علم بالأدلة وتحقق من الشروط.
- يتجنبون الغلو (الخوارج ومن سار على نهجهم) ويتجنبون التفريط (من أنكر أصول الدين).
رابعًا: شروط الحكم بالتكفير وموانعه
| الشروط | الموانع |
|---|---|
| أن يكون الفعل أو القول كفرًا بدليل صريح من الكتاب والسنة | الجهل، كمن حديث عهد بالإسلام أو نشأ بعيدًا عن العلماء |
| أن يكون الفاعل بالغًا عاقلًا مختارًا عالمًا بمعنى فعله | الإكراه الذي يُلجئ الإنسان إلى القول دون اعتقاد |
| أن تقوم عليه الحجة ويُزال اللبس عنه | التأويل المحتمل عند من له شبهة معتبرة |
| أن يكون القصد واضحًا لا مجرد سبق لسان | الخطأ وسبق اللسان وشدة الغضب أو الذهول |
ولذلك قال العلماء إن باب التكفير باب خطير يحتاج إلى علم راسخ وتثبت.
خامسًا: مرجعية الحكم
الحكم بالكفر على شخص معيّن مسؤولية القضاء الشرعي، يتولاه القاضي بعد التحقيق وسماع الأقوال وإقامة الحجة، ويرجع فيه إلى كبار العلماء وهيئاتهم. وقد أولت المملكة العربية السعودية هذا الأمر عناية، فمرجعية الإفتاء لهيئة كبار العلماء واللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء، وللمحاكم وحدها الفصل في الدعاوى المتعلقة بذلك وفق النظام. ولا يجوز للفرد ولا للجماعات أن تأخذ على عاتقها هذا الأمر أو تتصرف بناء عليه.
سادسًا: آثار التكفير الخاطئ
- إثارة الفتن وتمزيق وحدة الأمة والمجتمع.
- الاعتداء على الأنفس والأموال المحرمة، وقد جاء الوعيد الشديد في قتل المؤمن عمدًا.
- قطع الأرحام وتفكك الأسر وتنافر الجيران والأصدقاء.
- تشويه صورة الإسلام وتقديمه بوجه غير صحيح.
- الوقوع في إثم الظلم والاتهام بغير بينة.
﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ [النساء: 93]
سابعًا: سبل الوقاية
- طلب العلم الشرعي من أهله الثقات وعدم أخذه من مجاهيل ومنصات غير موثوقة.
- الرجوع إلى العلماء في المسائل الكبيرة وعدم الاجتهاد الفردي.
- نشر ثقافة الوسطية والاعتدال والحوار والتناصح.
- التحصين الفكري للشباب وتعليمهم أن حب الدين لا يبرر الظلم.
- حسن الظن بالمسلمين وستر عيوبهم والنصح بالرفق.
النتائج
- التكفير حكم شرعي خطير لا يجوز التسرع فيه، وقد جاء الوعيد الشديد في رمي المسلم بالكفر بلا حق.
- يُفرَّق بين الحكم على القول والحكم على الشخص المعيّن.
- للتكفير شروط وموانع لا بد من تحققها قبل الحكم.
- مرجعية الحكم للعلماء الراسخين والقضاء المختص.
- التسرع في التكفير يؤدي إلى الفتنة والغلو والإضرار بالمجتمع.
التوصيات
- تعزيز الوعي الشرعي بالمنهج الوسطي في المدارس والجامعات والمساجد.
- تشجيع الشباب على سؤال العلماء الثقات وعدم التأثر بالدعوات المتشددة في وسائل التواصل.
- الإبلاغ عن الأفكار المتطرفة للجهات المختصة والمشاركة في برامج المناصحة والتوعية.
الخاتمة
تعرفنا في هذا البحث على معنى التكفير وخطورة التسرع فيه، وعلى منهج أهل السنة والجماعة في ضبطه بالشروط والموانع، وأن الحكم على الأشخاص من اختصاص العلماء والقضاء. والواجب على المسلم أن يحفظ لسانه، وأن يحسن الظن بإخوانه، وأن يلتزم الوسطية، سائلين الله تعالى أن يحفظ بلادنا وبلاد المسلمين من الفتن ما ظهر منها وما بطن.
المراجع
- القرآن الكريم، وصحيح البخاري.
- كتب العقيدة والتوحيد المقررة في المرحلة الثانوية، وزارة التعليم في المملكة العربية السعودية.
- كتب العقيدة في باب الإيمان ونواقضه، كمجموع الفتاوى لشيخ الإسلام ابن تيمية.
- بيانات هيئة كبار العلماء واللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في المملكة العربية السعودية.