مقدمة البحث
الحمد لله الذي خلق من الماء بشرًا فجعله نسبًا وصهرًا، والصلاة والسلام على نبينا محمد الذي أرشدنا إلى بناء الأسرة على الطهر والمودة. أما بعد، فإن الأسرة هي النواة الأولى للمجتمع، ولا تقوم الأسرة المشروعة إلا بعقد النكاح الذي جعله الإسلام ميثاقًا غليظًا بين الرجل والمرأة. وفي هذا البحث نتعرف على النكاح في الإسلام: معناه وأدلته وأحكامه وأركانه وشروطه وحقوق الزوجين فيه.
تعريف الموضوع
النكاح في اللغة يدل على الضم والاجتماع، ويطلق على العقد وعلى الوطء. وفي اصطلاح الفقهاء هو عقد شرعي بين رجل وامرأة يحل به لكل منهما الاستمتاع بالآخر على الوجه المشروع، ويهدف إلى السكن والمودة وإنجاب الذرية وإقامة بيت مسلم. ويسمى كذلك الزواج، والعقد، وقد ورد اللفظان في القرآن الكريم.
أهمية الموضوع
- تعلم أحكام النكاح من مسائل الدين التي يحتاجها كل مسلم ومسلمة قبل الإقدام على الزواج.
- الزواج الصحيح سبب لاستقرار الأسرة وحفظ الأنساب وصيانة الأعراض.
- معرفة الحقوق والواجبات تقلل المشكلات الأسرية وتحفظ الحقوق.
- يوضح البحث أن الإسلام وازن بين مطالب الروح والجسد، ولم يفرط ولم يغلُ.
أهداف البحث
- التعريف بالنكاح وبيان أدلة مشروعيته من الكتاب والسنة.
- بيان حكمه والحكمة من تشريعه.
- معرفة أركانه وشروطه.
- التعرف على حقوق الزوجين وآداب اختيار شريك الحياة.
أولًا: مشروعية النكاح
النكاح مشروع بالكتاب والسنة والإجماع. فمن الكتاب قوله تعالى في بيان آية من آيات الله في خلق الأزواج والمودة بينهم:
﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الروم: 21]
وقال تعالى في الأمر بتزويج غير المتزوجين من الأحرار والصالحين:
﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَىٰ مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ ۚ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ ۗ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [النور: 32]
ومن السنة حث النبي ﷺ على الزواج وبيان أنه من سنته، فقد جاء ثلاثة رجال يسألون عن عبادته، وتقالّوا ما سمعوه، وقال أحدهم إنه سيعتزل النساء ولا يتزوج أبدًا، فقال النبي ﷺ:
«أَنْتُمُ الَّذِينَ قُلْتُمْ كَذَا وَكَذَا أَمَا وَاللَّهِ إِنِّي لأَخْشَاكُمْ لِلَّهِ وَأَتْقَاكُمْ لَهُ، لَكِنِّي أَصُومُ وَأُفْطِرُ، وَأُصَلِّي وَأَرْقُدُ وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي» (رواه البخاري)
وأجمع المسلمون على مشروعية النكاح.
ثانيًا: حكمة تشريع النكاح
- إعفاف النفس وصيانتها من الحرام.
- بقاء النوع الإنساني عن طريق الذرية الصالحة.
- تحقيق السكن النفسي والمودة والرحمة بين الزوجين.
- حفظ الأنساب ووضوح العلاقات الأسرية.
- تقاسم الأعباء وتعاون الزوجين على الطاعة وتربية الأولاد.
وقد حث النبي ﷺ الشباب على الزواج لما فيه من حفظ للنفس، فقال:
«يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ مَنِ اسْتَطَاعَ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ، وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ، فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ» (رواه البخاري)
والباءة هي القدرة على تكاليف الزواج، والوجاء ما يكسر حدة الشهوة، أي أن الصيام علاج لمن لم يستطع الزواج.
ثالثًا: حكم النكاح
الأصل في النكاح أنه سنة مؤكدة لمن كان قادرًا عليه ومحتاجًا إليه ولا يخاف الوقوع في الظلم. وقد تتغير الأحكام بحسب حال الشخص، كما ذكر الفقهاء:
| الحكم | الحالة |
|---|---|
| واجب | من خاف على نفسه الوقوع في الحرام وكان قادرًا على النفقة |
| سنة مؤكدة | القادر المحتاج الذي لا يخشى الوقوع في الحرام، وهو الحال الغالب |
| مباح | من لا رغبة له ولا ضرر منه |
| مكروه | من كان عاجزًا عن حقوق الزواج ولم يخش الضرر على الطرف الآخر، عند بعضهم |
| محرم | من تيقن أنه سيظلم زوجته أو لا يقيم حقوقها |
وهذا التفصيل مما اختلف فيه العلماء في بعض صوره، والراجع للمفتي عند الحاجة.
رابعًا: أركان النكاح وشروطه
الأركان
- وجود الزوجين الخاليين من الموانع الشرعية.
- الإيجاب، وهو اللفظ الصادر من الولي أو من يقوم مقامه.
- القبول، وهو اللفظ الصادر من الزوج أو من يقوم مقامه.
الشروط
- تعيين الزوجين: فلا يصح العقد على امرأة غير معينة.
- رضا الزوجين: فلا يجوز إكراه المرأة ولا الرجل على النكاح.
- الولي: وهو أبو المرأة أو من يليه من أقاربها الأقرب فالأقرب، وهذا شرط عند جمهور العلماء.
- الشهادة: أي حضور شاهدين عدلين عند العقد أو الإعلان، وهو مما يميز النكاح عن السر.
- الخلو من الموانع: كالقرابة المحرمة والرضاع والعدة وكون المرأة في عصمة زوج آخر.
ومما يدل على اشتراط رضا المرأة قول النبي ﷺ:
«لاَ تُنْكَحُ الأَيِّمُ حَتَّى تُسْتَأْمَرَ وَلاَ تُنْكَحُ الْبِكْرُ حَتَّى تُسْتَأْذَنَ» (رواه البخاري)
فالأيم هي الثيب، ومعنى الحديث أنه لا يجوز تزويج المرأة بغير رضاها، وفي ذلك احترام عظيم لإرادتها.
خامسًا: اختيار شريك الحياة
الزواج قرار مصيري، والإسلام أرشد إلى معيار الاختيار، فقال النبي ﷺ:
«تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ لأَرْبَعٍ لِمَالِهَا وَلِحَسَبِهَا وَجَمَالِهَا وَلِدِينِهَا، فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ يَدَاكَ» (رواه البخاري)
ومعنى «فاظفر بذات الدين» أن يكون الدين والخلق أول ما يُنظر إليه، فلا يمنع هذا من مراعاة التكافؤ والتفاهم والرؤية الشرعية والسؤال عن حال الخاطب. ومن الآداب المستحبة الاستخارة والاستشارة، والخطبة بالمعروف، والنظر المشروع إلى المخطوبة.
سادسًا: حقوق الزوجين
حقوق مشتركة
- حسن العشرة والمودة والرحمة.
- الأمانة وحفظ أسرار البيت.
- التعاون على تربية الأولاد.
حقوق الزوجة
- المهر والنفقة والمسكن بالمعروف.
- المعاملة الحسنة والعدل بين الزوجات عند التعدد.
حقوق الزوج
- القوامة بمعنى المسؤولية والرعاية، لا التسلط.
- الطاعة بالمعروف وحفظ بيته وماله.
ومن أصول الحياة الزوجية الوفاء بما اشترط عند العقد، وقد قال النبي ﷺ:
«أَحَقُّ الشُّرُوطِ أَنْ تُوفُوا بِهِ مَا اسْتَحْلَلْتُمْ بِهِ الْفُرُوجَ» (رواه البخاري)
سابعًا: عقد النكاح في النظام السعودي
ينظم نظام الأحوال الشخصية في المملكة العربية السعودية كثيرًا من مسائل عقد الزواج وآثاره، ويتم العقد عن طريق مأذون أو جهة مختصة يوثق فيها العقد. وفي التوثيق حفظ للحقوق ومنع للنزاع، ولذلك ينبغي الرجوع إلى الجهات المختصة والمحاكم عند الحاجة.
الخاتمة
تبين لنا في هذا البحث أن النكاح عقد عظيم شرعه الله لبناء الأسرة وحفظ النوع الإنساني وتحقيق السكن والمودة، وأنه سنة مؤكدة في الأصل، وأن له أركانًا وشروطًا لا يصح بدونها. وأن للزوجين حقوقًا متبادلة تقوم على الرحمة والعدل. نسأل الله أن يصلح أحوال أسرنا ويبارك في بيوتنا وذرياتنا.
المراجع
- القرآن الكريم، وصحيح البخاري.
- كتب الفقه الإسلامي في باب النكاح، ومنها «الفقه الميسر» و«المغني» لابن قدامة.
- كتاب «الفقه الإسلامي وأدلته» للدكتور وهبة الزحيلي.
- كتب الفقه المقررة في مناهج وزارة التعليم في المملكة العربية السعودية.
- الأنظمة المنشورة من وزارة العدل في المملكة العربية السعودية.