مقدمة البحث
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه. أما بعد، فقد كرّم الله الإنسان وحفظ له نفسه وبدنه وأعضاءه، وجعل الاعتداء عليها محرّمًا يستوجب العقوبة والضمان. ولم تقتصر أحكام الجنايات في الفقه الإسلامي على القتل، بل شملت كل اعتداء على الجسم ولو لم يصل إلى إزهاق الروح، وهو ما يسمى الجناية على ما دون النفس. وفي هذا البحث نتعرف على هذا الباب بأسلوب تعليمي مبسّط.
تعريف الموضوع
الجناية على ما دون النفس هي كل اعتداء على جسم الإنسان لا يؤدي إلى موته، سواء أصاب عضوًا أو جزءًا منه أو أزال منفعته، وسواء كان بالضرب أو الجرح أو القطع أو غير ذلك، وسواء كان الفعل عمدًا أو خطأً. ومن أمثلتها: قطع اليد أو الرجل، وفقء العين، وكسر السن، وإحداث الجروح في الرأس أو الجسم، وإذهاب السمع أو البصر أو الشم أو العقل.
أهمية الموضوع
تنبع أهمية هذا الموضوع من أن الاعتداء على الأطراف والأعضاء كثير الوقوع في الخصومات والحوادث، وأن الشريعة جعلت لكل اعتداء حكمًا يناسبه فلم تهمل صغيرًا ولا كبيرًا. كما أن دراسته تغرس في النفوس احترام أجسام الآخرين وتحذّر من الاستهانة بالأذى، وتبيّن كيف توازن الشريعة بين العقوبة والتعويض والعفو.
أهداف البحث
- بيان معنى الجناية على ما دون النفس وأمثلتها.
- التعرف على أنواعها من جروح وقطع وإبطال منافع.
- معرفة القصاص والدية والأرش في هذا الباب.
- بيان شروط القصاص فيما دون النفس.
- إدراك حكمة الشريعة في حفظ الأعضاء والمنافع.
محاور البحث
أولًا: الأصل في مشروعية القصاص فيما دون النفس
جاء في القرآن الكريم أن الجروح قصاص، وأن العين بالعين والسن بالسن، قال الله تعالى:
﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ ۚ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ ۚ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [المائدة: 45]
وهذه الآية تقرر مبدأ المماثلة في العقوبة، فلا يزاد على الجاني فوق ما فعل. وقد وردت في سياق ذكر ما كتبه الله على بني إسرائيل، وجاءت شريعتنا بتقريره مع فتح باب العفو والتصدق بالحق، وقد أشارت الآية نفسها إلى فضل العفو والتصدق بالحق. وقال سبحانه في المماثلة العامة:
﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ ۖ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾ [النحل: 126]
وقد جاء النهي عن الإيذاء بصفة عامة في قول النبي ﷺ:
«الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ» (رواه البخاري)
ثانيًا: أنواع الجناية على ما دون النفس
| النوع | المقصود | أمثلة |
|---|---|---|
| إبانة الأطراف | فصل عضو عن الجسم وما يجري مجراه | قطع اليد أو الرجل أو الأذن أو الأنف |
| إذهاب منافع الأعضاء | إبطال عمل العضو مع بقاء صورته | إذهاب السمع أو البصر أو الشم أو الذوق أو الكلام |
| الشجاج | الجروح في الرأس والوجه | الحارصة والموضحة والهاشمة والمنقلة والمأمومة |
| الجراح | الجروح في سائر الجسد | الجائفة وهي التي تصل إلى جوف البدن |
| سائر الاعتداءات | ما سوى ما سبق من الضرب والكسر | كسر العظم وإحداث الورم والكدمات |
ثالثًا: العقوبة والتعويض
ينقسم الحكم في هذا الباب إلى ثلاثة أنواع بحسب حال الجناية:
- القصاص: إذا كانت الجناية عمدًا وأمكن استيفاء المثل دون زيادة ولا ظلم، كقطع اليد من المفصل أو إزالة السن.
- الدية: وهي المال المقدّر شرعًا في بعض الأعضاء والمنافع، إذا لم يمكن القصاص أو عفا المجني عليه إلى الدية أو كانت الجناية خطأً.
- الأرش (حكومة العدل): وهو تعويض غير مقدّر شرعًا، يقدّره القاضي بالاستعانة بأهل الخبرة فيما لم يرد فيه تقدير، كالجروح الصغيرة والكدمات.
وقد ذكر الفقهاء قاعدة في الدية: أن ما في الجسم منه عضو واحد كاللسان والأنف ففيه دية كاملة، وما فيه عضوان كاليدين والعينين ففي الاثنين دية كاملة وفي أحدهما نصفها. ويقدّر القاضي ذلك بحسب ما قررته الأنظمة المعمول بها في كل بلد.
رابعًا: شروط القصاص فيما دون النفس
- أن يكون الجاني بالغًا عاقلًا قاصدًا للفعل، فلا قصاص على الصغير والمجنون.
- أن تكون الجناية عمدًا لا خطأً.
- أن يكون المجني عليه معصوم الدم والطرف، فلا قصاص في الاعتداء على من يجوز الاعتداء عليه شرعًا كدفع الصائل.
- أن يمكن استيفاء القصاص دون تجاوز المثل، أي أن يكون للعضو مفصل أو حد ينتهي إليه القطع.
- أن يتماثل العضوان في الاسم والموضع، فاليمنى باليمنى واليسرى باليسرى.
فإن لم تتوفر الشروط انتقل الحكم إلى الدية أو الأرش بحسب الحال. ولا ينفّذ القصاص إلا بحكم قضائي صادر بعد ثبوت الجناية، ويتولى تنفيذه ولي الأمر عن طريق الجهات المختصة، ولا يجوز للمجني عليه أن يقتص بنفسه، لأن في ذلك خطر الزيادة والفوضى.
خامسًا: العفو والصلح
رغّبت الشريعة في العفو والإصلاح، فالمجني عليه له أن يعفو عن القصاص مجانًا أو يصالح على مال، وأجره على الله. قال الله تعالى:
﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا ۖ فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ [الشورى: 40]
وقال تعالى في فضل العفو والتجاوز عن الآخرين:
﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [ال عمران: 134]
سادسًا: أمثلة تعليمية
- إذا اعتدى شخص عمدًا على آخر فأتلف عينه بعد ثبوت الحكم، جاز في الأصل القصاص بشروطه، وللمجني عليه العفو إلى الدية أو مجانًا.
- إذا اصطدمت سيارتان خطأً فأصيب سائق بكسر في يده، وجب التعويض بالدية أو الأرش، ولا قصاص لعدم القصد.
- إذا جرح شخص آخر جرحًا خفيفًا لا يمكن قياسه بدقة، فالمعول عليه حكومة عدل يقدّرها القاضي.
حكمة التشريع
- حفظ الأجسام والأعضاء والمنافع التي بها قوام الحياة.
- ردع المعتدين وتحقيق العدل بين المجني عليه والجاني.
- تعويض المتضرر عن الأذى الذي أصابه.
- فتح باب العفو والإصلاح وإزالة الأحقاد.
النتائج
- الجناية على ما دون النفس شاملة للجروح والقطع وإذهاب المنافع.
- الأصل فيها القصاص بشروطه، ثم الدية، ثم الأرش.
- العفو والصلح مرغّب فيهما شرعًا.
- التنفيذ من اختصاص القضاء وولي الأمر، لا الأفراد.
التوصيات
- تعليم النشء احترام أجساد الآخرين والابتعاد عن الشجار والتعدي.
- الأخذ بأسباب السلامة في المدارس والطرق لتقليل الإصابات.
- الرجوع إلى المحاكم والعلماء المختصين في تقدير الأحكام التفصيلية.
الخاتمة
تعرّفنا في هذا البحث على الجناية على ما دون النفس وأنواعها وأحكامها من قصاص ودية وأرش، ورأينا كيف حفظت الشريعة الأعضاء والمنافع ووازنت بين العدل والرحمة. والواجب علينا أن نتجنب الأذى وأن نحل خلافاتنا بالحكمة والصلح، وأن نترك التقدير والتنفيذ لأهل القضاء.
المراجع
- القرآن الكريم، وصحيح البخاري.
- كتب الفقه في أبواب الجنايات والديات، كالمغني لابن قدامة وبداية المجتهد لابن رشد.
- كتب الفقه والتوحيد المقررة في المرحلة الثانوية، وزارة التعليم في المملكة العربية السعودية.